يبدو أن ويد يستمتع برؤية شخصيتي الحقيقية دون تكلّف.
حين وصلت ميلونا إلى الإسطبل، كانت تنظر إلى ويد وهو يتفحص عيون الخيول واحدة تلو الأخرى ليختار بعناية الحصان الذي ستركبه، وخلال ذلك رتبت أفكارها بهدوء.
إن أرادت النظر إلى الأمور بإيجابية، فهذا يعني أنه يفضل صراحتها على تكلّف النبلاء الزائف.
ومنذ لقائهما الأول، كانت قد تخلّت تمامًا عن فكرة التظاهر كفتاة نبيلة مهذبة.
ولو شعرت أنه يهتم بتلك الصورة أكثر، لربما حاولت أن تلعب هذا الدور… لكن بعد أول لقاءٍ بينهما الذي بدأ بسرقةٍ من جيب صاحب السمو، بدت فكرة التظاهر بالأدب شيئًا وقحًا حتى في نظرها هي.
لكنها لم تكن تنوي أبدًا أن تُظهر له كل شيء من حقيقتها أيضًا.
فهو بالفعل يقود إيقاع حديثهما كيفما يشاء، ولو سمحت لنفسها بأن تنجرف أكثر، فلن يكون أمامها مفرّ من أن تُساق خلفه دون مقاومة.
لذا قررت اتباع طريقٍ وسط.
‘يجب ألا يعرف أكثر مما يعرفه الآن.’
ويد كان يعلم الكثير بالفعل، لكنه لم يعرف بعد الأشياء القاتلة والحاسمة.
صحيح أنه لو أراد، لكان قادرًا على اكتشاف هوية نقابة اللصوص، لكنه لن يستطيع أبدًا أن يعرف أنها قد تلقت تكليفًا لإنقاذ العالم وعادت بالزمن.
‘هو على الأرجح يشك بأن لديّ هدفًا آخر، لكنه يتغاضى عن الأمر عمدًا.’
لم تكن تعلم إن كانت هذه الطريقة ستقودها حقًا لسرقة قلبه، لكنها كانت واثقة من نفسها.
‘لنرَ إن كان بإمكانه مقاومة سحري الخاص.’
وإن سقط في سحرها، فسرقة حبّه ستكون أسهل من شرب كوب ماء.
المشكلة الوحيدة هي أن ميلونا نفسها لم تكن تعرف ما هو بالضبط “سحرها” هذا.
‘ما زال أمامي بضع سنوات قبل الدمار… لا يمكن أن أفشل حتى ذلك الحين، أليس كذلك؟’
لم تكن تعرف كيف يمكن إثبات أنها “سرقت الحب”، لكن الحكم على ما لا يُرى هو أمر لايخصها
وإن أصبح الوضع خطيرًا، فالنور سيمنحها وحيًا آخر بالتأكيد.
عندما قررت أن تفعل ما تستطيع فعله الآن، استعادت هدوءها المعتاد، ونظرت إلى الحصان الذي كان ويد يقوده بنفسه نحوها.
“يبدو أنكِ أعجبتِ به.”
“الخيل التي تعجبكِ لا يُسمح للمبتدئين بركوبها.”
“…يعني هذا أنه هادئ الطبع، صحيح؟”
“أخيرًا بدأتِ تفهمين كلامي.”
“يا إلهي، أيّ طبع هذا….”
كانت على وشك أن ترميه بعبارة “سيد بطباع فظيعة”، لكنها كتمت كلماتها عندما رأت ابتسامته الماكرة، تلك التي تقول بوضوح: “أليس هذا ما جعلكِ تقعِين في إعجابي؟”
“دعيني أساعدكِ في الصعود.”
“لن أرفض عرضًا كهذا.”
كانت تلك أول مرة ترى فيها حصانًا عن قرب، ناهيك عن ركوبه.
لكنها قبلت مساعدة ويد الذي مدّ يده نحوها بكل تهذيب.
أو حاولت ذلك على الأقل—
“آآاه!”
صرخت ميلونا حين رفعها فجأة من خصرها، ممسكًا بها بخفة ووضعها على السرج كما لو كانت دمية.
ضحك ويد بخفوت وهو يناولها اللجام.
“فاجأتكِ؟”
“كان بإمكانك على الأقل أن تحذرني!”
خَطفت اللجام من يده بحدة وردّت بصوتٍ مرتفع.
“لم أتوقع أن تفزعي هكذا وأنتِ التي ارتميتِ في أحضاني أول مرة.”
“……كانت حالة اضطرار!”
“أعلم، وقتما سرقتِ مني محفظتي.”
“……كنتُ أنقذ حياتك!”
“حقًا؟ هكذا كان الأمر؟”
تقلصت عيناها حين لاحظت أنه يتظاهر بعدم تذكّره لمحاولة الاغتيال تلك.
كان غريبًا حقًا—فكيف يُمحى أمرٌ كهذا بهذه السهولة؟
أحد أفراد العائلة الإمبراطورية كاد يُقتل، ومع ذلك، لم يُذكر شيء في الصحف ولا في البلاط.
لم يُدفن الأمر فحسب، بل مُحي من الوجود كليًا.
“صاحب السمو، عندي سؤال…”
“ألستِ خائفة؟”
“…عفوًا؟”
“الذين يركبون الخيل للمرة الأولى عادةً يخافون من ارتفاع السرج.”
“هو أقل ارتفاعًا من السطح، فلا داعي للخوف. لكن ليس هذا ما أردت قوله—”
“إن لم تكوني خائفة، فلنبدأ السير ببطء.”
تأكدت الآن—
لقد محا ويد ذكرى ذلك الاغتيال من ذهنه تمامًا، وكأنه لم يحدث.
بل وكأنه يحاول محوه من عقلها أيضًا.
ورغم أن الفضول كان يشتعل داخلها، قررت ميلونا تجاهله.
(الأفضل ألا أقترب من أي شيء تنبعث منه رائحة الخطر.)
كانت هذه فلسفتها في الحياة: السلامة أولًا.
وبعد ذلك سارت الأمور بسلاسة.
تعلمت أن هناك سروجًا خاصة للسيدات اللاتي يرتدين الفساتين، وأن بجانب الإسطبل ساحة مخصصة لصيد النبلاء.
“لم أتوقع أن يثير الصيد اهتمامك أكثر من ركوب الخيل.”
“فكرة الصيد لمجرد المتعة وليس للطعام غريبة جدًا بالنسبة لي.”
“وهل مارستِ الصيد من قبل؟”
“آه، عندما كنت صغيرة وكدت أموت جوعًا، اصطدتُ حمامة وأكلتُها.”
“……حمامة؟”
“الجبال والغابات كلها لها مالكون، ولو قبضوا عليك تصطادين فيها تُقطع رقبتك في الحال.”
“لذلك… اخترتِ الحمام؟”
“الساحة العامة بلا مالك، وهناك حمام كثير.”
“تقنيًا، الساحة ملكٌ للإمبراطور.”
“لكن جلالته لن يطارد طفلة لأنها أمسكت حمامةً واحدة، أليس كذلك؟”
“إذن من أجل ذلك، الحمام…؟”
“حتى الأطفال الصغار يمكنهم صيدها. تلك الحمائم كسولة جدًا، لا تطير حتى، بل تركض هربًا!”
وبين حديث وضحك، أنهيا تجربة الفروسية وتوجها إلى مقهى مشهور في العاصمة.
قالت ميلونا إن حلقها جاف من التعب، لكن الحقيقة أنها كانت تبحث عن عذرٍ لتقضي وقتًا أطول معه—وقد صدّق العذر برضا.
“لم أتوقع أنكِ لا ترغبين في توديعي بهذه السرعة.”
“اللقاء المتكرر جميل، لكن المكوث الطويل هو ما يصنع الألفة.”
“وإن تعلقتِ بي؟”
“تزيد فرصي في إغوائك، أليس كذلك؟”
“أتمنى لكِ التوفيق في ذلك.”
“مجرد التمني لا يكفي، ألا تنوي التعاون قليلًا؟”
“ذلك سيجعل اللعبة مملة.”
“…يا لجاذبيتك حقًا.”
“أخيرًا بدأتِ تتحدثين كالنبلاء.”
(هل تعتبر هذا مجاملة؟ كنت أصف طباعك السيئة فحسب!)
كادت تقولها لكنها كتمت الكلمات، وبدلًا من ذلك أدارت وجهها نحو نافذة العربة.
أبصرت من خلالها شوارع مألوفة للغاية.
> “آه، يجب أن أزور صاحبة المنزل لأشكرها على كل ما فعلته.”
وبينما كانت تفكر في تلك العجوز الطيبة التي أجّرت لها علّية الطابق الثالث فوق متجر البقالة بسعر بخس، وقعت عيناها فجأة على مشهد مألوف…
> “أهذا… بيلي؟”
كان بيلي، ابن صاحبة المنزل الوحيد، يقف هناك مع مجموعة من الأشخاص المريبين يغطون أجسادهم بعباءات سوداء.
كان في مثل هذا الوقت عادةً يساعد والدته في إغلاق المتجر، فما الذي يفعله مع هؤلاء الذين يصرخ مظهرهم “نحن مشبوهون”؟
رأتهم يتحدثون بودّ، ثم قادهم بيلي بنفسه نحو أحد الأزقة الخلفية حتى اختفوا عن الأنظار.
وبفضل بطء العربة، استطاعت ميلرونا أن تتابعهم حتى النهاية، لتتجمد ملامحها شيئًا فشيئًا.
لقد تذكرت الآن—
في حياتها السابقة، في هذا الوقت بالضبط…
> “بيلي ذلك الفتى… مات.”
لم تعرف أبدًا السبب.
كل ما تذكرته هو جثة بيلي مغطاة بقطعة قماش قذرة، وأمه المنهارة تبكي بحرقة على الأرض أمامه.
تذكّرت ميلرونا في تلك اللحظة السيدة العجوز التي كانت تقلق دائمًا على بيلي، لأنه كان يختلط بأشخاص خطرين في الأزقة الخلفية.
في الماضي، كانت تظن فقط أنه مات بعدما تورط في شجار أو حادث هناك…
لكن الآن، بدا أن الأمر لم يكن مجرد “حادثة في أحد الأزقة” فحسب.
> (كانوا أشخاصًا لم أرهم من قبل.)
كانوا يرتدون أردية سوداء تغطي وجوههم بالكامل، ومع ذلك فميلونا، التي تعرف جيدًا كيف تميّز أصحاب الهالة الخطرة، كانت ستتذكرهم حتمًا لو رأتهم من قبل، ولو لمجرد أن تتجنبهم لاحقًا.
لكن أولئك الذين لم تتذكرهم يتجولون في الأزقة التي تعرفها جيدًا؟
كان في الأمر رائحة خطر واضحة.
في العادة، كانت ميلونا لتتجاهل شيئًا كهذا تمامًا،
لكن للأسف، كان هناك “وجه مألوف” متورط هذه المرة، ولم يكن من السهل أن تغضّ الطرف.
> «السيدة العجوز… أتذكّر كم بكت في ذلك الوقت، أليس كذلك؟»
في الماضي، لم تكن تفهم مشاعر من يفقدون أحباءهم، فلم تستطع حتى أن تعزّيها كما يجب.
لكن الآن، اختلف الأمر تمامًا.
فهي تعرف جيدًا كم تكون السعادة غامرة عندما يُستعاد شخص كان يُظن أنه فُقد إلى الأبد.
وجه السيدة العجوز التي كانت تبكي بحرقة في حياتها السابقة، تداخل في ذهنهامع وجه والدها
لو فقدها هي بالطريقة نفسها… فهو أيضًا سيبكي بتلك المرارة.
> ‘اللعنة… ما هذا الوضع؟’
أن يُصادف أن ترى هذا المشهد، في هذا الوقت تحديدًا، وفي هذا المكان بالذات…
كأن القدر يتعمّد أن يضعها في موقف لا تستطيع فيه تجاهل الأمر!
تنهدت ميلونا بعد أن شتمت بيلي في سرّها مطولًا.
لم تكن متأكدة إن كانت ستتمكن من إنقاذه من الموت،
لكنها قررت على الأقل أن تحذّره مسبقًا.
إن أنذرته بنفسها، ومع ذلك لقي حتفه، فذلك سيكون مصيره المحتوم لا غير.
> (لكن أولًا… عليّ أن أهرب خلسة الليلة.)
فهذا النوع من الأمور لا يمكن تكليف أحد به.
عليها أن تتحرك بنفسها.
(لا أستطيع إخبار السيدة مباشرة… الأفضل أن ألتقي بالقائد أو بدانِيِيلا لأوصل لهم الأمر بطريقة غير مباشرة.)
بما أن حياة شخص على المحك، فلا مجال للتأجيل — الليلة نفسها هي الوقت الأنسب للتحرك.
> “مرّ وقت طويل منذ أن تسلقتُ نافذة.”
تسلّق جدار قصر
من الداخل إلى الخارج سيكون صعبًا،
لكن على الأقل، لن يكون خطرًا كبيرًا.
ميلونا، وقد شعرت بنوع من الحماس لعودتها المؤقتة إلى “مهنتها الأصلية”،
تمتمت بلا وعي، ثم غاصت في تفكير عميق وهي ترسم في ذهنها مسار حركتها الليلة.
التعليقات لهذا الفصل " 33"