4
في شارع بلوميريا، كان يوجد مقهًى دافئٌ وساحرٌ يبيع الزهور أيضًا.
في فصلي الربيع والخريف، وفي أيام الصيف المعتدلة نسبيًا، تُفتَح النوافذ الكبيرة التي تشبه الأبواب على مصراعيها، وتمتلئ بالطاولات والكراسي. يُرى بوضوحٍ ما بداخل المقهى، المليء بالنباتات، ما يدفع المارّة للتوقّف وإلقاء نظرةٍ خاطفة.
ولأن الشارع ليس مزدحمًا، فإن زبائنه في الغالب من كبار السن، لكن الحركة التجارية لا تزال نشطة.
يقدّم هذا المكان الفريد قهوةً مُحضَّرةً من حبوبٍ عالية الجودة، ومجموعةً متنوعةً من أنواع الشاي المصنوعة من أعشابٍ مزروعةٍ محليًا، وعصائرًا مصنوعةٍ من مستخلصات فواكه موسمية، وحتى مشروباتٍ كحوليةٍ عند الطلب. كان هذا هو المتجر الذي تُديره رانيا.
رانيا، التي أغلقت متجرها لعدّة أيامٍ دون سابق إنذارٍ بسبب خطيبها، ولم تتمكّن من فتحه أمس بسبب صداع الكحول، فتحت متجرها أخيرًا لأوّل مرّةٍ منذ فترة.
خاطبت بهدوءٍ الزبائن المعتادين الذين حيّوها، وسألوها عما حدث.
“مهلاً… أبعِدي أصّيص الزهور… أجل، إلى الخارج. هناك. أوه، أحتاج لإخراج الكأس أيضاً …. يوجد كرسيٌّ صغيرٌ تحته، يمكنكِ الصعود عليه. انتبهي.”
لم يكن من الممكن أن يزول صداع ما بعد السكر خلال يوم واحد، كانت رانيا قد شربت كميةً هائلةً من الكحول، وكان نوعًا قويّاً جداً.
بالطبع، لأنها لم تتذكّر أنها واصلت الشرب بإفراطٍ حتى الفجر، كانت تظنّ فقط أن كبدها قد ساءت حالته مؤخّرًا.
بمساعدة زبائنها، استعدّت رانيا تماماً للعمل وتحدّثت إلى الرجل المسنّ الذي كان يضع الأكواب على المنضدة.
“من فضلك، حضِّر لي كوباً من الماء بالعسل. أشعر بالغثيان…”
“هل العسل هنا؟”
“نعم، على الرّف هناك.”
انقلبت الأدوار تماماً بين صاحبة المحل والزبون، لكن هذا لم يكن غريباً.
جلست رانيا على الكرسي الطويل، ترتشف الماء بالعسل الذي حضّره لها الزبون وتزفر بعمق.
لو أنها شربت ماءً عاديًا، لكان طعمه كطعم الكحول، لكن مع ماء العسل، أصبح طعمه كطعم نبيذ العسل. لم يكن لديها وقتٌ للتفكير في خطيبها، أو ذلك الرجل الذي قضت معه ليلةً منذ لقاءهما الأول.
بعد مرور بعض الوقت، بدأ الضيوف باستجواب رانيا مجددًا.
“إذن، ما الذي حدث حقًا يا آنسة رانيا؟ هل شربتِ حقًا؟”
“هذا ليس جيدًا…”
“ستتزوجين قريبًا، لذا من الأفضل أن تكوني حذرة.”
“……”
بالتفكير في الأمر، كانت متحمّسةً للغاية لدرجة أنها أثارت هذا الموضوع.
تجهّم وجه رانيا. شربت ماء العسل دفعةً واحدةً ووضعت فنجان الشاي بقوّة.
“لقد فسختُ الخطوبة.”
لم يناقشا الأمر رسميًا بعد، لكن رانيا لم تكن مستعدةً لمسامحة خطيبها حتى لو ركع على ركبتيه، واعتذر، وتوسّل، بل ووقّع على تنازل.
كانت مسألة ثقة. كان اكتشافها لحقيقته قبل زفافهما نعمةً من السماء.
اتّسعت عيون كبار السن المحترمين عند سماعهم الصوت الحازم. ما أثار دهشتها حقًا هو تلك السيدة العجوز الأنيقة التي تستمتع بالقراءة وشرب شاي الأعشاب في مكانٍ مشمسٍ ثلاث أو أربع مرّاتٍ في الأسبوع.
“ماذا؟ لماذا؟!”
“ماذا حدث؟”
ابتسمت رانيا بمرارة. كيف يمكنها أن تتحدّث بعقلٍ سليمٍ عن أن خطيبها كان يجرّ نساءً إلى المنزل ويتدحرج معهنّ على السرير؟
“هذا الوغد اللعين يستحقّ أن يتمّ تمزيقه حتى الموت. إنه خائن. لكن كنتُ أنا مَن كان يخون معها! ذلك الوغد. لا، حتى وصفه بالكلب سيكون ظُلمًا للكلاب. إنه أسوا من روث الكلاب.”
وكانت رانيا قد فقدت صوابها تمامًا.
اتّسعت عيون الضيوف عند سماع كلماتها اللاذعة والباردة.
“يـ يا إلهي… ذلك الوغد اللعين كان يخـ يخوـ يخون؟! لا، بل كانت الآنسة هي طرف الخيانة؟! هل كان في علاقةٍ مزدوجة؟”
“وَيلاه… متى كان ذلك حين كان يبكي ويتوسّل قائلاً إن لقاء الآنسة رانيا هو أُمنية حياته، راجياً إياها أن تقابله؟”
“صحيح! لقد أخبرتكِ ألّا تنخدعي بالمظاهر! هناك مقولةٌ تقول إن الرجال الوسيمين يدفعون ثمن جمالهم بوجوههم!”
تحوّل المقهى، الذي كان يُعرَف سابقًا بجوّه الهادئ والساكن، إلى ضجّةٍ عارمة.
ضحكت رانيا على الزبائن الغاضبين وكأن الأمر يخصّهم.
وسط هذه الفوضى، قال زبونٌ آخر بخبثٍ لرجلٍ عجوزٍ يحمل عصا.
“إذن ماذا يفعل الرجال القبيحون؟”
“الرجال القبيحون يدفعون ثمن قُبحهم.”
“… ما الفرق بين هذا وذاك الآن.”
“على أيّ حال، إذا وقع نظري على ذلك الوغد، فسأهشّم رأسه بهذه العصا!”
“ر- رانيا.”
تحوّل وجه رانيا، التي بالكادت ابتسمت، إلى عبوسٍ باردٍ عند سماع الصوت المألوف.
أدارت عينيها ونظرت نحو مصدر الصوت.
كان خطيبها السابق، روبيل، يقف أمام المتجر بوجهٍ وقح.
شعرٌ أشقرٌ لامعٌ وعيونٌ عسلية. كان روبيل رجلاً وسيماً يلفت أنظار المارّة، وكان انجذاب رانيا إليه يعود في معظمه إلى وسامته. في الواقع، كانت رانيا مولعةً بالوجوه الجميلة.
عندما التقيا لأوّل مرّةٍ كزبونٍ في مقهى، تظاهر روبيل بأنه رجلٌ لطيفٌ وودود. بالطبع، سرعان ما انكشفت حقيقته.
تشبّث برانيا، يهمس لها بكلماتٍ معسولةٍ ويتحسّسها بخبث، محاولاً التقرب منها.
كانت رانيا حديثة العهد بالمواعدة، ظنّت أن الجميع هكذا، لكنها لم تستطع تحمّل التغيير المفاجئ في سلوكه الصريح في البداية.
كان هذا أمراً لا مفرّ منه، نظراً لأنهما لم يكونا معاً إلّا لبضعة أشهر. في تلك الحالة، كان روبيل هو مَن سعى للزواج، قائلاً.
«أريد أن أستيقظ في نفس السرير معكِ كلّ صباح.»
اتضح أن روبيل كان على علاقةٍ جديّةٍ بامرأةٍ أخرى، وحتى الخاتم الذي أهداها إياه اتّضح أنه رخيصٌ ومزيّف. كان واضحًا ما يريده روبيل.
ابتسم روبيل ابتسامةً مرتبكة، إذ واجه نظراتٍ حادّةٍ من زبائن المتجر. ردّت رانيا بسخرية.
“لماذا أنتَ هنا؟”
“همم، لـ لديّ ما أقوله… هل يُمكنني التحدّث معكِ للحظة؟”
“نعم.”
“لا، هذا، الأمر صعبٌ هنا قليلاً … أعطِني لحظةً لوحدنا.”
“ما المشكلة في هذا المكان؟ أتريد أن تخبرني بأشياء لا تستطيع إخبار الآخرين بها؟ هذا لا يُعجبني. إنه مضيعةٌ لوقتي، لذا اُخرج من هنا.”
كان صداع الكحول يُزعجها بالفعل، ورؤيته على هذه الحال زادته غضبًا.
بدا أن الزبائن، الذين كانوا يُومئون برؤوسهم بهدوءٍ على تعليقاتها الساخرة من روبيل، يضحكون عليه، فاحمرّ وجهه من الحرج.
صرّ على أسنانه ودخل المتجر بخطواتٍ واسعة. أمسك بمعصم رانيا.
“قلتُ لكِ أن لديّ ما أقوله! اخرجي!”
“يا لكَ من وغدٍ حقير! أين تضع يديك! أسرِع ولا اتركها!”
“يا إلهي، هل ترتكب جريمةً في وضح النهار؟ هذا رجلٌ صفيقٌ حقًا!”
قبل أن تتمكّن رانيا من الرّد على تصرّف روبيل الفظ، تقدّم الزبائن للدفاع عنها.
لكن كالعادة، كان جميع الزبائن هنا من كبار السن، وكان روبيل يعلم ذلك، لذا أتى دون تردّد.
في لحظة، عمّت الفوضى المتجر.
وبينما كانت رانيا تفكّر في كيفية تأديب هذا الوغد، راقبها البعض من بعيد.
“جيريل، إذا ظهرتُ الآن لمساعدة رانيا، هل ستتأثّر برأيك؟”
“أيّهما تفضّل سماعه، إجابةٌ صادقة وإن كانت باردة، أم إجابةٌ لطيفة حتى لو كانت كذبة؟”
“أوه، هذا يكفي. أنتَ ممل. لهذا السبب أنتَ غير محبوب.”
تذمّر إينوك ونقر بلسانه ووبّخه، فظهرت شرخةٌ بين حاجبي جيريل.
قبل أن ينطق بكلمة، قفز إينوك من على الدرج ودخل المتجر. لم يلحظ أحدٌ اقتراب إينوك. حتى روبيل لم يشعر بوجوده إلّا عندما أمسكت يدٌ بمؤخّرة عنقها.
“مـ ماذا…!”
سرعان ما هدأت الضجة بظهور الشاب المفاجئ.
اتّسعت عينا رانيا، التي ركلت فخذي روبيل وأسقطته أرضًا ثم حاولت أن تتظاهر بالدوس عليه بالخطأ.
كان شعره الأسود المصفّف بعنايةٍ لونًا نادرًا في الإمبراطورية، وعيناه، الأكثر بريقًا من عيني روبيل، كانتا مثله.
كان وجهه يُعتبر أيضًا ‘نادرًا’.
كان رجلاً ذا ملامح رشيقةٍ لدرجة أنها لو كانت في حالتها العادية، لأغدقت عليه بالاهتمام دون وعي.
ضاقت عيناه حين التقت نظراتهما.
شحب وجه رانيا، وقد بدا عليها الذهول. لحظة، هذا الرجل…؟
وعندما رأى إينوك أن راينا قد تعرّفت عليه، حاول أن يلوّح محيّيًا.
“مـ …”
“أنتَ أيّها وغد، ماذا تفعل! اتركني!”
لو لم يصرخ روبيل ويقاطع حديثه.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
التعليقات لهذا الفصل " 4"