الفصل 1
“أنقذي العالم بالحب!”
كانت تلك آخر كلمات سمعتها “ميلونا” قبل ان تفنى مع سقوط العالم في الدمار.
***
اليوم الثالث.
حين فتحت ميلونا عينيها على صوت ضحكات الأطفال القادمين من خلف النافذة، استقبلت نهارًا جديدًا، وأخيرًا استطاعت الاعتراف بالحقيقة:
“حسناً، فلأتوقف عن الإنكار وأتقبّل الأمر. لقد عدت….”
لم يكن حلمًا.
رغم أن الأمر لا يُصدَّق، فقد عادت ميلونا فعلًا إلى ربيع ما قبل دمار العالم بثلاث سنوات.
أو بالأحرى، أُجبرت على العودة.
“إن كان هذا حقيقيًّا حقًّا…”
بينما كانت مستلقية على السرير، بدأت تمسك شعرها القصير المبعثر فوق الوسادة بيديها وتئن.
هذا غير معقول.
مستحيل أن يحدث.
لكن ما لا يمكن تصديقه أكثر من عودتها إلى الماضي، هو ما عليها أن تفعله من الآن فصاعدًا.
“كيف يمكن إنقاذ العالم بالحب مثلاً!”
راودها شبح ذلك اليوم، يوم الدمار.
كان يومًا يبدو عاديًّا، هادئًا.
لكن فجأة، ومن القصر الإمبراطوري حيث يقيم الإمبراطور، ارتفع ظلام كثيف ابتلع كل شيء في لحظات، فانهار العالم.
في ذلك الوقت، حتى وهي تشاهد النهاية بأم عينيها، لم تستطع أن تفكر بالهرب.
لو كانت هناك أي إشارة أو تحذير مسبق، لكانت حاولت النجاة.
لكن ما حدث كان “مفاجئًا”، “سريعًا” إلى درجة لم تسمح لها حتى بالشعور برعب الموت قبل أن تموت فعلاً.
“قبل أن أستوعب أنني أموت، كنت قد مت بالفعل! فبماذا كنت سأمنع ذلك؟ بالحب؟ حــب؟ على الأقل قولوا كلامًا منطقيًّا حتى يبدو الأمر معقولاً! هل هذا شيء يدخل العقل أصلًا!”
صرخت ميلونا ، ثم جلست على سريرها وهي تلهث، وشَعرها مشوَّش بعد أن عبثت به بيديها.
لكن ما أقلقها أكثر من الوصيو المستحيلة التي سمعتها ، كان شيئًا آخر انعكس في عينيها البنفسجيتين:
“لو رآه رجال المعبد فستكون مشكلة كبيرة…”
على ظهر يديها كان هناك وسمٌ مضيء يشع نورًا لطيفًا.
“وسم النور”.
إنه العلامة المقدسة.
لقد مرَّ ما يقارب الثلاثين عامًا على آخر مرة وُلدت فيها “عذراء مقدسة” في إمبراطورية لِسِيُوس التي تحكم نصف القارة.
ورغم أن الكاهن الأعظم كان قويًّا بما يكفي لحفظ توازن القوى مع الإمبراطور، فإن غياب العذراء ظل جرحًا مؤلمًا للمعبد.
فلو علموا أن هناك شخصًا ظهر ومعه علامة مقدسة، بل اثنتان! فلن تكون مجرد مسألة “إزعاج” بل مصيبة حقيقية.
“سواء كان الأمر عن الحب أو عن إنقاذ العالم، فسوف يُمسكون بي فورًا ويحبسونني مدى الحياة. آه! وحينها العالم سينهار على أي حال، فلن أبقى سجينة طويلًا. ها. ها. ها.”
تنهّدت ميلونا مطوَّلًا وهي تحدق في العلامة البراقة.
ربما كان ذلك دليلًا ساعدها على تقبُّل فكرة عودتها بالزمن، وإن كان هذا مقصد الإله فقد نجح.
“يجب أن أخفيه! ، لأن في هذه الحالة الإخفاء أفضل!”
عادةً ما تحكي فرق المهرجين أو الشعراء المتجولين قصصًا عن “الأبطال” الذين يهزمون ملك الشياطين بمعونة المعبد، لكن هذا محض خيال.
ثم إن ما قيل لها لم يكن “اهزمي ملك الشياطين”، بل “أنقذي العالم”.
وبطريقة… الحب.
لحسن الحظ، على الأقل عرفت من هو “الهدف” المقصود بالحب.
“وما الفائدة من ذلك! ، فتاة عادية تعمل في الأحياء الخلفية سارقة محترفة، كيف لها أن تلتقي! بالأمير! وتُحبّه أيضًا! أيّ منطق هذا؟!”
ولو كان الحاكم يستمع، لابتسم قائلًا: “ذلك الرجل لم يصبح إمبراطورًا بعد.”
إنه “وايد لي فونتي”، دوق الإمبراطورية.
أصغر أبناء الإمبراطور الراحل، والأخ غير الشقيق للإمبراطور الحالي.
وبعد عامين فقط، سيقتل أخاه الإمبراطور ويجلس مكانه، ليحوّل القارة إلى بحر دماء وحروب.
وحين لا يبقى له خصم، سيفتح بوابة الدمار ويجلب نهاية العالم.
قال الحاكم:
[ذلك الفتى قلبه يابس، يبدو وكأنه يملك كل شيء لكنه لم يملك شيئًا قط، فعاش جائعًا عطشانًا بلا سبب. لذلك استطاع توأمي “الظلام” أن يقوده إلى الدمار. املئي قلبه بالحب، وامنعِي النهاية.]
لكن ميلونا لم تستطع إلا التفكير:
“لو كان شخص واحد فقط هو السبب في الدمار، فلماذا لا يتصرّف الحاكم نفسه وينهي الأمر؟ لماذا يُلقي بي في هذا؟ بالحب تحديدًا؟”
حين احتجّت على ذلك، كان جواب الإله أسوأ:
[لكن… أعني… إنقاذ العالم بالحب سيكون أجمل.]
……
في تلك اللحظة حقًا، تمنّت ميلونا لو كان بوسعها أن تضرب الحامم حتى تفنى روحها نهائيًّا.
“أجمل؟! أي رومانسية رخيصة هذه! حتى الروايات الرديئة لا تكتب شيئًا كهذا، يا لجنونك… على كل حال أيها الإله!”
كانت ترغب في شتمه، لكنها كتمت نفسها.
إذ بعد أن رأته بعينيها، لم تستطع أن تسبّه علنًا.
لكن الإيمان به؟ مستحيل أكثر من ذي قبل.
تنهدت وهي تنهض من السرير وتقف أمام المرآة.
وبدأت من جديد ما فعلته في اليومين الماضيين: التأكد من حقيقة عودتها.
شَعرها الأسود القصير يلامس كتفيها، بشرة صافية على غير عادة أطفال الأحياء الفقيرة.
حاجبان جميلان، رموش كثيفة، عيناها بلون البنفسج الفاتح اللامع كندى الصباح.
أنف مستقيم صغير، شفاه حمراء.
قوام طويل نسبيًا بالنسبة لفتاة الشوارع.
ربما ورثت ذلك من والدين لم ترهما قط، لكنه دمٌ نبيل على ما يبدو.
تأملت انعكاسها مبتسمة:
“لا ندوب على وجهي، عيني بخير، آثار الحروق اختفت….”
في زمنها الأصلي، ورغم حذرها الشديد، أصابتها بعض الجروح من عملها “ناقلة ملكيات” ـ أو باختصار سارقة.
كانت الندوب في الوجه والرقبة مزعجة، عكس تلك التي على اليدين والقدمين التي يمكن إخفاؤها.
لكن الآن؟ وجهها صافٍ.
“كنت جميلة حتى مع الندوب، لكن من دونها أنا أجمل بكثير. لنعتبر هذا عربونًا مقدَّمًا.”
وبينما تتجاهل بوسعيها وسم النور على يدها، رفعت ابتسامة مبالغًا فيها على وجهها:
“لقد استلمتُ عربونًا ضخمًا، فكيف أتهرب من العمل؟ أنا لم أرفض صفقة قط من قبل! هاهاها.”
لكن الحقيقة أنها رفضت.
وبشدة.
لم يكن الأمر متعلّقًا بصعوبة العمل أو بالمال.
ما كانت ميلونا تضعه دائمًا في المقام الأول هو سلامتها الشخصية.
لم يكن لديها شيء تملكه سوى جسدها، وقد عرفت منذ طفولتها أن حياتها ثمينة للغاية.
لذلك بذلت قصارى جهدها لتحافظ على سلامتها وتعيش طويلاً وسعيدة.
وبفضل ذلك، تطوّر لديها حدس لاكتشاف الخطر لدرجة أنه فيما بعد أصبح بإمكانها — اعتمادًا على الإحساس وحده — تجنّب المهمات الخطرة.
بالطبع ذلك الحدس لم يكن صحيحًا بنسبة مئة بالمئة، لذا حصلت لديها جروحٌ كثيرة… ولكنها لم تمت بسببه! فالموت جاء نتيجةً للدمار المفاجئ الذي لم يكن لها يدٌ فيه!
“أه، أجل! هذا شيء لم يكن بيدي أن أتجنّبه! في مواجهة كارثة كهذه، لا بُدّ أن أفضّل التعامل مع الناس بدلاً من مواجهة الكوارث… أليس كذلك؟”
كان حدسها، الذي عملت من أجله طوال حياتها حفاظًا على سلامتها، يرسل الآن تحذيرات صارخة بأن المهمّة القادمة خطيرة للغاية بشدّة.
لكن الهروب لم يعد خيارًا.
لأنها عادت حقا للماضي— وعلى الرغم من أن الأمر جاء كتكليف مفاجئ — إلا أن كونها عادت بهذا الشكل يعني أن عليها القيام بما طُلب منها، حتى لو لم تقل “نعم” صراحة.
إضافةً إلى ذلك، فإن ثمن هذا التكليف هو سلامة العالم وحياتها نفسها.
إذا رفضت فستموت، فبالتأكيد المخاطرة أفضل من الموت.
“لا تجعليني أتعامل معها بشكل مبالغ. لقد أسندوا إلي المهمة، إذن سأفعلها بطريقتي. سأحمي كبرياءي كامرأة تُدعى أفضل ناقلة ملكيات في إمبراطورية لِسِيُوس — وسأسرق هذا ‘الحب’ بكلّ مهارة!”
كانت مكافأة بقاؤها على قيد الحياة مؤكَّدة.
وبالنسبة لما بعد النجاح… ربما حين تموت لاحقًا وتعود لمقابلة الحاكم مجددًا، قد يقول لها: «عملٌ جيد»، فتطلب أمنية واحدة. لو حدث ذلك، فستدعو في الحياة القادمة أن تولد كابنة وحيدة لأسرة ثرية وتعيش حياة مترفة وسعيدة طوال العمر.
بعد أن رتبّت أفكارها المعقّدة بطريقة مبسطة، التقت ميلونا بعيون صورتها في المرآة وأومأت برأسها.
“فإذاً أول خطوة… هي الذهاب إلى العمل!”
لقد كان صباح اليوم الثالث فقط منذ عودتها بعد تكليف الإله الغريب.
لكن بالنسبة لرئيسها في العمل، الذي لا يعرف شيئًا عن دمار العالم، كانت مجرد صباح آخر تلوح فيه إمكانية أنّ الموظفة الغائبة عن العمل منذ يومين قد تتغيب اليوم أيضًا.
إن لم تحضر اليوم فستكون عرضة لغرابة رئيس متذمر ربما تعاقب
ها عليها قبل أن تموت في النهاية. تمنت ميلونا من كل قلبها أن يكون مزاج رئيسها اليوم جيدًا، جيدًا جدًا، وشُرِعت في الاستعداد للخروج بسرعة متأمّلةً ذلك.
_________________
المترجمة :”شيوتا 🩵”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"