5
مضى أسبوع كامل منذ وطأت قدماها أرض قصر الدوق.
وبفضل ذاكرتها الوقادة، تمكنت من حفظ خريطة القصر التي تشبه المتاهة، ولم يكن ذلك ليتم لولا مساعدة مارثا التي طافت بها الأرجاء وعرّفتها على كل ركن وزاوية. أما ليكسيون، فقد غضّ الطرف عن تحركاتها وتجولها المستمر وكأنه لم يلحظ شيئاً.
‘لقد قال إنه يبحث عن شيء ما… تُرى، هل هذا الشيء هو ما سيجلب له السعادة؟’
راحت تعتصر ذاكرتها وتسترجع أحداث الرواية، لكنها لم تجد أثراً لما يصبو إليه ليكسيون. ولعلها تجدُ ضالتها في الكتب، لذا قررت زيارة مكتبة القصر لعلها تظفر بخيط ما.
في ذلك اليوم، انطلقت بمفردها نحو زاوية نائية من القصر.
كانت المكتبة تقبع في نهاية رواق مهجور، بباب رثّ يبدو وكأنه سيتفتت لو دُفع بقوة.
“ما هذا المكان؟”
شعرت بوخزة من الحذر تخبرها ألا تدخل، لكن الفضول كان أقوى، فدفعت الباب.
صرير—
صدر عن المفاصل الصدئة صوت حادّ يبعث القشعريرة في الأبدان، تماماً كمنظر الباب المتهالك.
“……”
ترددت في الدخول، وشعرت بجو غريب يلف المكان، فالتفتت حولها بحذر. كان الرواق خالياً تماماً، ولم تسمع همسة بشرية واحدة، وكأنها الوحيدة في هذا القصر المترامي الأطراف.
‘حتى القصور الفارهة لها مساوئها حين تخلو من الروح.’
تنهدت بعمق، ثم أدخلت رأسها لتستكشف الداخل. كانت المكتبة غارقة في عتمة موحشة، وبما أنها بدت خالية من العيون، دلفت إلى الداخل بحذر شديد؛ فلا أحد يدري من قد يختبئ بين الرفوف.
بقلب يخفق وجلاً، راحت تقرأ عناوين الكتب الواضحة:
‘تاريخ الإمبراطورية، حكايا الضياء، حاكمة النور… آه.’
كانت الكتب في هذه الغرفة الشبيهة بالمستودع تشترك في قاسم واحد:
كلها تدور حول قوى النور.
بدا وكأن كل كتاب يمت بصلة لقوة الضياء قد نُفي إلى هذا المكان.
‘لأنها جميعاً تذكر ليكسيون بنقصه.’
توقفت أمام النافذة غارقة في أفكارها. لم تكن الغرفة تشبه المستودع فحسب، بل كانت مستودعاً بالفعل.
عائلة تريستان هي سلالة النور النبيلة، التي يُقال إنها استمدت قوتها من لوميير، حاكمة النور. وكانت هذه العائلة هي الركيزة الأساسية في تأسيس إمبراطورية كارسينيا الضيائية.
ومنذ نيلهم لقب الدوقية، توارث أسياد تريستان أقوى قوى النور في الإمبراطورية.
باستثناء ليكسيون تريستان، الذي لم يرزق بذرة واحدة من ذاك النور.
‘ليكسيون، الوحيد الذي وُلد بقوة الظلام.’
كان يُنظر إليه كوصمة عار في جبين العائلة، وتجرع كؤوس الكراهية والازدراء منذ نعومة أظفاره.
‘وتلك البطلة هي من كانت ستواسيه في محنته.’
لأجلها، كان مستعداً للموت معها، وسلك كل السبل للاستحواذ على آيريس.
“لابد أنه كان يتمنى الزواج بها، لا بي.”
لماذا إذن اختار الزواج مني؟
مهما بحثت في ثنايا الرواية، لم تجد أثراً لهذا المنعطف. هل فاتها شيء ما؟ أم أن أحداً تلاعب بالأحداث فانحرف مسار الرواية؟
‘لا فائدة من التخمين. لعل الأفضل هو تعجيل لقائه بآيريس.’
توالت الأسئلة في ذهنها بلا إجابات، فقررت الاستسلام والرحيل.
“فلنخرج من هنا.”
أعادت الكتاب الذي كانت تحمله إلى مكانه؛ كان بعنوان “حكاية حاكمة النور”.
شعرت بوخزة ذنب تجاه ليكسيون لدخولها هذا المكان؛ كأنها تعبث بجرحه الغائر. حاولت الخروج بمنتهى الهدوء لتخفي أثرها.
وما إن فتحت الباب بحذر شديد حتى….
“…!”
كانت عينان حمراوان باردتان تنظران إليها من الأعلى.
تجمّد الدم في عروقها وسقط قلبها بين قدميها. من فرط الصدمة، شعرت وكأن أنفاسها قد انقطعت.
“أنتِ…”
انفرجت شفتاه المطبقتان ببطء:
“كيف دخلتِ إلى هنا؟”
“……”
“همم؟ روزيليا.”
“آه، أنا…..”
لم تكن ترغب في ترك انطباع سيئ لدى ليكسيون، لذا أجابت بسرعة قبل أن ترتب أفكارها، وسرعان ما ندمت على تسرعها. كان ينتظر تكملة حديثها، فراحت تحرك عينيها يمنة ويسرة حتى لمعت في ذهنها حيلة:
“لقد… كنتُ مارة ووجدته مصادفة. كان الباب موارباً قليلاً، وحين حاولتُ إغلاقه، فُتح أكثر فـ…”
“……”
تلاشت كلماتها تحت نظراته التي بدت وكأنها تسأل: “أهذا هو عذركِ؟”، فآثرت الصمت. كان عذراً واهياً لا يقبله عقل.
ظلت نظرات ليكسيون مثبتة عليها دون رمشة واحدة.
‘ماذا يريد أكثر من ذلك؟’
زاد الموقف ارتباكاً، وشعرت ببرودة الهواء من حولها، فتمنت لو تنشق الأرض وتبلعها.
وحين همت بقول أي شيء آخر:
“… الباب كان مفتوحاً، هكذا إذن؟”
“هذا… هذا صحيح، حقاً.”
“من المستحيل أن يكون مفتوحاً.”
“……”
“لأن هذا المكان تحت إشرافي الخاص.”
لقد قُضي عليّ.
فبناءً على شخصية ليكسيون، لابد أنه يغلق الأبواب بإحكام، ولن تنطلي عليه مثل هذه الأعذار الهزيلة.
شحب وجه روزيليا، ولم تعد تقوى على مواجهة نظراته، فنكست رأسها أرضاً.
“هذا أمرٌ ممتع.”
قالها بنبرة لا تحمل من المتعة شيئاً.
“لو كان غيركِ، لكانت حياته في خطر الآن.”
“…!”
شهقت روزيليا رعباً فور سماع ذلك.
بدو أنه لاحظ خوفها؛ فمرر أطراف أصابعه برقة على وجنتها الشاحبة.
لم تكن لمسة حانية، بل كانت تحذيراً صامتاً، مفاده أنه سيتجاوز عما فعلت هذه المرة فقط.
“بما أنكِ ستصبحين زوجتي، سأغفر لكِ.”
لم تدرِ أتشكره على ذلك أم لا.
رسمت ابتسامة باهتة على شفتيها، وتراجعت خطوة للخلف وهي تنحني بخفة.
“أنا لم أمضِ وقتاً طويلاً في القصر، ولم أكن أعرف حدود مساحتك الخاصة. لو أخبرتني بها، سأكون حذرة في المستقبل.”
“اسمي.”
“ماذا؟”
“لقد اتفقنا قبل أيام على مناداتي باسمي، روزيليا.”
كان وقع اسمها بين شفتيه غريباً على مسمعها.
“ناديني باسمي.”
تردد صدى صوته الرخيم في عقلها. لم تفهم سر إصراره على الاسم، لكنها قررت النزول عند رغبته.
‘لا يهم، فليكن ما يريد.’
ابتسمت روزيليا بإشراق وقالت:
“آه، أنا آسفة. لم أعتد الأمر بعد لذا نسيت، ليكسيون.%
حينها فقط، بدت ملامحه وكأنها استكانت قليلاً.
“وصلتني تقارير بأنكِ تجولين في أرجاء القصر مؤخراً.”
“أجل، بما أنني سأعيش هنا لفترة، أردتُ معرفة أرجاء المكان.”
“سأقوم أنا بإرشادكِ.”
“… أنت بنفسك؟ لابد أنك مشغول، لا داعي لذلك.”
خانتها ملامحها من فرط الدهشة؛ فهي لم تدرك بعد ما يرمي إليه ليكسيون. وبوجهه الجامد الذي لا يفصح عن شيء، أجاب فوراً:
“لديّ من الوقت ما يكفي لأمنحه لكِ.”
كانت إجابة غير متوقعة، جعلت عقل روزيليا يتوقف عن العمل مجدداً؛ فهذه الكلمات كانت تفوق قدرتها على الاحتمال.
“آه، أنا…”
كانت تظن أنها قادرة على استقبال أي كلمة منه ببرود، لأنها تعرف أين يميل قلبه، وأنه قال صراحة: “سأستغلكِ ثم أتخلى عنكِ”.
‘لا أفهم ما الذي يرمي إليه بهذا الكلام.’
لقد وافقت على أن تُستغل منذ لقائهما الأول، فلماذا يتفوه بكلمات قد توحي بالودّ؟
رغم مئات علامات الاستفهام في رأسها، قررت تجاوز الأمر؛ فليكسيون رجل غامض بطبعه.
“شكراً لك.”
“لا داعي للشكر على أمر كهذا.”
“إذن… هل يمكنني أن أطلب منك مرافقتي غداً؟”
“سأكون معكِ حتى تتعرفي على القصر تماماً. كل يوم في تمام الثالثة ظهراً، تعالي إلى مكتبي.”
“حسناً.”
الثالثة ظهراً كل يوم.
ليكسيون المشغول دائماً، سيخصص لها وقتاً من يومه.
‘عليّ أن أحذر.’
رددت هذا العهد في سرها مراراً؛ فهو رجل لا يخفي نواياه المظلمة، ولا ينبغي لها أن تأخذ كلماته المعسولة على محمل الجد.
لقد كان ليكسيون لغزاً محيراً بحق.
بعد اتفاقهما، عادت روزيليا إلى غرفتها وحدها، وشعرت بنظراته تخترق ظهرها لكنها لم تلتفت.
‘تلك هي سمات الشرير ليكسيون.’
في عالم ليكسيون، الجميع غرباء باستثناء بطلة الرواية، والغرباء ليسوا سوى أدوات يستخدمها لمآربه. وروزيليا كانت واحدة منهم، أداة لا أكثر، وهو لم يُخفِ ذلك أبداً.
“… لسان معسول ومشاعر مجهولة.”
تمتمت بابتسامة مريرة، وأفلتت من بين شفتيها تنهيدات متلاحقة.
‘ومع ذلك، سأحاول.’
فهدفها النهائي هو التقرب من ليكسيون لتغيير قدره المأساوي المحتوم.
وعليها الآن أن تفكر ملياً في كيفية التقرب من رجل كهذا.
التعليقات لهذا الفصل " 5"