5
اختفى التعبير عن وجه إينوك. نقر جيريل، الذي كان يتقدّم نحوهم ببطء، بلسانه عند رؤيته ذلك.
لم يكن لدى السيد أدنى فكرةٍ عن مدى صعوبة جمع جثّةٍ مقطوعة الرأس في وضح النهار. ويزداد الأمر صعوبةً بوجود شهود.
اشار جيريل برأسه سريعًا، وفجأةً ظهر رجالٌ من العدم ودخلوا المقهى.
تحدّث الشبّان الوسيمون، الذين يرتدون بدلات سوداء أنيقةٍ ويبتسمون بودّ، بأدب.
“معذرةً يا أسياد. المتجر مُغلَقٌ اليوم، فهل يمكنكم الانصراف؟”
“هاه؟”
“نتطلّع إلى زيارتكم القادمة.”
“ماذا…؟”
عبست رانيا في وجه المشهد العبثي. ماذا؟ ما هذا؟ هذا متجري…؟
جلست هناك مرتبكة، ثم نهضت بسرعةٍ لتمنعهم.
مهما كانت طريقة حديثكَ مهذّبة، إذا طردتَ زبونًا، فمَن سيأتي بعده؟
لكن قبل أن تنطق بكلمة، انصرف الضيوف مذهولين، وكأنهم يفرّون.
بعد ذلك، أُزيلت الطاولات والكراسي بسلاسةٍ وسرعةٍ كجريان الماء.
أُغلِقت جميع النوافذ المفتوحة على مصراعيها، ودخل جيريل أخيرًا. في لمح البصر.
حدّق روبيل، الذي ما زال إينوك يمسك برقبته، في رانيا، والعرق يتصبّب من وجهه. بدت نظراته وكأنه يسألها مَن هؤلاء الناس بحق السماء؟
هزّت رانيا رأسها لا شعوريًا. لا أعرف.
خلع جيريل قفّازيه، واقترب من إينوك.
“انتهى الأمر، سيدي. سأسيطر على الشارع أيضًا.”
سيدي؟ أُسيطر…؟
ارتجف روبيل وارتعشت حدقتاه.
حتى قبل لقائه برانيا، كان يعتمد كليًّا على وسامته ليجذب النساء، لكن قدرته على استشعار الخطر كانت استثنائية.
وإلّا لما استطاع أن يُبكي كلّ هؤلاء النساء ويبقى سالمًا.
لكن… دقّت أجراس الإنذار في رأسه بجنون. كان الأمر خطيرًا. خطيرًا جدًا.
عادت الابتسامة إلى وجه إينوك، الذي كان، مثل رانيا، يفكّر في كيفية جعل هذا الطفل يعاني أكثر من الموت.
“خذوه أولًا.”
“لماذا لا نتخلّص منه فورًا؟”
“لديّ فكرةٌ جيدةٌ من أجله. وهناك أمرٌ آخر مهمٌّ الآن.”
شحب وجه جيريل لرؤية إينوك يحمرّ خجلًا، وينظر إلى رانيا.
لكنه لم يُظهِر مشاعره الحقيقية، فضرب روبيل على رقبته وأفقده وعيه، وسلّمه إلى مرؤوسه.
خلعتُ قفّازاتي عبثًا.
وبينما كان يمسح يديه بمنديل، سار إينوك أمام رانيا.
رأت رانيا ذلك. الشعارات المنقوشة على أعناق وأيدي أولئك البلطجية الذين استولوا على المتجر وطردوا الزبائن.
كانت علامةً تدلّ على انتمائهم إلى نقابة. في الإمبراطورية، كان يوجد نقاباتٌ لا حصر لها، لذا كان من الصعب معرفة إلى أيّ نقابةٍ تنتمي كلّ علامة.مع ذلك، كانت بعضها مشهورةً لدرجة أن الأطفال كانوا يتعرّفون عليها.
أولًا، نقابة الموازين الذهبية، وهي نقابةٌ تجاريّةٌ تتّخذ من عُملةٍ ذهبيةٍ على ميزانٍ شعارًا لها.
كانت هذه النقابة، التي اندمجت فيها عدّة نقابات، مجموعةً تجاريّةً ضخمةً تُزوّد البلاط الإمبراطوري بجميع السلع الفاخرة وتتعامل مع أكثر من نصف طبقة النبلاء في الإمبراطورية.
ثانيًا، نقابة المُراقبين الهامِسين، وهي نقابة معلومات. كان رمزها بومةٌ بعينٍ واحدةٍ مُغلقة.
قيل إنهم قادرون على إيجاد أيّ شيء، من الأشخاص إلى الأشياء، مقابل أجر. انتشرت شائعاتٌ بأنهم يستطيعون حتى معرفة عدد قطع الملابس الداخلية للإمبراطور.
أخيرًا، كانت هناك نقابة المُغامرين، وهي مجموعةٌ لم يكن حتى البلاط الإمبراطوري قادرًا على الوصول إليها بسهولة.
ظاهريًّا، كانت مجرّد نقابةٍ للمغامرين وتتولّى مَهام الحراسة، والمرتزقة، والقضاء على الوحوش، لكنها في الواقع متورّطةٌ في تهريب الأسلحة، والتجارة السوداء، والاغتيالات.
لم يكن أحدٌ يعلم إلى أيّ مدًى يمتد نفوذها، وكانت متماسكةً جدًا لدرجة أنها تحولت إلى قوّةً لا تُقهَر.
نقابة ‘عين الليل’. كان رمزها عينًا وخنجرًا متداخلين.
رأت رانيا تلك العين بالذات.
“مرحبًا يا جميلة. سررتُ بلقائكِ مجدّدًا.”
حيّاها إينوك بابتسامة. شحب وجه رانيا.
“يبدو أن لدينا الكثير لنتحدّث عنه. هل يمكنكِ تخصيص بعض الوقت؟”
لم يكن من قبيل الوهم أنه بدا وكأنه يقول ‘سأفجّر رأسكِ إن لم تخصّصي لي بعض الوقت’.
السيد …… سيد ‘عين الليل’ ….
لم تستطع رانيا سوى الإيماء، مستذكرةً الليلة التي قضتها معه.
* * *
رنين، رنين. تحرّك الرجال بنشاطٍ خلف المنضدة.
أعدّوا القهوة، وخلطوا الكريمة، وأخرجوا الكؤوس بمهارةٍ تفوق مهارة رانيا.
بعد قليل، وُضِعت القهوة مع الكريمة المخفوقة أمام جيريل، ووُضِع مشروب الفاكهة الذي أخفته أمام إينوك ورانيا.
هذا متجري، مشروبي …… كان تعبير رانيا خاليًا من أيّ تعبير، لكنها كانت خائفةً جدًا من الكلام.
ابتسم إينوك، وذقنه مستندةٌ على يده التي على المنضدة، لرانيا التي أبقت رأسها منخفضًا، غير قادرةٍ على النظر في عينيه.
“جميلة.”
“……”
ارتجفت رانيا. هل كان من الصواب أن يناديها ‘جميلة’؟
رفعت رانيا وجهها ببطء، متذكّرة أن إينوك ناداها ‘يا جميلة’ سابقًا.
ضاقت عينا رانيا باضطراب، وأجابت على عجل.
“نـ نعم!”
“لماذا أنتِ متفاجئةٌ هكذا؟ لقد كنتُ منزعجًا جدًا عندما استيقظتُ ولم أجد أحدًا. ألا تتذكّرين؟ تلك الليلة الساخنة التي قضيناها؟”
احمرّ وجه رانيا.
لا أتذكر. لم تكن تتظاهر بذلك. لم تتذكّر رانيا حقًا شيئًا… لم تتذكّر، لكن عادت صورة نفسها، وهي تتحوّل إلى وحشٍ وتُمزِّق ثياب الرجل، إلى ذهنها.
خفضت وجهها كالمُذنبة، وأجابت بصوتٍ خافت.
“أ-أتذكّر … نعم …”
“همم؟ تتذكًرين، صحيح؟ بعد فعل شيءٍ كهذا، بالطبع يجب أن تتذكّري.”
نظر إينوك إلى جيريل وكأنه يقول انظر إلى هذا.
تنهّد جيريل، ناظرًا إلى المرأة المسكينة التي لم تُدرِك حتى أنها تحفر قبرها بنفسها.
كان قد سمع بالفعل أنه لم يحدث شيءٌ طوال الليل. قضيا ليلةً بريئة…. حسنًا، بعيدةً كلّ البعد عن البريئة، فقد استمتعا بالشُّرب والرقص، لكنهما شربا بجنونٍ دون أيّ ‘حوادث’ مزعجة.
باختصار، كانت ‘ليلةً ساخنة’، كافيةً لإذابة المعدة من كثرة الشرب.
أدرك جيريل أن إينوك كان يقصد ذلك، لذا لم يُبدِ ردّة فعلٍ تُذكَر، أما رانيا، التي كانت تستمع، فقد شعرت وكأنها على وشك الجنون.
لم تُصدِّق أنها ستفقد رباطة جأشها أمام رجلٍ لا يُضاهى.
وبينما كانت تشعر بالإحباط، مُعتقدًا أنها لا تختلف عن روبيل بما فعلته، سأل إينوك مُجددًا.
“إذن، لماذا هربت فتاتي الجميلة؟”
انطبقت شفتا رانيا، اللتان كانتا نصف مفتوحتين، فجأةً كالمحار.
كيف يُمكنني شرح ذلك بطريقةٍ لا تُسيء لأحد؟
فكّرت مليًّا ثم أجابت.
“إنه… مُحرِج، همم…؟”
“مُحرِج، ماذا؟ هل كان ذلك بسبب السُّكر؟”
“هذا صحيح، وهذا…”
“أوه، تقصدين تمزيق ملابسي ولمس صدري وبطني؟ أم طريقة تقبيلكِ لي؟ لا. حتى لأنكِ بكيتِ وضربتِني لأنكِ لم تشربي ما يكفي من الكحول كان مُحرِجًا.”
“…….”
كادت رانيا تبكي. ماذا فعلتِ بحق الجحيم، يا نفسي في الماضي؟
لو كان ذلك يعني محو ذكريات إينوك تمامًا، لما مانعت من إعطائه كلّ أموالها.
وكما هو متوقّع، لا يستطيع الناس العيش بعد ارتكاب الذنوب. لا، لكن هؤلاء أسوأ بكثير …..
“سيدي.”
نظر جيريل، الذي كان يستمتع برائحة القهوة ومذاقها بهدوء، إلى وجه رانيا الشاحب ونادى على إينوك.
كان مناداته بـ’سيدي’ – على غير عادته – مقصودًا إلى حدٍّ كبير، وفي الوقت نفسه وسيلةٌ لحثّ إينوك على الوصول إلى صُلب الموضوع.
لسوء الحظ، ازداد اكتئاب رانيا عند سماع كلمة ‘سيدي’. ارتشف إينوك رشفةً من نبيذ الفاكهة العطري ولعق شفتيه، مبتسمًا بمرحٍ رغم إلحاح جيريل. ثم خاطب رانيا مجدًدًا.
“لا تقلقي، سيبقى هذا بيننا.”
ما طبيعة علاقتنا؟
أرادت رانيا أن تسأل، لكنها كانت ساذجة، تمدّد ساقيها باحثةً عن مكانٍ تستلقي فيه. في الحقيقة، شعرت أنها ستندم على سؤالها.
تمنّت ألا يقول إينوك عباراتٍ مثل ‘هل أنتِ خائفةٌ مني؟’ أو ‘لماذا أنتِ خائفةٌ هكذا؟”
“هل أنتِ خائفةٌ مني؟ لماذا أنتِ خائفةٌ هكذا؟”
كانت أمنيةً عبثية.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
التعليقات لهذا الفصل " 5"