2
لم يكن الأمر أنه لم يفهم موقف جيريل المتصلّب. ففي النهاية، ألم تحدث كلّ تلك الحوادث والوقائع الأخيرة؟
لكن أنديل شعر غريزيًا أن الشابة كانت حقًا شخصًا عاديًا.
عادةً لا يتصرّف بتهوّرٍ في أيّ موقف، لكن إذا كان السيد قد أمر جيريل بالتعامل معها، شعر أنه مضطرٌّ لإيقافه بأيّ شكلٍ من الأشكال.
وسط الجو المتوتّر، تحدّث إينوك بهدوء.
“دعكَ من هذا. في الشهر الماضي، قرأ كالارد النجوم خاصتي وقال ألّا أقتل النساء هذا العام.”
“أتصدّق كلام رجلٍ راهن بثروته وخسرها كلّها، وكاد أن يُدفَن في الصحراء؟”
“إنه مُحِقٌّ ثلاث مرّاتٍ من أصل عشر، لذا فالأمر مُقلِق. على أيّ حال، أنديل. أحضِر بعض المشروبات والوجبات الخفيفة.”
“أجل. أحضرتُ شيئًا جيدًا قبل يومين واحتفظتُ به لأجلك.”
تجاهل إينوك الأمر وكأنه لا شيء، وجلس جيريل بجانبه عاجزًا. وسرعان ما عادت أجواء الحانة إلى الصخب.
وسط هذه الضجة، استعادت الشابّة وعيها، وهيبين الحلم واليقظة.
عادةً، كانت قدرتها على تحمّل الكحول بلا حدود، لكن تناولها المتكرّر للمشروبات القوية دون أيّ وجباتٍ خفيفةٍ جعلها تشعر بالدوار.
انقلبت معدتها ورأسها تمامًا.
لحسن الحظّ، كانت تتلوّى كدودةٍ فحسب، دون أن تُحدِث أيّ فضيحةٍ أخرى، لكن حركتها تلك كانت تزعج إينوك.
شعر أنديل باستياء إينوك المتزايد، فأسرع لنقل الزبونة إلى الطابق العلوي.
لكن قبل أن يغادر أنديل المنضدة، كان الجزء العلوي من جسد الفتاة قد ارتفع بالفعل.
شعرها البلاتينيّ مُبلَّلٌ ومُبعثرٌ من المطر، وعيناها البنفسجيتان غائمتان، ووجنتاها مُحمرّتان. رغم جمال وجهها، إلّا أن شحوب وجهها وعينيها الغائرتين جعلتاها تبدو كشخصٍ فاقد العقل، مما جعل إينوك ينتفض لا إراديًا.
لاحظ جيريل ذلك، فاستهزأ به.
“سيد إينوك. هل خفتَ حقًّا الآن؟”
“هل تعلم ما هي أهمّ حكمةٍ تعلّمتُها في حياتي؟ المجنون أخطر من الرجل الذي يحمل سكّينًا. انظر. تلك العيون، كعيون سمكةٍ فاسدة.”
انحنى إينوك إلى الخلف قليلًا وهمس بوجهٍ مرتعش. شعر بعبءٍ أكبر لأن نظرات المرأة كانت مثبّتةً عليه.
أمالت رأسها إلى اليمين، ثم أمالته إلى اليسار، وتابعته بإصرار. المشكلة كانت فيما حدث بعد ذلك.
انفرجت شفتا المرأة ببطء، وانطلقت منها، مع رائحة الكحول النفّاذة، شتيمةٌ أشدّ ضراوة. معظم من كانوا داخل الحانة نشأوا في أزقّةٍ خلفيةٍ وعملوا في شتّى أنواع الأعمال الشاقّة، لذا كانوا معتادين على الألفاظ النابية والعنف الصريح.
لكن كلمات المرأة كانت مُروّعةً لدرجة أن حتى الرجال الأشداء، الذين بدوا كقطّاع طرق، غطّوا أفواههم وتساءلوا في أنفسهم ‘كيف يُعقل أن يقول أحدهم شيئًا بهذه القسوة؟’
لم تُعِر المرأة أيّ اهتمامٍ للشهقات أو الأنين أو الاحتجاجات المرتبكة من حولها.
حدّقت في إينوك طويلًا، وهي تهاجمه، قبل أن تنهار مجدّدًا.
كانت كلمات المرأة الأخيرة تهديدًا، شيئًا من قبيل ‘إن لم تُدِر رأسك، فسأقطع رأسكَ بوحشية.’
وإينوك، الذي شهد طُغيان السكّيرة أمام عينيه…
“وااو…”
نظر إلى مؤخّرة رأس المرأة، وقد احمرّت وجنتاه.
نظر إليه جيريل، الذي كان يسدّ أذنيه بأصابعه، وقد شعر بتلوّث ذهنه، بنظرة اشمئزاز.
“لماذا تحمرّ خجلاً؟”
“إنها المرّة الأولى التي أسمع فيها أحداً يسبّني أمامي منذ طفولتي.”
“……”
“هذا مثيرٌ للاهتمام.”
ابتسم إينوك ابتسامةً خجولة، وتقلّبت مشاعره بين اللامبالاة والانزعاج، ثم الانزعاج والرفض، ثم الرفض والاهتمام.
لقاء طائرٍ أزرق الريش يجلب الحظ السعيد، ورؤية السيد يبتسم تجلب الحظ السيئ.
نهض أعضاء النقابة، الذين اتّخذوا هذا شعاراً لهم، دون أن ينبسوا ببنت شفّة، وبدأوا يتحرّكون بصخب.
“يا إلهي، لقد تأخّر الوقت! حان وقت العمل!”
“صحيح. لقد خفّ المطر قليلاً، فلننطلق.”
“سيد أنديل، سأعود!”
نظّفوا المكان بخفّةٍ ورشاقةٍ أكثر من المعتاد، وغادروا الحانة دون أن يلتفتوا إلى الوراء.
لم يكن لقلّة الطلبات ولا لهطول المطر الغزير أيّ تأثيرٍ في تلك اللحظة. حيّاهم أنديل بهدوءٍ وودّعهم، ولم يجد جيريل شيئًا ليقوله.
أدرك أن معظم الناس، حين تكون حياتهم على المحك، يحملون نحسهم. مثل إينوك الذي ينظر في النجوم رغم أنّ ذلك لا يليق به. وبطبيعة الحال، كان إينوك يعلم ذلك أيضًا.
لكنه بدلًا من إظهار أيّ استياء، مرّر أصابعه بين خصلات شعر المرأة الطويلة. كان تركيزه منصبًّا عليها تمامًا.
انتاب أندل شعور سيء. فرغم أنه قد نال الخلاص ويخدم سيده، إلا أن إينوك كان في جوهره رجلًا ضعيف الشخصية.
كان هذا شيئًا يمكنه تكراره ألف مرة، حتى لو قُطِع لسانه وقُطِعت أظافره في نوبة غضب.
بمعنًى آخر، لا يمكن التنبّؤ بما سيفعله هذا الشخص الفاسد أخلاقيًّا عندما ينشأ لديه اهتمامٌ من نوع ‘أنتِ أوّل شخصٍ يفعل هذا لي.’
كان إينوك من النوع الذي، بسبب طبعه الحاد، ينفجر فجأةً قائلًا ‘آه، أعتقد أنكِ مُزعجة.’ ويقضي عليها بسهولة.
هذا هو إينوك.
تكلّم أنديل، الذي كان يتصبّب عرقًا بغزارةٍ ولكنه حافظ على هدوئه واتّزانه، بسرعة.
“هذا غير مقبول. قبل أن ترتكب خطأً آخر، يجب أن أنقلها إلى الطابق العلوي بسرعة.”
“حسنًا، سآخذها أنا.”
“هاه؟ لا، هذا ليس صحيحًا. لا يُمكنني أن أطلب من السيد أن يفعل شيئًا كهذا. سأصعد بسرعة…”
“أنديل، يجب أن تبقى مكانك. ماذا سيحدث لو جاء أحد أعضاء النقابة ولم يكن مدير الفرع موجودًا؟”
“…هذا صحيح، هاها. لكن مهما يكن، أشعر بعدم ارتياحٍ شديدٍ وأنا أترك السيد يقوم بالعمل الشاق بسبب زبونةٍ كنتُ أنا من استقبلها. بدلاً من ذلك، أُفضِّل أن يكون جيريل…”
“هذا كثيرٌ جدًا، أنديل. ألا تعلم أن جيريل شخصٌ ضعيف؟”
تغيّر تعبير جيريل بشكلٍ غريبٍ عند سماعه هذه الكلمات. صحيحٌ أنه يفتقر إلى القدرة على التحمّل والقوّة التي يتمتّع بها أعضاء النقابة الآخرون، لكنه مُدرَّبٌ على حماية نفسه.
بطبيعة الحال، يُمكنه بسهولةٍ حمل امرأةٍ صغيرةٍ كهذه على كتفه.
مع ذلك، لقد فهم أن هذا تحذيرٌ واضحٌ من أنه إذا تدخّل دون سابق إنذار، فسوف يتمّ سحقه. لذا أومأ برأسه فقط.
“هذا صحيح. روتيني اليومي هو الجلوس على مكتبي، والعمل على الأوراق. حمل شخصٍ ما إلى أعلى الدرج أمرٌ مستحيل.”
“أرأيت؟ ليس لديّ خيارٌ آخر، لذا سأفعلُ أنا ذلك.”
نهض إينوك وهو يُدندن لحنًا، ثم حمل المرأة بسرعةٍ ووضعها على كتفه.
وبينما كان أنديل يُراقبه وهو يصعد الدرج دون أن يجد متّسعًا للتمسّك به، مسح وجهه. قال جيريل ببرودٍ مُعلِّقًا على تصرفاته.
“لن يقتلها. في أحسن الأحوال، سيحاول إغواءها بجماله. أليس هذا ما يُجيده إينوك؟”
أجل. فرغم كونه سيد نقابة اغتيالات، كان إينوك يتمتّع بجمالٍ لا يُضاهى، يصعب نسيانه بمجرّد رؤيته. كان جماله يُعيق عمله لدرجة أنه اضطرّ إلى استخدام أدواتٍ سحريّةٍ لإخفاء ملامحه.”
كان أكثر براعةً في سحر الآخرين بجماله من القتل، وكان يعلم تمامًا وسامته، ويستغلّها لصالحه.
كانت هذه إحدى عيوب إينوك الكثيرة. كان يفتقر إلى النزاهة. كان وغدًا، يُغوي أيّ شخص، بغض النظر عن جنسه، إلى فراشه بأدنى اهتمام.
كانت هذه إحدى عيوب إينوك الكثيرة. كان يفتقر إلى النزاهة.
كان وغدًا.
بمجرّد أن يشعر بالاهتمام ناحية أيّ شخص، يقوم بإغواءه ويجرّه إلى فراشه.
كان قمامةً حقيقة.
مع ذلك، إذا أبدى أحدهم اهتمامًا به، كان يبرد وكأن شيئًا لم يكن. بل إن وصفه بـ’القمامة’ بدت قليلةً في حقّه.
حتى لو حاول إغواء أحد، كان يُغيّر موقفه بسرعة البرق بمجرّد أن يقعوا في حبّة، ويعاملهم ككائنٍ أدنى من الحشرة. كان من المستحيل ألّا يولّد أعداءً على عذا الحال.
انضم العشرات إلى نقاباتٍ مُعادية، بل وتلقّوا طلبات اغتيالٍ من أشخاصٍ لم يكونوا يعلمون أن إينوك هو سيد هذه النقابة، لقتله بنفسه.
لكن على المدى البعيد، أدرك الجميع أن هذا أفضل.
فإينوك، رغم إغوائه الكثيرين، ظلّ عفيفًا. كان مسك الأيدي أو العناق الخفيف أقصى ما يمكنه فعله.
مجرّد مسك الأيدي والتواصل البصري كان كفيلًا بجذب الطرف الآخر، وإينوك، بعد أن فقد اهتمامه، كان يعاملهم بازدراء.
تجاهل جيريل هذا لأنه كان مدركًا تمامًا للوضع.
بالطبع، شعر أنديل بالمثل، لكن شعورًا غريبًا بالقلق كان يتراكم لديه منذ وقتٍ سابقٍ ظلّ يلحّ عليه، هاجس ‘ماذا لو؟’.
ظلّ يُلقي نظراتٍ خاطفةٍ على الدرج، يفكر.
‘سيدي، أرجوك. حاول فقط إغواءها كما تفعل دائمًا …’
شعر بالأسى على الفتاة التي ستتأذّى من هذا القمامة، لكن هذا أفضل من التورّط أكثر، أليس كذلك؟
أجبر نفسه على التخلّي عن الأمر.
لكن الساعات مرّت، وإينوك لم ينزل بعد.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
التعليقات لهذا الفصل " 2"