عقدت ميلونا حاجبيها وكأنها لا تصدق ما يقوله، ثم نظرت إلى ويد بصمت.
كانت نظرة تحمل ضغطًا واضحًا: توقف عن المزاح وقل الحقيقة.
“بما أني جئت لأطلب موعدًا… جئت أيضًا لأسمع تفسيرًا لسبب وجودك بتلك الهيئة في منزل كونت غافيوس.”
مرّر ويد الضغط الذي وضعته عليه بابتسامة خفيفة، وكأنه يستمتع تمامًا بالوضع وبالحديث معها، فحتى صوته كان يحمل نبرة مرح واضحة.
“… قلتَ إنك ستمنحني وقتًا لأرتّب أفكاري.”
“ألم يكن الوقت كافيًا؟”
كانت قد رتّبت أفكارها بالفعل منذ ليلة أمس عند عودتها للمنزل.
في الحقيقة، مجرد التفكير في هذا الأمر كان بلا معنى.
فطالما أن الحب ضروري لإنقاذ العالم، فلا خيار أمامها سوى سرقته من ويد بالتحديد.
حتى لو أصبح عدوًا لها، فهي مضطرة لانتزاع حبه على أي حال…
لكن ميلونا كانت تتمنى أن تعيش حياتها الجديدة بطريقة أسهل قليلًا.
أليس من الأفضل أن يكون في صفّي، ونسرق الحب وننقذ العالم في الوقت نفسه؟ ما أجمل ذلك!
هناك في العالم من يحبون العلاقات المعقدة والمتعبة ويهرعون خلفها، لكن ميلونا ليست من هؤلاء.
صحيح أن لكل شخص ذوقه ويجب احترامه، لكنها لا تريد أن تتعمد خلق متاعب إضافية فوق رأسها.
ولهذا… كم يجب أن تخبر ويد؟ وأين يجب أن تتوقف؟
الجواب كان بوضوح:
(كل شيء… باستثناء ما يجب إخفاؤه.)
ولحسن الحظ، لم تكن الأشياء التي يجب إخفاؤها كثيرة:
الدمار… العودة بالزمن… الحاكم… والوسم المقدس.
أما الثلاثة الأولى، فذكرها وحده كفيل بجعلها تبدو مجنونة، فيتم جرّها إلى ملجأ للعلاج وإقفال الباب عليها…
ثم يموت العالم وهي محبوسة.
أما الوسم المقدس، فلو رآه ويد—وهو غريب تمامًا عنها—فهي لا تريد حتى تخيّل ما قد يحدث.
على الأقل الماركيز والدها لن يترك الكهنة يأخذونها، لكن ويد… ليس من عائلتها، ولا تدري ما قراره.
( سأخفي أربعة أشياء فقط… والباقي سأخبره به. والثغرات؟ هذا الرجل الذكي سيعرف كيف يملؤها بنفسه.)
كان هذا القرار غير مسؤول قليلًا، لكن بما أنها تريد جعله حليفًا، فلم تكن ترغب بإفساد الثقة ببقية الأكاذيب.
“هل تجلس أولًا؟”
“إذًا رتّبتِ أفكارك بالفعل؟”
“… أنت من سألني إن كان الوقت كافيًا.”
“هل فعلت؟”
كدت ميلونا تستصرخ الحكام من وقاحة ردّه، لكنها أخفت غضبها بأخذ نفس عميق.
هي في وضع تحتاج فيه لمساعدته… فلا مجال للانفعال.
قادته إلى طاولة الشاي في وسط البيت الزجاجي، وجلست أولًا ثم أشارت له بالجلوس.
الخدم الذين تبعوهم أُمروا بالانتظار خارج البيت الزجاجي، لذا كانت الطاولة فارغة بلا أي ضيافة.
“سأبدأ بإخبارك لماذا اضطررت للذهاب إلى قصر غافيوس.”
ونظرت إلى عينيه مباشرة وهي تبدأ بالشرح—وكأنها تريد أن تثبت صدقها بكل كلمة تقولها.
شرحت له: الموت المتزايد فجأة في الأزقة… ظهور رجال مشبوهين قبل كل موت… والكرة السوداء التي كانوا يدفنونها.
“إذًا وصلتِ إلى منزل الكونت غافيوس باتباع أولئك الرجال؟”
“نعم. ورئيس فرسان القصر كان هناك بنفسه.”
أما سبب نشرهم للموت… فهو الدمار.
لكن هذا أمر لا يستطيع معرفته إلا شخص عاد بالزمن مثلها.
ومع ذلك، حتى وهي التي عايشت الدمار بنفسها… لم يكن تفسيره سهلًا.
فكيف يمكن أن تشرح شيئًا لم يسمعه الطرف الآخر من قبل ولا يصدق وجوده أصلًا؟
لذلك، اكتفت بالتأكيد مرارًا أن ما يفعلونه مريب للغاية.
“أنا متأكدة أن هناك شيئًا ما في ذلك المخزن تحت الأرض.”
“ميلونا.”
“المشكلة أنهم يحتاجون مفتاحًا للدخول إليه… وأنا طلبت من أحدهم—”
“ميلونا.”
“نعم؟”
رفعت رأسها فورًا عندما ناداها بحدة.
كان ويد قد توقّف عن الابتسام، وبدا وجهه فجأة متيبسًا وجادًا للغاية.
“لماذا تنظر إليّ هكذا يا سموّ الأمير؟”
“بل أنا من يجب أن يسأل. لماذا قمتِ بشيء بهذا القدر من الخطورة؟”
“نعم؟”
“لو لم أعثر عليكِ وقتها… كان من الممكن أن تموتي هناك يا ميلونا. وإن لم تموتي، فستتعرضين لجروح خطيرة.”
“حسـ… نعم، ربما.”
فور أن تذكرت الخنجر القصير الذي لوّح به خادم الكونت، ارتجف ظهرها.
حقًا… لو لم يأتِ ويد، لكانت العاقبة وخيمة.
“آه… لم أشكرك كما يجب وقتها…”
“لا حاجة للشكر. فقط… أرجوك توقفي عن فعل أشياء خطيرة.”
“… نعم؟”
“لا تملكين أي قوة للدفاع عن نفسك، ومع ذلك تقتحمين أماكن كهذه بلا خوف؟”
“أه… ماذا؟”
لماذا… يغضب؟
إن لم تخنها عيناها، فهو غاضب حقًا.
غاضب لأنها دخلت مكانًا خطيرًا بلا حماية… بلا خطة… وبتهور.
“كنتُ فقط أحاول التحقق من—”
“لم تتوقعي حدوث شيء سيئ، صحيح؟”
“أنا عادةً… لا أتصرف هكذا! دائمًا أؤمن طريق هروب واحدًا على الأقل—بل ثلاثة!—لكن أمس… الأحداث تعقدت فجأة…”
كان غضبه غريبًا.
لكن الأغرب من غضبه هو… أنها بدأت تبرر له وكأنه يحقق مع طفل.
وللمفارقة… ويد نفسه لا يعرف لماذا كان غاضبًا بهذا الشكل.
لكن ميلونا لم تكن لتعرف ذلك، لذا افترضت أن الوضع كان أخطر مما ظنت.
“إمم… على أي حال… آسفة؟”
هل هذا وقت الاعتذار؟
حسنًا، خرجت الكلمة… ووجه ويد هدأ قليلًا، لذا ربما لم يكن قرارًا سيئًا.
“من الآن فصاعدًا… إذا شعرتِ بالخطر، اهربي فورًا.”
“أنا دائمًا أفعل… عادةً. نعم، سأتأكد من ذلك.”
كادت تقول الحقيقة كاملة، لكنها بلعتها حين لاحظت النظرة الحادة في عينيه الذهبية.
“هل هذا كل ما لديكِ لتخبريني به؟”
“نعم، هذا كل شيء.”
“رئيس فرسان غافيوس يدخل الأزقة مع رجاله…؟”
“ليس فقط يدخلون. بل يقومون بأعمال مشبوهة أيضًا.”
“دفنوا كرة سوداء؟”
“نعم.”
“وبعد مغادرتهم يموت الكثيرون؟”
“الموت يأتي بلا أي علامات مسبقة. من المستحيل أن يكون الأمر مجرد صدفة.”
أرادت الركض إلى المكان وحفر الكرة السوداء فورًا…
لكن الخوف من زيادة يقظتهم وجعل حركتهم أخفى جعلها تتراجع.
على الأقل، طلبتُ من القائد ودانييلا الاهتمام بالناس هناك. لن يموت أحد بعد الآن.
لم تستطع إخراج الكرة…
إذًا كان الحل الوحيد نقل السكان من المكان قبل أن يقع الأسوأ.
كانت تلك هي أولى الأشياء التي طلبتها من دانيل و دانييلا بعد عودتها الخفية إلى متجر “العصفور الأزرق” ليلة أمس.
شعرت ميلونا ببعض الضيق لأنها ربما استغلّت سؤال وييد المفاجئ، لكن ما قاله كان صحيحًا، فلا فائدة من القلق بشأن بيلي الآن—ومهما حدث له لاحقًا، لم تكن ترغب في التفكير فيه أكثر.
“إذًا… ماذا عن الناس هناك؟”
أجابته ميلونا بعد لحظة تردد:
“…على الأرجح انتقلوا إلى مكان آخر في هذا الوقت.”
كان هذا السؤال بالذات مما لم تتوقعه ميلونا إطلاقًا.
صحيح أنها أصبحت الآن جزءًا من مجتمع النبلاء رفيعي المستوى، لكن آثار سنوات عيشها في قاع المجتمع لم تُمحَ تمامًا، وما زال لبعض الأحكام المسبقة مكانٌ في قلبها.
ومن تلك الأفكار التي زرعتها الحياة فيها:
(النبلاء لا يرون أهل القاع كبشر أصلاً.)
وبصراحة… لم يكن ذلك تصورًا خاطئًا دائمًا.
فانظر إلى ما يحدث الآن:
ناس يموتون بالعشرات في الأزقة الخلفية بسبب تحركات تلك الجماعة المشبوهة، ومع ذلك لا يهتم أي نبيل بالأمر.
لولا أنّ ميلونا مرّت بالصدفة على الكازينو ذلك اليوم، لما كانت عرفت بما يجري أصلًا. وحتى لو عرفت، فغالبًا كانت ستكتشفه بعد فوات الأوان.
لكن…
(هذا الرجل… مختلف قليلًا؟)
إنه من العائلة الإمبراطورية، ومن أعلى طبقات النبلاء.
ومع ذلك، حين وصله تقرير عن تحركات تلك العصابة، كان أول سؤال يطرحه: “ماذا عن أهل ذلك المكان؟ هل هم بخير؟”
(شخصيته سيئة، نعم… لكنها ليست سيئة بالكامل كما يبدو.)
رغم غرابة الأفكار التي تقفز لرأسها، إلا أن هذا كان شعورها الحقيقي في تلك اللحظة.
ويبدو أن ويد لم ينتبه لارتباك ميلونا، فقد غرق في تفكير عميق للحظات.
لم يكن يسخر منها، ولم يكن يبتسم ابتساماته المستفزة المعتادة؛ بل بدا هادئًا… ووسيمًا إلى حد يكفي لسلب الأنفاس.
لو كان أكثر تهذيبًا… ولو قليلاً فقط…
ربما لكانت ميلونا هي من تقع في الحب، بدلًا من أن تضطر لسرقته منه.
‘لا، لا! هذا خطير!’
تداركت نفسها بسرعة.
فكل خطتها مبنية على شيء واحد: أن يقع هو في حبّها، لا العكس.
هل من الممكن أن الحاكم الذي أعادها بالزمن قد جعل شخصية ويد هكذا تحديدًا… حتى لا تقع هي في غرامه وتفسد الخطة؟
احتمال مخيف جداً.
“ميلونا.”
“ن–نعم!”
انتفضت من شرودها ونظرت إليه بسرعة…
لتراه يبتسم. يبتسم ابتسامة واسعة، مشرقة، ساحرة
… ومُريبة حدّ الخطر.
وأصبحت تعرف جيدًا ما تعنيه هذه الابتسامة:
خطة. أو نية سيئة. أو مصيبة قادمة. وربما الثلاثة معًا.
ازدردت ميلونا ريقها بقلق، تحدّق في ويد وتنتظر ما سيقوله بحذر شديد، وهي تهيئ نفسها لما ستسمعه الآن…
التعليقات لهذا الفصل " 49"