الفصل 4
تحركت ميلونا بسرعة لتؤمّن لنفسها طريق هروب ولو بسيط، ثم تسلّقت جدار المعبد. هناك أخذت ترسم في ذهنها خط سير العربة لو كانت قد دخلت من البوابة، واختارت المكان الأنسب الذي يتيح لها رؤية وجوه الزائرين بوضوح، ثم اختبأت.
كان بوسعها أن ترتاح في سرير مريح وتنتظر الوقت المناسب، لكن المشكلة أنها لا تعرف متى بالضبط سيزور ويد المعبد.
صحيح أنها تعلم أن المعبد يستقبل الزوار من شروق الشمس حتى غروبها، لكن… هل يمكن أن يُسمّى هذا “معلومة” أصلاً؟
لذلك تخلّت عن النوم المريح.
على الأقل كانت قد أخبرت دانيلو مسبقاً أنها ستأخذ إجازة في الغد، فبمجرد أن ترى وجه ويد ستعود إلى المنزل وتنام كجثة مطمئنة.
“ليتك تأتي قبل الظهر فقط…”
تمتمت ميلونا بصوت خافت، واستلقت فوق غصن شجرة متين، مغمضة عينيها على صوت حفيف الحشرات، عازمة على أخذ قسط من الراحة حتى تُفتح أبواب المعبد.
ومضت الساعات…
وعندما سمعت صوت الأبواب الثقيلة وهي تُفتح، التصقت ميلونا بجذع الشجرة مثل يرقة تستعد لانسلاخها، تحدّق عبر الأوراق الخضراء الزاهية إلى ما وراء بوابة المعبد.
“جاء!”
وبعد قليل، ظهرت عربة فاخرة تقترب ببطء من المعبد. عندها عضّت ميلونا شفتها السفلى.
كانت تلك العربة تحمل الراية الفضية المزيّنة بالصقر، رمز دوق الإمبراطورية الوحيد: ويد لي فونتي.
“لكن… ما هذا؟”
فبينما كانت العربة تتقدم، تبعها ظل مريب تسلل خفية إلى داخل المعبد. والأسوأ… أنه اختبأ بالضبط في المكان الذي كادت ميلونا تختاره لنفسها!
كان واضحاً أن نيته خبيثة، وأنه جاء خصيصاً يتبع عربة ويد.
ميلونا أحست بشيء ما يلتفّ حول عنقها: “الأمور ستتعقد… جداً.”
من أين خرج هذا الرجل؟
رمقت ميلونا ظهره بنظرة حادة، وأيقنت أنه ليس من العاملين في العاصمة مثلها، بل غريب جاء من منطقة أخرى.
السبب بسيط: لو كان من أهل العاصمة، لما تجرّأ أبداً على اعتبار المعبد “منطقة عمل”.
فالمعبد بالنسبة لأبناء الأحياء الفقيرة كان بمثابة ملجأ مقدّس، المكان الوحيد الذي يوزّع الخبز والحساء بلا مقابل، يكسو العراة، ويعالج الجرحى، بل ويقيم الجنائز للفقراء.
ولهذا السبب اتفقت كل عصابات العاصمة، حتى نقابة اللصوص ونقابة المعلومات، على قاعدة واحدة: “المعبد لا يُمسّ.”
“غريب… حتى لو كان من خارج العاصمة، من يجرؤ على العمل داخل المعبد؟ لا بد أنه مجنون.”
وهنا، انبثق في ذهن ميلونا مشهد قديم من ذكرياتها قبل العودة بالزمن.
في ذلك الوقت، شاع خبر عن لصّ مجنون لم يمض على دخوله العاصمة سوى فترة قصيرة، سرق كيساً من أحد النبلاء العظام. لم يُعرف بالضبط من سرق أو ماذا سرق، لكن سُمعة اللص انهارت، حتى أن الناس قالوا إنه مختلّ عقلياً.
تسبّب ذلك في فوضى كبيرة: الحرس تحركوا، نقابة اللصوص اضطرت للتوقف عن العمل فترة طويلة، ونقابة المعلومات بدورها تلقت الضربة نفسها.
تذكرت ميلونا يومها كيف شتم دانيلو ودانييلا ذلك الأحمق بأشد العبارات.
“…اللص المجنون الذي سرق في المعبد من أحد أفراد العائلة الإمبراطورية… هو هذا الأحمق أمامي.”
لعنت ميلونا بصوت خافت. لقد فهمت أخيراً خفايا تلك الحادثة. ولم يكن عندها شك أن الرجل الذي يقف أمامها الآن هو بطلها.
“لكن لماذا الآن؟ ولماذا أمامي أنا بالذات؟ يا إلهي، لماذا تعاقبني هكذا؟”
مشاكل تتراكم فوق مشاكل، ولم تحلّ أي شيء بعد.
تنهّدت وهي تنظر بين مؤخرة رأس ذلك الرجل الغريب وبين العربة التي توقفت أمام بوابة المعبد.
صحيح أن الأمر لا يخصها مباشرة، فمهمتها فقط أن ترى وجه ويد… لكن إن تجاهلت الموقف، فسيدفع دانيلو ودانييلا الثمن من جديد. وهي تعرف جيداً كم عانيا بسبب هذه الحادثة في حياتها السابقة.
“أفضل شيء أن أوقفه قبل أن يتسبب بكارثة… لكن أي أحمق هذا؟ كيف يجرؤ على الاقتراب من ذلك الرجل بالذات؟”
لو حاول أن يمد يده، سيُقطع رأسه قبل أن يتنفس!
صحيح أن ويد في هذه الفترة لم يُعرف كفارس ولا كمحارب، لكن بعد عامين فقط سيكتشف العالم كله الحقيقة: الرجل الذي قتل شقيقه بيده وانتزع العرش، هو نفسه الذي قاد الحروب في الخطوط الأمامية.
“ذلك الأحمق يخطط لسرقة رجل كهذا؟”
حدقت ميلونا في مؤخرة رأسه وهي تفكر كيف تتخلص منه، لكن الوقت لم يسعفها.
فما إن فُتح باب العربة، حتى اندفع الرجل بسرعة البرق نحوها، وفي يده خنجر لامع!
لم يكن لصاً… بل قاتلاً مأجوراً.
“اللعنة…!”
لو كان موت ويد سيمنع نهاية العالم، لكان الإله أوكل إليها قتله. ربما كان ذلك هو الحل الأسهل. لكن… لم يقل لها ذلك.
قال لها فقط: “بالـحـب… أنقذي العالم.”
لم تفهم بعد ما الذي كان يقصده، لكن شيئاً واحداً بدا واضحاً لها الآن:
“لو مات ويد هنا… سينهار كل شيء. لا أعرف كيف بالضبط، لكن سينهار العالم.”
وهي التي تحلم بعالم لا ينتهي بالخراب، أرادت أن تعيش وتموت بهدوء… لذلك لم تتردد لحظة.
قفزت خلف الرجل المجنون، صارخة بأعلى صوتها:
“أوقفوه! معه سلاح! معه خنجر!”
كانت تصرخ بكل ما تملك من رئة، حتى أن الرجل نفسه التفت خلفه مصدوماً.
لكن الغريب أن حرّاس ويد وخدمه لم يتحركوا… بل تراجعوا، كأنهم يتوقعون الهجوم!
ميلونا صُدمت: “مستحيل… أكلّهم متواطئون معه؟”
لكن وجوههم المشدودة والعرق على جباههم لم تبدُ متواطئة.
“إذاً لماذا لا يتحرك أحد؟!”
“قلت لكم أوقفوه!”
صرخت ثانية، وهي تحدق في الرجل ذي الشعر الفضي الذي وقف بهدوء مريب وكأنه ينتظر شيئاً…
وفي النهاية لم ترَ أمامها سوى حل واحد: أن ترتمي بكل قوتها لتوقف القاتل بنفسها.
مع صرخة مكتومة «أُغ!» ارتطم جسد الرجل الذي كان يركض أمامها بالأرض.
لقد كان نطحًا مباشرًا بالجسد أصاب الهدف تمامًا. ولو استمر الأمر على هذا الحال، لكانت ميلونا ستسقط متشابكة معه وتتدحرج على الأرض لا محالة.
لكن ميلونا لم يكن لديها أدنى نية لأن تتدحرج وديًا مع ذلك الرجل الخطير، فشدّت جسدها المتمايل من قوة الاصطدام وأجبرت نفسها على النهوض، لتضرب الأرض بقدمها وتدفع جسدها في الهواء.
***
«كخااك!»
…يبدو أنّها لم تضرب الأرض بل وطئت على جزء ما من جسد الرجل، إذ ارتفع من تحته صوت أنين أقرب لصرخة موت. لكن لم يكن ذلك هو المهم الآن، فكل ما يهم ميلونا هو أين ستهبط بعد هذه القفزة.
القفزة الأولى لم تكن سوى تدبير مؤقت لتفادي السقوط، أما التالية فلا بد أن تكون قفزة النجاة، القفزة التي ستمنحها فرصة للهروب. ولأجل ذلك، كان لزامًا أن تكون لحظة ملامسة قدميها للأرض دقيقة وحاسمة.
«لو أمسكوا بي، انتهى أمري!»
فمن وجهة نظر أي أحد يراقب، لم يكن المشبوه سوى الرجل الذي يتلوّى على الأرض وميلونا التي لا تقلّ عنه ريبة. لذا لا بدّ أن تهرب قبل أن يلقى القبض عليها.
لكن ربما بسبب استعجالها، اختلّ توازن جسدها. هكذا، لن يكون هناك هروب ولا شيء… فقط سقوط شنيع ومخزٍ!
في اللحظة التي أيقنت فيها بقدوم الكارثة وأغمضت عينيها بقوة دون أن تشعر…
“قطة لا تُحسن الهبوط، على ما يبدو.”
لم تمسّ قدماها الأرض بعد حتى وجدت نفسها تُرفع إلى الأعلى.
لم يكن ذلك مجرد إنقاذ، بل كان انتشالًا يشبه سحب شباك من أعماق الماء، إذ ارتفع جسدها برفق لكن بقوة.
حرارة جسد غريبة أحاطت بركبتيها وظهرها، جعلتها تتجمّد من الدهشة، وما إن رفعت رأسها حتى اصطدمت عيناها بما يشبه شمسًا ذهبية متلألئة.
شعر فضي طويل يتمايل مع نسيم رقيق، بشرة بيضاء ناعمة لامعة تكاد لا تُصدّق أنها لرجل، رموش طويلة تلقي ظلًّ
ا رشيقًا فوق تلك العينين الذهبية، أنف مستقيم بارز، وشفاه حمراء تحمل ابتسامة غامضة.
إنه دوق فونتي، ويد رِي فونتي.
وكان ذلك أوّل لقاء بينهما.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"