دخل ويد مع رودا إلى القاعة حيث كان الإمبراطور بانتظارهما. وبعد أن ألقى تحية مقتضبة على الإمبراطورة، التي لم تُخفِ حذرها منه، تبع الإمبراطور إلى مكانٍ جانبيٍّ أُعدّ بالقرب من قاعة الحفل الصاخبة.
جلس ويد دون أن يُؤذن له، بوجهٍ تكسوه الثقة واللامبالاة المعتادة، مما جعل الإمبراطور يرمقه بنظرةٍ صارمة.
“ما زلتُ أراك عديم الأدب كما كنت.”
“ألم تدعُني اليوم بصفتي أخاك لا إمبراطورك؟ أأتصرف إذًا بلُطفٍ إمبراطوري؟”
كان الإمبراطور يُظهر هيبته متى سنحت له الفرصة، خاصة عندما أراد تذكير ويد بمكانته الأدنى.
لكن في أوقاتٍ نادرة، حين لا يستطيع الحفاظ على تلك الهيبة، كان يستدعي ويد إلى أماكن كهذه ليخفي ضعفه عن أعين الآخرين.
واليوم، كان أحد تلك الأوقات.
نظر ويد إلى أخيه الإمبراطور عبر الطاولة، وقد خمّن بالفعل فحوى الحديث، لكنه آثر أن يُصغي وكأنه يسمعه للمرة الأولى.
،”هل تنوي الزواج من ابنة المركيز؟”
“هل تعلم أن أخاك أرسا سألني السؤال نفسه قبل قليل؟”
“ويد.”
“لن أتزوج.”
قالها بحدة قاطعة، ثم أسند ظهره إلى الأريكة باسترخاءٍ متعمد، وساقه فوق الأخرى في حركةٍ لا تليق بمن يخاطب إمبراطورًا، ولو كان شقيقه.
لكن لا أحد منهما بدا مكترثًا للأمر.
> “إذًا لا تهتم بابنة المركيز؟”
“بل على العكس، تهمّني.”
“ويد.”
“أليس الأمر مثيرًا للاهتمام؟”
“……”
“ذلك المركيز، الذي لا يلين مع أحدٍ من خارج أسرته، يتفاعل مع كل كلمةٍ تقولها ابنته وكأنها أوامر مقدّسة.”
“أتعتبر نبلاء الإمبراطورية لُعبتك؟”
“أنا؟ أتجرأ على المزاح مع مركيزٍ مثله؟ بالطبع لا.”
كان يبتسم، لكن خلف بريق عينيه الذهبيتين كان يخيم ظلٌّ قاتم.
فهو لم يكره الإمبراطور منذ البداية، لكن في يومٍ ما، بدأ كل حوارٍ بينهما يُشعره بالاشمئزاز دون أن يفهم السبب.
ومنذ ذلك اليوم، صار البقاء في غرفةٍ واحدة معه أمرًا يثير ضيقه.
والعجيب أن الإمبراطور نفسه كان يشعر بالنفور ذاته.
ومع مرور الوقت، تعمقت الفجوة بين الأخوين، وكانت أوّل من أدرك ذلك هي الإمبراطورة الأم.
خافت أن يصل الأمر إلى سفك الدم بين ابنيها، فأعطت جزءًا من سلطتها للإمبراطور مقابل وعدٍ قاطعٍ بألّا يؤذي ويد.
وفي المقابل، كبّلت ويد بقيودٍ خفيةٍ تحرمه من الطموح إلى العرش، وأُجبر على حمل لقب “لي فونتي” لا “رِي فونتي”، في إشارةٍ إلى كونه من الفرع الجانبي للعائلة الإمبراطورية.
هكذا عاش ويد كأميرٍ بلا سلطة، يملك كل المظاهر ولا شيء في الحقيقة.
لكن لحسن الحظ، بفضل براعة الإمبراطورة الأم والإمبراطور في إخفاء الحقائق، لم يشك النبلاء في شيء.
> ربما المركيز يعلم… لا بأس، حتى لو علم فلن يهمني. لكن ما الذي ستظنه تلك القطة اللصة؟
كان ويد يراقب فنجان الشاي الذي وضعه كبير الخدم “غراموس”، حين بدأ الإمبراطور أخيرًا بالحديث عن السبب الحقيقي لاستدعائه.
> “هناك أمر أريدك أن تتكفله.”
“وما هو؟”
“راقب ابنة المركيز عن قرب.”
“ألستَ منذ قليل تخشى أن أقترب منها أكثر مما يجب؟”
رفع الإمبراطور الكوب إلى شفتيه، وتظاهر باستنشاق رائحة الشاي دون أن ينظر إلى أخيه وهو يقول:
> “إنها الآن شابة ناضجة انضمت إلى مجتمع النبلاء. ستجد صعوبة في التأقلم، لذلك عليك أن تساعدها وتشرف عليها.”
“بمعنى آخر، تريدني أن أُراقبها.”
“قلتُ راقبها لتساعدها.”
“وماذا لو رفضت؟”
“أنت؟”
نطق الإمبراطور الكلمة بابتسامةٍ باردة، وكأن رفض ويد احتمالٌ لا يُؤخذ بجدية.
> “هناك الكثير ممن يمكنهم تولي هذا الدور غيري.”
“لكن لا أحد منهم يليق بمكانة آل فونتي أمام آل غلوفر.”
“رودا موجود.”
“إنه وريث العرش القادم.”
“صحيح، إذًا لن نُكلفه بمثل هذا العمل التافه.”
أجاب ويد بنبرةٍ ساخرة، ثم نهض دون أن يستأذن، مما جعل الإمبراطور يرمقه بنظرةٍ صامتة.
> “غراموس.”
“نعم، جلالتكم.”
“ستتوجه أسبوعيًّا إلى قصر دوق لي فونتي وتقدم لي تقريرًا بنفسك.”
“أمركم، مولاي.”
أصدر الإمبراطور أوامره بتعيين كبير خدمه لمراقبة ويد علنًا، دون أن يأبه لموافقته.
وتقابلت عيناهما الذهبيتان المتشابهتان في نظرةٍ حادةٍ طويلة.
> “عُد الآن إلى القاعة يا مولاي، فغيابك الطويل قد يدفع المركيز غلوفر إلى الظن بأنك تتعمد تجاهل ابنته، فيغضب ويُضمر الشرّ.”
“حتى وإن كنتَ تحظى برعايتي، فأنا لا أظن أن خادمًا بسيطًا يحق له الحديث عن مركيزٍ بهذا الشكل.”
“هاها، يبدو أن مزاحي لم يرق لكم، سموّ الدوق.”
قطّب ويد حاجبيه. كان في غراموس شيءٌ يثير النفور، إحساسٌ غامضٌ لم يكن موجودًا من قبل.
> “ويد، هذا ليس شأنك.”
“هاه، لقد ذكّرني جلالتك مجددًا بمدى عطفك على كبير خدمك.”
“انتهى حديثنا. يمكنك الانصراف.”
رجلٌ يملك عيني أفعى…
هكذا فكّر ويد وهو يهمّ بالمغادرة دون أن يُلقي التحية.
وفي تلك الأثناء، بينما كان ويد في حضرة الإمبراطور، كانت ميلونا في القاعة تكتشف معنى “الرقصة الأولى” في حفلات البلوغ… وبدت على وشك الانفجار.
لم تنكر أن خطتها تتضمن أن تُصبح في نهاية المطاف “حبيبة” ويد، على الأقل في الظاهر، فهي تنوي سرقة قلبه بالكامل.
لكنها لم تكن تنوي أن تُعلن ذلك على الملأ.
> كنتُ أنوي فقط أن أغويه قليلًا… ثم أطلب منه أن نحافظ على علاقةٍ سرّية!
لكن حتى السرّية لن تُخفي الأمر، فهي واثقة أن الجميع سيفهم عاجلًا أو آجلًا.
ومع ذلك، إخفاء العلاقة هو الخيار الوحيد لتجنب العواصف القادمة.
> انظروا إليهم فقط!
كل العيون في القاعة كانت موجّهة إليها — من والدها المركيز، إلى كل النبلاء، وخصوصًا الفتيات الأرستقراطيات اللواتي بدت الغيرة مشتعلةً في نظراتهن.
> أين اختفى ذلك الرجل؟! إن تسبب بالفوضى فعليه على الأقل إصلاحها!
تذكرت كيف كان قبل قليل يلوّح لها بابتسامةٍ ساخرة من زاوية القاعة، لكنه اختفى فجأة دون أثر.
> “من الذي تبحثين عنه بكل هذا القلق؟”
استدارت ميلونا على الفور نحو الصوت القادم من خلفها، لتجد أمامها امرأةً فاتنة بشعرٍ أحمر كاللّهب وعينين زمرديتين متألقتين، تحيط بها مجموعةٌ من بنات النبلاء.
> “ها هي، جاءت لتثير المتاعب.”
كانت غريزة ميلونا تصرخ بأن هذه المرأة لم تأتِ بدافع اللطف.
> “ألستِ تسمعينني؟ سألتك عمّن تبحثين.”
“أليس من اللائق أن تُقدمي نفسك أولًا قبل أن تطرحي الأسئلة؟”
قالت ميلونا بابتسامةٍ رصينة، كما علّمتها مُدرّبتها في آداب السلوك، دون أن تُظهر للحظةٍ واحدة اضطرابها الحقيقي.
[آنسة، تذكّري جيدًا. عندما تتحدثين مع الآخرين، يجب أن يكون الطرف الآخر هو من يعرّف بنفسه أولًا.]
كانت نبرة معلمتها التي لطالما شددت على آداب المخاطبة تدور في أذن ميلونا.
ففي المحادثات، يُفترض أن يعرّف ذو المنزلة الأدنى بنفسه أولًا، لأن قيام من هو أعلى شأنًا بذكر اسمه قبل الآخر يُعدّ تصرفًا يُنقص من مكانته، وهو أمر لا يُغتفر في مجتمع النبلاء.
لكن تلك الفتاة تجرأت وتحدثت معها دون أن تُعرّف بنفسها؟
‘تمامًا كما قالت المعلمة…’
كان الجميع في مجتمع ريشيَس الأرستقراطي يعرف أن ميلونا قد نشأت كفتاة من عامة الشعب.
لم تُفصح عن ذلك بنفسها، لكن شبكة المعلومات بين النبلاء كانت كافية لاكتشاف الحقيقة.
ولذا، فإن مخاطبتها بهذه الوقاحة لم يكن إلا محاولة متعمدة لاستفزازها وانتظار خطأٍ منها.
‘هل أبدو حقًا بتلك السهولة في نظرهم؟’
تسللت نبرة حادة إلى صوت ميلونا من فرط الغضب الذي غلى في رأسها بعد طول صبر.
“ما بال صمتكِ؟ أتشعرين بالخجل من الإفصاح عن اسم عائلتك؟”
“……كاترينا من بيت برينجي، ابنة الكونت.”
كانت ميلونا قد أقسمت أنها ستكتفي بالمراقبة هذه الليلة دون إثارة أي مشكلة،
لكن أمام وقاحة كهذه، لم يكن في طبعها أن تلوذ بالصمت.
“لو أنكِ بادرتِ بالتعريف بنفسك قبل أن أسأل، لكان من الأسهل عليّ تذكّركِ.”
“……يبدو أنني استعجلت الكلام بدافع الرغبة في المساعدة، فاعذريني.”
“أتفهم ذلك، فمن الطبيعي أن يتسرع المرء إن كان ذهنه منشغلًا.”
ومع مواجهة وجه كاترينا المتورد غضبًا كخصلات شعرها الحمراء، أحست ميلونا ببعض الارتياح اللاذع.
“كما تعلمين، أنا ميلونا غلوفر. ولست في الواقع أبحث عن أحد،
لكن يبدو أن الأمر بدا كذلك في
عينيكِ.”
ابتسمت ميلونا بلطف وقد استعاد مزاجها بعض الهدوء،
لكن كاترينا، التي لم تفوّت الفرصة، برقَت عيناها الخضراوان ككلبة صيد رأت فريستها وقالت بنبرة حادة:
التعليقات لهذا الفصل " 27"