الفصل 47
كان الإمبراطور يحدّق في “وايد” بعينيه الذهبيتين الحادتين.
يخيّل لوايد أنه كان يوجد دفءٌ ما في تلك النظرات في زمنٍ قديم…
لكن…
«لا أذكر ذلك بوضوح.»
فالذكريات التي لم تصبح يومًا “ذكرى جميلة” تختفي في النهاية.
واجه وايد نظرات الإمبراطور بثبات وفتح شفتيه ببطء.
“هل يزعجك أن أقترب من ميلونا؟”
“…يبدو أنكما صرتما مقرّبين بما يكفي لتدعوها باسمها.”
“إن كانت أوامر جلالتك تقتضي مراقبتها من قريب، فلا بد أن أتقرب منها، أليس كذلك؟”
كان وايد يعلم منذ زمن طويل أن الإمبراطور يكنّ حذرًا تجاه ماركيز “غلوفر”.
وأمرُ مراقبة “ميلونا” لم يكن سوى امتداد لذلك الحذر.
ولهذا، تعمّد وايد أن يذكر اسم ميلونا أمامه.
فهو طوال حياته لم يفعل شيئًا يُسعد الإمبراطور، وتعمّد فعل ما يكرهه.
وكالعادة…
وقع ذلك التصرف موقعه.
فكزّ الإمبراطور فكه بقوة، وارتجفت وجنته كأنها تكبح غضبًا، وانكمشت عيناه ضيقًا وهو يحدّق في وايد بغضب.
أما وايد فابتسم ابتسامة باردة، مُظهِرًا تحدّيه المتعمد.
“وقاحتك تزداد يومًا بعد يوم.”
“حقًا؟”
“لا تُبالِ كثيرًا بطول عمرك.”
“أنتم تعلمون أكثر مني أن وجود الإمبراطورة الأم وحده كافٍ لضمان حياتي.”
“قد تتعرض لحادثٍ كبير في مكان لا تصل إليه أعينها.”
“حتى الآن لم يوجد مكانٌ لا يصل إليه نظرها، ولحسن الحظ.”
لم تكن هذه محادثة ودودة بين أخوين،
لكن بالنسبة لهما…
كانت الطريقة المعتادة في الحديث.
ينظران إلى بعضهما كما لو أنهما قد ينهشان عنق الآخر في أي لحظة…
ولكن دون أن يتجاوز أي منهما حدود التهديد الحقيقي.
“أسألك مرة أخيرة. ما الذي تريد قوله حقًا؟ لا تلتف حول الموضوع وقلها مباشرة.”
“لن أتدخل فيما يتعلق بتدنّيك في اختيار من تخالطهم.”
“……”
“لكن الزواج… لا.”
رفع وايد حاجبيه بدهشة وسخرية.
لماذا ظهر موضوع زواجه فجأة في هذا الموقف؟
“ما الذي تعنيه؟”
“الزواج هو الشيء الوحيد الذي يمكنك فعله لأجل ريشيوس.”
“جلالتكم تصفون بيعتي لمن يدفع ثمنًا أعلى بكلمات… راقية جدًا.”
أدرك وايد ما كان يريد الإمبراطور قوله، ولم يستطع منع نفسه من السخرية.
لكن الإمبراطور تجاهل ردّه تمامًا.
ليس تجاهلًا مُفتعلًا…
بل كأنه قطع اهتمامه به كليًا.
وبنبرة حاسمة تابع الإمبراطور كما لو أن كل شيء كان مخططًا سلفًا:
“مهما قلت، لن يتغير شيء.”
“أرفض.”
قاطع وايد كلام الإمبراطور بقوة.
هو يعرف جيدًا كيف سيُستغل زواجه.
سيُباع لشخصٍ يناسب مصالح الإمبراطورة الأم والإمبراطورية.
“لا نية لي في الزواج أصلًا.”
فهو الآن مجرد مهرّج مقيد داخل حدود رسمتها الإمبراطورة الأم.
ولا يستطيع حتى أن يحلم بالنظر خلف الجدار العالي الذي يحاصره.
فهل يُدخل شخصًا آخر إلى هذه الحياة؟
ثم يورّث تلك السلسلة لأطفاله؟
لا.
العيش وحيدًا أفضل بكثير.
“ليس هذا قرارك.”
“إنه حياتي.”
“الإمبراطورة الأم قلقة أيضًا من تأخرك في الزواج.”
“جلالتكم…”
“سنبحث قريبًا — أنا وهي — عن زوجة مناسبة لك. إلى ذلك الحين، كفّ عن هذه التصرفات الطائشة وانتظر.”
“أخي!”
لم يتذكر كم مضى على آخر مرة ناداه بهذا اللقب.
صوته لم يحمل أي شوق أو رجاء،
ولو حمل ذرةً منهما،
هل كان الإمبراطور سيغيّر رده؟
لم يظن وايد ذلك.
“سيعود غراموس لزيارتك. حين يأتي، قدّم له تقريرًا مفصلًا عن كل ما حدث بينك وبين الآنسة، ومن اليوم فصاعدًا… ابتعد عنها.”
“أرفض.”
“لقد أنهيت كلامي. اذهب.”
كان ذلك أمر طردٍ هادئًا.
الإمبراطور… لم يستمع لأي كلمة قالها وايد.
عاد إلى قراءة الوثائق ببرود،
كأن نظرات وايد الحارقة لم تكن موجودة أصلًا.
تجاهلٌ كامل.
أمر اعتاد عليه وايد،
لكن لسبب ما…
لم يستطع تجاهله اليوم كما يفعل دائمًا.
فتح فمه وقال:
“لن تسير الأمور دائمًا كما ترغب، جلالتك.”
وكان يعرف أنه لن يحصل على جواب.
هو من يعلم ذلك أكثر من أي شخص.
قبض على أسنانه وخرج من المكتب بسرعة.
“هناك الكثير من العيون تراقبك، يا سمو الأمير.”
كان “غراموس” ينتظره أمام الباب.
منذ أن رآه يبتسم بتلك الابتسامة التي تشبه عيون الأفعى،
أصبح الحديث معه على انفراد يثير في نفسه نفورًا شديدًا.
“جاء خادم جلالتك المخلص لينتظرني بنفسه؟”
“ظننت أنك لا ترغب بأن أزورك في منزلك، يا سمو الأمير.”
“ليس لديّ ما أُبلغك به.”
سواء كان غضبه من الإمبراطور أو من غراموس،
كانت كلمات وايد مليئة بالأشواك.
“هل تفضّل أن أزورك في مسكنك؟”
“وإن جئت… هل ستتخطى بوابة منزلي؟”
“طالما لديّ أمر مباشر من جلالة الإمبراطور، لا شيء يمنعني.”
هل يجب أن أقتله؟
راودته الفكرة للحظة.
لم يكن الأمر صعبًا.
كل ما يحتاجه هو أن يمد يده ويطبق على رقبته…
لكن—
“عمي، كنت هنا؟”
صوت “رودا” المألوف قطع تلك اللحظة.
استفاق وايد من اندفاعه الغريب وتراجع خطوة.
«…ما الذي كان هذا؟»
الناس يرونه شخصًا اندفاعيًّا بطبيعته،
وهو نفسه عمِل طويلًا ليبدو هكذا.
لكن ما شعر به الآن…
لم يكن شيئًا مفتعلًا.
كأن هناك شيئًا ما،
صوتٌ خافتٌ في أذنه،
حاول تحريك جسده بدلًا عنه.
«مقزز…»
من الذي يرحب بشعور أن جسده يتحرك بإرادة غير إرادته؟
“عمي؟”
كان ظهور رودا طبيعيًا ومُرحَّبًا به.
وتذكّر وايد أن هذا الفتى بالذات يشعر دائمًا بقلقٍ غريب تجاه غراموس.
«ماذا شعرتَ بالضبط يا رودا؟»
نظر وايد إلى رودا ثم إلى غراموس،
ثم ابتسم ابتسامة هادئة —
ابتسامة تعلم رودا أنها تعني أن عمه بخير.
لا بد أن ظهور خبر أنه اجتمع بالإمبراطور جعله يقلق.
«ومع ذلك، لا يزال يحذر ذلك الخادم…»
اختفى اندفاعه القاتل منذ لحظات.
ولم يعد لديه أي سبب ليبقى هنا.
“وماذا جاء بك يا بُني؟”
وضع ذراعه على كتف رودا وابتعد به كعادته،
متجاهلًا غراموس وباب المكتب المغلق تمامًا.
“هل أنت بخير؟”
“هناك دائمًا ما يحدث هنا.”
“…أعتذر.”
“ولِمَ يعتذر وليّ العهد؟”
“لكن…”
“إن أردت الاعتذار حقًا، فارتكب مشكلة أولًا ثم تعال واعتذر.”
“وإن ارتكبتُ مشكلة… هل ستتكفلون أنتم بنتائجها؟”
“ولماذا أفعل ذلك؟”
“لكنك قلت لي أن أرتكب مشكلة ثم أعتذر!”
“لم أقل أبدًا أنني سأتولى حلّها بدلًا منك.”
كان رودا يزفر راحةً وهو يرى أن عمه يتصرف كالمعتاد تمامًا.
“يكفيك أن تقلق بشأن نفسك، فالعيش في القصر بحد ذاته مرهق. لا داعي أن تحمل هموم غيرك أيضًا.”
“لكن عمي… لستم من الغير.”
أحمرّ وجه رودا وهو يفرك عنقه بخجل.
بلا شك فهذه محادثة خجولة لا تليق باثنين من الرجال…
لكنها تخصّهما وحدهما.
“من المستحيل أن تكون قد جئت فقط لأنك قلق عليّ. إذن… ما هو هدفك الحقيقي من زيارتك؟”
بدا أن رودا شعر بالحرج، ولأن وايد خشي أن ينساق خلف ذلك الشعور ويلفظ كلمات محرجة هو الآخر، غيّر مجرى الحديث بسرعة.
وعلى ما يبدو، تذكّر رودا للتوّ السبب الحقيقي لقدومه، فتلألأت عيناه الذهبية المشابهة لعيني وايد وهو يفتح فمه قائلاً:
“من هي؟”
“…ماذا؟”
“المحظية التي يتحدث عنها الناس. أعلم أنها ليست محظية حقيقية، لكن لا يمكن لعمي أن يسمح لشخص لا علاقة له به بالدخول إلى عربته.”
سواء الإمبراطور أو الأمير… يبدو أن الشائعات التي نقلها صامويل قد انتشرت أبعد بكثير مما توقعه وايد.
المضحك أن أحدًا لم يخطر بباله أن تكون تلك “المحظية” هي ميلونا نفسها.
رغم ما حصل في الحفل… ورغم ما تلاه من موعد علني أمام الجميع… كان من المفترض أن يشكّ أحدهم على الأقل.
هل عائلة الماركيز أيضًا لا يساورها هذا الشك؟
ولمّا وصل تفكيره إلى هذه النقطة، ارتفعت زاوية شفتيه دون أن يشعر.
ماذا يا ترى كان موقف ميلونا عندما سمعت بهذه الشائعة؟
“كان يجب أن أرى ذلك بنفسي.”
شعر بامتعاض حقيقي لأنه فوت فرصة رؤية مشهد ممتع كهذا.
“عمي، هل ستُخفي الأمر عني أيضًا؟”
“إنها ليست محظية… إنها قطة.”
“…عفوا؟”
“قطة شقية… لطيفة للغاية، وسارقة بارعة أيضاً.”
آه، أليس من المفترض أنها مدعوّة إلى حفلة الشاي لدى آل بارانشا؟
“أظن أننا لن نتبادل أحاديث مفيدة اليوم.”
حتى ولي العهد نفسه حاول معرفة حقيقة الشائعة.
من السهل تخيّل ما قد تتناقله الفتيات الصغيرات، اللواتي يثرن بسهولة مع أي إشاعة.
“هل نذهب لإلقاء نظرة؟”
“عمي… منذ قليل وأنت تقول أشياء لا أفهمها إطلاقًا.”
“لا، ليس هذا… بل…”
“عمي؟ ألا يمكن أن نستمتع بالأمر معًا؟”
“آه… ما كان ينبغي أن آتي إلى هنا أصلاً.”
“يبدو أنك لا تنوي إخباري بشيء قط.”
“رودا… يا ابن أخي العزيز.”
“نعم؟”
“سأرحل الآن.”
“هكذا؟ بدون أي إجابة؟”
“ستعرف بنفسك لاحقاً.”
“ماذا؟”
تحذير الإمبراطور… أصبح نسياً منسياً منذ
زمن.
لا… لم ينسه بالضبط، بل قرر بكل بساطة أن يعاند عمداً ويثير أعصابه.
ترى، ماذا سيكون ردّ فعل الإمبراطور عندما يسمع أن وايد ذهب مباشرة إلى ميلونا بعد التحذير؟
وفوق هذا… كان متشوقاً لرؤية وجه ميلونا حين يظهر فجأة دون موعد.
“سيكون الأمر ممتعًا.”
وبينما ترك رودا مذهولًا خلفه، أسرع وايد بخطواته أكثر فأكثر.
التعليقات لهذا الفصل " 47"