في صباحٍ باكر بدأ وايد يومه كعادته دون اختلاف يُذكر، لكنه هذه المرة التقى بعد غياب طويل بخادم الدوقية العجوز صامويل.
كان صامويل يتمتع بصلاحيات واسعة تخوّله إدارة شؤون القصر دون الحاجة إلى إذنٍ من وايد، ولهذا نادرًا ما كان يبحث عنه بنفسه، ما جعل قدومه في هذا الوقت تحديدًا أمرًا غير مألوف.
قال بانحناءةٍ خفيفة:
“مر زمن طويل منذ آخر لقاءٍ بيننا، يا صاحب السمو.”
رفع وايد حاجبه متثاقلًا وقال:
“لا أذكر أنني ارتكبت شيئًا يستحق التوبيخ قبل الفطور حتى…”
“كلامك هذا يجرحني، يا مولاي. أتيتُ بعد غيابٍ طويل، فبدل أن ترحّب بي، تستقبلني بوجهٍ عابس!”
“حسنًا حسنًا، سعيدٌ برؤيتك يا صامويل. إذًا أخبرني، ماذا فعلتُ هذه المرة؟”
كان صامويل هو الشخص الوحيد بعد الإمبراطورة الأرملة الذي يُجبر وايد على الحذر في كلامه أمامه.
فقد رعاه منذ صغره، وكان بالنسبة له أكثر من مجرّد خادم، بل أشبه بوالدٍ بديلٍ يثق به أكثر من مساعديه الآخرين أرسا وروبرت.
“لو سمع أحد حديثنا هذا، لظنّ أنني لا أزورك إلا عندما أوبّخك، يا صاحب السمو.”
“تتظاهر بالعجز بينما لا يزال بإمكانك أن تطير إذا أمسكت سيفًا، أيها العجوز.”
ضحك صامويل وقال بودّ:
“يشرفني أن تظنّ بي هذا الخير.”
ورغم أنه كان يلقّب نفسه بالعجوز، إلا أن جسده القوي وملامحه المرتّبة ولحيته البيضاء الأنيقة لم تكن تدل على الكبر، بل على صلابةٍ متينة.
حتى إن عاد فارسًا في الغد، فلن يجرؤ أحد على الاعتراض. ولهذا كان يحظى باحترام أرسا، وسخرية روبرت الذي كان يناديه “العجوز المزعج”.
“كفى مزاحًا، أخبرني الآن، لماذا أتيت بدل أرسا؟”
“لأنني سمعت إشاعةً مثيرة جدًا.”
“إشاعة؟”
“نعم يا صاحب السمو.”
تساءل وايد في نفسه: ما نوع الإشاعة التي تجعل هذا العجوز الوقور يلمع بريق الحماس في عينيه؟
جلس مستقيمًا وقد بدأ يشعر بالقلق.
قال صامويل فجأة:
“يا صاحب السمو، هل… هل تزوجت؟”
“…صامويل؟’
“أو لعلّك واقعٌ في علاقة حب؟”
“تمهّل قليلًا، خذ نفسًا أولًا.”
أحس وايد بقطرات العرق البارد تتسلل من عنقه.
كان يعلم أن أمنية صامويل الكبرى هي أن يراه متزوجًا ويؤسس أسرة، لكن سماع هذا الحديث المفاجئ عن الزواج أو العشق أربكه تمامًا.
“عن أي إشاعة تتحدث تحديدًا؟”
“يُقال إن سموّك أخفيت عشيقتك متنكّرةً في هيئة خادمةٍ ترافقك أينما ذهبت.”
“…ماذا؟”
“ويقولون أيضًا إنك تحبها إلى درجة أنك لا تسمح لقدميها بلمس الأرض، وتحملها أينما ذهبت!”
“ماذا تقول بحق السماء؟!”
“يتحدثون عن السيدة التي رافقتك إلى قصر الكونت غافيوس.”
“آه… ذلك الأمر.”
حينها فقط أدرك وايد مدى سوء الموقف.
فما فعله يومها لم يكن سوى لحظةٍ من القلق حين احتضن ميلرونا المرتجفة، لكن من الطبيعي أن تنتشر الشائعات بعد أن رآه الناس يحمل امرأة مجهولة الهوية بنفسه.
“يبدو أنهم ثرثروا في كل مكان.”
“الخدم من قصر غافيوس ينكرون مسؤوليتهم عن نشر الإشاعة، يا مولاي.”
“لقد أرسلوا رسولًا بالفعل؟”
“نعم، مع رسالة اعتذار وهدايا فاخرة من الحُليّ المرصّع بالأحجار الكريمة.”
“ومع ذلك ينكرون مسؤوليتهم؟”
“هكذا قالوا.”
تنهد وايد. لم يكن بحاجة لتفكيرٍ طويل ليدرك أن الأمر محاولةٌ قذرة لتشويه سمعته.
فهم يريدون استغلال علاقته الطيبة بالإمبراطور لإضعاف نفوذه أو كسب الحظوة لدى البلاط.
“يبدو أنهم اكتشفوا أنني على وفاقٍ مع جلالته.”
“نعم، وذلك فاجأني أنا أيضًا.”
كان واضحًا أن خصومه يرغبون في نيل رضا الإمبراطور بإثارة المتاعب لوايد، حتى إن فشلوا فسيُنكرون كل شيء بسهولة.
“لديهم ذكاءٌ خبيث بالفعل.”
“لكنه مجرد مكرٍ صغير. من لا يعرف استخدام عقله في غير الألاعيب لن يذهب بعيدًا.”
“ولو كان ذا شأنٍ حقيقي، لاحتفظ به جلالته قربه منذ زمن.”
“صحيح تمامًا.”
توقف الحديث للحظة، ثم خيّم صمتٌ ثقيل بينما تذكّر وايد الإمبراطورة الأرملة — والدته.
كانت هي السبب في كثيرٍ من ظلال حياته، المرأة التي حمّلته عبئًا لم ينتهِ يومًا.
رغم أنه فهم دوافعها، إلا أن قلبه لم يستطع مسامحتها.
لو كانت ستجعل حياتي كهذه… ليتها لم تفعل شيئًا على الإطلاق.
“يا صاحب السمو، لا تسرح في أفكارٍ قاتمة مجددًا.”
“صامويل… كفّ عن قراءة ما يدور في رأسي.”
ارتسمت على وجه وايد ابتسامةٌ زائفة وهو يخفي ما يعتمل بداخله، فتنهّد صامويل ثم بادل ابتسامته قائلًا:
“حسنًا، والآن أخبرني… من هي؟”
تجمّد وايد.
كان يأمل أن ينجو من هذا السؤال، لكن العجوز لم يكن لينسى.
نظر إليه مبتسمًا توترًا، محاولًا المراوغة.
“لن تخبرني إذًا؟”
“سألت أرسا بالفعل، أليس كذلك؟”
“طبعًا، لكنه قال إن ولاءه لسموك يمنعه من الكلام، وطلب أن أسمع الجواب منك مباشرة.”
أرسا اللعين… رميت العبء عليّ بكل بساطة.
تذمّر وايد في نفسه، لكنه لم يستطع أن يغضب منه بصدق، فالقضية تخص ميلرونا، ولا يمكنه التحدث عنها بحرية.
“إذن أتيت بدل أرسا لتحقق بنفسك؟”
“هو مشغول بتدريب تلميذه حاليًا.”
“هاه… إذًا عاقبته بالمكافأة.”
“عليه أن يخفف توتره بطريقةٍ ما. من غيره سيتولى كل أعمالك يا مولاي؟”
“وروبرت؟”
“تلميذي العنيد بحاجةٍ إلى مزيدٍ من القوة ليحميك كما ينبغي.”
ضحك وايد وهو يتخيل كيف يعاني روبرت الآن على يد معلمه القاسي، ثم زفر ضاحكًا.
لكن صامويل لم يتركه يرتاح طويلًا، إذ قال بجدية:
“كف عن المراوغة، يا صاحب السمو.”
“…”
“هناك سبب وجيه يجعلني أريد معرفة الحقيقة.”
“ولِمَ؟”
“المجوهرات التي أرسلها بيت غافيوس… لا بد أنها تخص تلك السيدة، أليس كذلك؟”
“ماذا؟”
“أوَتنوي أنت استخدامها؟”
“…”
“أخبرني باسمها فقط، وسأتولى أنا كل الباقي بنفسي.”
يتولى ماذا بالضبط؟
تساءل وايد بقلقٍ حقيقي. كان يعرف أن صامويل سيفعل أي شيء “لحماية شرف سموّه”، وهذا تحديدًا ما أخافه.
‘أرجوك، اهدأ يا صامويل.”
“من هي إذًا؟”
“…لا تنوي التراجع، أليس كذلك؟”
“يا صاحب السمو.”
“كفى، أخرج الآن، أرجوك!”
كانت تلك إحدى المرات النادرة التي يتوسل فيها وايد لشخصٍ أن يغادر غرفته.
وفي الوقت ذاته، في مكانٍ آخر، كانت ميلرونا تمضي صباحها مع الماركيز غلوفر، تتصبب عرقًا وهي تواجه غضبه.
“عشيقة؟! أي وقاحة هذه؟! لن أسمح لكِ بلقاء ذلك الوغد مجددًا!’
كان قد دخل إلى غرفتها بنفسه وهو يدفع عربة الفطور أمامه، بعد أن سمع بالإشاعة المنتشرة، ووجهه يشتعل غضبًا.
كانت ميلونا تتساءل في حيرة عن سبب انفعال والدها المفاجئ، لكنها ما إن سمعت من فمه فضيحة تتعلق بوايد حتى كادت تفقد صوابها.
(عشيقة؟! ما هذا الهراء مجددًا؟!)
من الواضح أن الأمر له علاقة بما حدث بالأمس، لكنها لم تتخيل قط أن الأمور ستنقلب إلى هذا الشكل!
صُدمت من شائعة لم تخطر لها على بال حتى فقدت توازنها للحظة واهتز جسدها قليلًا.
“آنستي!”
“يا إلهي، آنسة ميلونا!”
“أحدهم أحضر الماء بسرعة! لقد أغمي عليها!”
…لم يُغْمَ عليّ. فقط اختلّ توازني قليلًا. أنا بخير تمامًا، حقًا.
كانت تحب اهتمامهم بها، لكن ردة فعلهم المبالغ فيها كانت تُتعبها في كل مرة.
“يا الهي ، ميلونا! وجهك شاحب للغاية!”
“لابد أن الشائعة التي نقلها السيد سببت صدمة للآنسة!”
“آنستي، ها هو الماء! اشربي قليلًا!”
“سيدي، أرجوك اهدأ قليلًا! إذا واصلت الانفعال هكذا ستخيفها أكثر!
بيرينيس، تمهّلي! لقد سكبت نصف الماء على الأرض!
وأنتِ يا فاني، نعلم أنكِ قلقة، لكن لا ترفعي صوتك على السيد!”
…كيف يُفترض أن أتعامل مع هذه الفوضى؟
كانت تشعر وكأن عقلها سيتبخر وسط هذا الهرج والمرج الذي دار حولها.
“أنا بخير، أرجوكم فقط… اهدؤوا جميعًا، حسناً؟”
لحسن الحظ، كانت كلماتها دائمًا تُسمع وتُنفّذ بسرعة مفرطة.
عاد الهدوء فجأة كما لو لم يحدث شيء، فتنهّدت ميلونا بارتياح وتناولت الكأس من يد بيرينيس.
“أعتذر يا صغيرتي، لم أكن أعلم أنك كنتِ تهتمين بذلك الرجل إلى هذا الحد.”
(…أبي، من فضلك لا تُنادِ فردًا من العائلة الإمبراطورية بـ ذلك الرجل.)
“لكن يا عزيزتي، فكّري جيدًا قبل أن تختلطي بمثل هذا النوع من الرجال.
الرجل الذي لا يفكر في الزواج ويُبقي عشيقة إلى ج
واره لا يمكن الوثوق به أبدًا.”
(…أبي، تلك “العشيقة” هي أنا.)
لم تستطع قول الحقيقة، فابتلعتها بصمت مع رشفة من الماء البارد، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة متكلّفة.
التعليقات لهذا الفصل " 44"