6
لم يمضِ على وجودي هنا شهرٌ واحد، إلا أنني ألفتُ أجواء الشمال إلى حدٍ ما. لطالما أحببتُ في نفسي ميزة التأقلم السريع مع أي مكان، ولكن….
‘بعيداً عن هذا، الأمور لا تحرز أي تقدم.’
جلستُ تحت مظلة الحديقة أرمق فنجان الشاي، بينما كانت أصابعي تنقر على الطاولة بتململ.
‘ليكسيون قال إنه يبحث عن شيء ما.’
لو كان بإمكاني مساعدته، لمددتُ له يد العون دون تردد.
لذا، سألتُه مرتين صراحةً عما يبحث عنه، ولكن في كل مرة كان يأتيني الرد ذاته:
“تفاصيل الصفقة لا يجوز إفشاؤها لغير أطرافها.”
كان حزمه يغلق أمامي كل أبواب الاستزادة، فلم أجرؤ على السؤال مجدداً.
‘على أي حال، لقد ذكر أنه سيحصل على مبتغاه من الماركيز.’
وهذا الزفاف لم يقم إلا لأجل ذلك.
لكن، لماذا اختار الزواج تحديداً؟ رغبتُ بشدة في معرفة السبب.
في المرة الأولى، لم ينبس ببنت شفة. وفي الثانية، جاء رده غريباً ومحيراً: “أشعر بالأسف لأنني أخدعكِ”.
‘أن يكون سبب الزواج هو شعوره بالأسف لخداعي؟ يا له من عذر.’
بالنظر إلى غايتي في تغيير مسار الرواية لأجل سعادة ليكسيون، لم تكن الأسباب تهمّني كثيراً.
‘رغم أن الزواج من شخصيتي المفضلة هو حلمٌ ورديّ صار حقيقة.’
ارتشفتُ ما تبقى من الشاي واستندتُ بظهري إلى الكرسي براحة.
“لا أعرف ما هو، لكن فلأحاول أولاً التعاون معه فيما يبحث عنه.”
تمتمتُ بذلك وحدي ثم وضعتُ الكوب وتمددتُ لأفكّ قيود التعب.
“ليس عليكِ أن ترهقي نفسكِ هكذا.”
تجمّدتُ مكاني من فرط الصدمة إثر الصوت المفاجئ، ليردَّ الفضاء صدى ضحكة خفيضة رخيمة.
شعرُت بقلبي يهوي إلى قدميَّ.
“كنتُ أتساءل عما يجعلكِ غارقة في التفكير هكذا، فتملكني الفضول.”
أردف ليكسيون كلماته بهدوء وهو يظهر من خلفي. كانت عيناي شاخصتين من الذهول، ولم أقوَ حتى على النظر إليه مباشرة.
وفي هذه الأثناء، جلس ليكسيون أمامي بمنتهى الهدوء دون أن يصدر أدنى صوت.
“لكنَّ كلماتكِ تلك أبهجتني.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه البارد عادةً.
أنا التي غدا عقلي كصفحة بيضاء من مباغتته، ازددتُ ذهولاً أمام مرآه.
“روزيليا.”
مدَّ يده نحوي برفق.
“ما بكِ؟”
“……”
“أودُّ لو تصبّين جلَّ تركيزكِ عليَّ حين نكون معاً.”
لامست أصابعه الطويلة شفتيَّ بضغطٍ رقيق ثم انزاحت. لم يكتفِ بذلك، بل أنزل يده ليقبض بإحكام على يدي التي كانت لا تزال متشبثة بالفنجان من فرط الارتباك.
استعدتُ وعيي أمام ملمس يده البارد، واتسعت عيناي وأنا أنطق باسمه:
“لـ… ليكسيون.”
“همم. لقد صرتِ تجيدين نطق اسمي الآن.”
“منذ… متى وأنت هنا؟”
“منذ قليل. ألم تشعري بقدومي؟”
“لم أسمع أيَّ وقع لأقدامك.”
أطلق ليكسيون ضحكة قصيرة.
“لهذا ارتبكتِ هكذا؟ حسناً، سأحرص على إصدار صوتٍ في المرة القادمة.”
“سيكون ذلك أفضل.”
حاولتُ جاهدةً تهدئة دقات قلبي المتسارعة، بينما وقعت عيناي على معصمي؛ كان ليكسيون لا يزال متمسكاً بي.
حاولتُ سحب يدي من بين قبضته الكبيرة بلطف، لكن قوتي لم تكن لتضاهي قوته أبداً.
“عذراً.”
التفتُّ إليه وثبّتُّ نظري في عينيه؛ كان يرمقني بنظراته منذ البداية.
وما إن التقت أعيننا، حتى ابتسمتُ بارتباك.
“هل يمكنك تركي؟”
“لماذا؟”
“لأن…..”
الأسباب كثيرة، لكني شعرتُ أن أياً منها لن يجدي نفعاً معه.
فكرتُ للحظة، ثم قلتُ بدافع من الجرأة المصطنعة:
“لأن حركاتٍ كهذه لا تليق إلا بين المحبين.”
رغم هدوئي الظاهري، كان قلبي يقرع كالطبول؛ وهو رد فعلٍ لا حيلة لي فيه.
فالرجل الذي أمامي هو شخصيتي المفضلة الذي طالما هِمتُ به. وفجأة، أجدني على وشك الزواج منه، بل وأعيش في قصره.
كنتُ أتمنى قضاء كل لحظة في سعادة معه، لكن ليس الآن. فوفقاً للرواية، ليكسيون يقود نفسه نحو الفناء.
لذا، كان عليَّ التركيز فقط على إنقاذه، وتجنب أي تصرف قد يحرّك المشاعر.
“المحبين؟”
جاء رد فعله بطيئاً للغاية. رمش بعينيه وكرر الكلمة وكأنها مصطلحٌ يسمعه لأول مرة.
“المحبين.”
“أجل.”
‘أنا أحبك، ولكنك… لا تحبني.’
لم أستطع النطق بذلك، فابتلعتُ الكلمات التي وقفت في حنجرتي.
‘أقصد طبعاً حب الإعجاب، لا العشق.’
“فهمت.”
كانت نبرته توحي بالاقتناع، لكن وجهه كان ينمُّ عن عدم استيعابٍ تام.
“لكننا سنصبح زوجين بعد أربعة عشر يوماً.”
كان لا يزال متمسكاً بيدي.
“لذا، سأفعل ما يحلو لي.”
أذهلني قوله لدرجة أنني نسيتُ حتى أن أعترض.
لم أستطع تخيل مدى تأثير تلك الكلمات عليَّ، أو ما الذي يرمي إليه ليكسيون فعلاً.
***
حين سمعتُ كلمة “الزواج” لأول مرة، لم أشعر بحقيقتها.
فبين عمري الحقيقي وبين المدة القصيرة التي قضيتها بعد التجسد، من قد يتقبل فكرة زواج مفاجئ كهذا بسهولة؟
علاوةً على ذلك، كان لديَّ سببٌ جوهري لعدم الرغبة في هذا الزواج.
‘ليكسيون يحب شخصاً آخر. لا ينبغي له الزواج بي.’
مع اقتراب الموعد، بدأت تلك الفكرة تنمو في عقلي حتى استحوذت عليه.
‘بالمناسبة، أين آيريس الآن وماذا تفعل؟’
من المفترض أن هوسه بها بدأ منذ لقائهما في الفيلا وهما طفلان. إذن، يفترض أن علاقتهما مستمرة حتى الآن.
لا أعتقد أن ليكسيون يتجنب لقاءها مراعاةً لمشاعري.
‘هل لأنه يخطط للقائها بعد أن ينال مبتغاه ويطلقني؟’
بدلاً من الغرق في التساؤلات، قررتُ الحصول على الإجابة من المصدر مباشرة.
بعد الغداء، وبينما كنا نشرب الشاي في المظلة كالعادة:
“ليكسيون، لديَّ أمرٌ يحيرني.”
“ما هو؟”
“متى كانت آخر مرة قابلت فيها قداسة القديسة؟”
كان رد فعله غير متوقع تماماً.
“…. مَن؟”
أمال رأسه تساؤلاً، فظننتُ في البداية أنه يتصنع القول.
“أعني، القديسة آيريس نابير.”
نطقتُ باسم بطلة الرواية كاملاً بعد أن استذكرته بصعوبة. فوضع ليكسيون فنجانه وعقد ذراعيه.
“أعتقد أن المرة الأخيرة كانت في مهرجان الضياء.”
“مهرجان الضياء؟”
“ألا تعرفينه لأنكِ غير مهتمة؟”
أعاد ليكسيون رأسه لوضعه الطبيعي وراح يشرح لي عن المهرجان بهدوء:
“إنه مهرجان لحاكمة النور لوميير. يستمر لأسبوع كامل بشكلٍ يبعث على السأم.”
عند تلك النقطة، قطب حاجبيه. أدركتُ فوراً سرَّ ضيقه.
عائلة تريستان هي الوريثة الأقوى لقوة الحاكمة في الإمبراطورية.
وهو الوحيد الذي وُلد بقوة الظلام، فعاش طفولة بائسة، ممقوتاً من والده، وفاقداً لأمه التي ماتت، ليمضي سنواته في ظلٍ من الشقاء.
ليكسيون الذي عاش سنواته الأولى كالميت لأنه لم يرزق بقوة النور.
‘الآن أفهم لماذا يخفي كل الكتب المتعلقة بـحاكمة النور أو قوى الضياء.’
تذكرتُ تلك المجلدات التي رأيتها في المخزن السري قبل أيام.
“ولكن، لماذا تسألين عن هذا؟”
“آه، مجرد فضول.”
“أنتِ تهتمين بأمورٍ غريبة.”
“ألا تقابل القديسة في غير ذلك اليوم؟”
“ولماذا عليَّ مقابلة القديسة تحديداً؟”
القديسة هي الشخص الأقرب لحاكمة النور.
‘لكنك نلتَ خلاصك في طفولتك على يد آيريس.’
بمجرد أن أنهى إجابته، شعرتُ بشيءٍ من الريبة.
كان كلامه عن القديسة يتسم بالبرود الشديد، بل لمحتُ في عينيه طيفاً من الكراهية.
‘ماذا يحدث؟’
رغم أنني لم أمضِ وقتاً طويلاً هنا، إلا أن ذكرياتي عن الرواية لا تزال حية. لقد قرأتها مراراً لدرجة حفظ أدق التفاصيل.
أين الخطأ إذن؟
بينما كنتُ أرمش بذهول، مسح ليكسيون تعابير البرود عن وجهه ورسم ابتسامة هادئة.
“أنتِ حقاً غريبة الأطوار.”
“……”
“أنتِ أول من يجرؤ على سؤالي هكذا.”
شعرتُ وكأنني تلقيتُ ضربة على رأسي، فاستجمعتُ شتات نفسي.
“آه….. هل ارتكبتُ خطأً ما؟”
“ليس خطأً بالمعنى الحرفي… بل لعلّكِ لم تكوني تعلمين.”
فكر ليكسيون قليلاً ثم أردف:
“أنا أمقت كل ما له صلة بقوى النور. لذا، أرجو ألا تفتحي هذا الموضوع أمامي مرة أخرى.”
“أبداً.”
كانت كلماته أشبه بالأمر الصارم.
رغم لينه معي الآن، شعرتُ أنه لن يتوانى عن القسوة لو خالفتُ هذا الأمر.
نحّيتُ حيرتي جانباً وأومأتُ برأسي.
“سأضع ذلك في حسباني.”
“وبما أننا فتحنا الموضوع، سأضيف أمراً آخر.”
“ما هو؟”
“أنا أكره مهرجان الضياء أيضاً.”
ظهرت مشاعر تقترب من الحقد على وجهه للحظة ثم تلاشت. لم أغفل عن أي تعبيرٍ يبديه.
فأنا لا أريد القيام بأي شيء يبغضه.
“تقصد، ألا أفكر حتى في طلب الذهاب للمهرجان؟”
حينها، أطلق ليكسيون ضحكة حقيقية لأول مرة.
“أنتِ ذكية بحق. تعجبينني.”
التعليقات لهذا الفصل " 6"