3
“حان وقت الغداء، سنكمل حديثنا حين ننتهي.”
قالها مبتسماً لها، وهي التي لم تستطع نبس ببنت شفة حتى النهاية. أرخى قبضته عنها وكأنه يفارق شخصاً يَعِزُّ عليه تركه.
لم تستعد قدرتها على التفكير المتزن إلا بعد ذهابه بوقت طويل.
‘… لم يكن هذا موجوداً في الرواية الأصلية.’
خارت قواها، فجثَت على أرضية الشرفة لا تقوى على الوقوف.
ليكسيون تريستان.
إنه الشرير في تلك الرواية.
“كيف يمكن…..”
راحت تمتم بعجز أمام هذا الموقف العصي على التصديق؛ فليكسيون كان شخصيتها المفضلة على الإطلاق. وأن تتزوجه هو بالذات؟
حينها فقط، تذكرت كلمات الخدم:
— يتيمة منبوذة حصلت على عائلة، وأصبحت ابنة ماركيز، وزوجاً مناسباً فوق ذلك. حقاً إن قلب الماركيز واسع جداً.
زوج مناسب…..
حتى الماركيز كان يخاطبه بلقب “سيادته”.
كان عليها أن تدرك منذ تلك اللحظة أن من سيتزوجها هو شخص ذو مكانة أرفع من الماركيز بمراحل.
‘فليكسيون هو الدوق الأكبر، سيد الشمال بلا منازع.’
أفلتت تنهيدة حرّى من بين شفتيها الصغيرتين. لم يكن لديها وقت للاحتفاء بلقاء فتاها المفضل، فهي الآن على وشك الزواج منه فعلياً. كيف لها أن تتقبل هذا الواقع؟
“سأجن حتماً.”
مسحت وجهها بكلتا يديها، ثم رفعت رأسها ببطء.
“عليّ الهدوء.”
ما حدث قد حدث، ولا رادَّ للقضاء.
‘الرواية… أجل، لنتذكر أحداث الرواية.’
ليكسيون هو الشرير. وُلد بقوة محرمة جعلت الجميع يمقتونه، فغرق في لُجّة اليأس. قتل أمه—الوحيدة التي كانت في صفه—عن طريق الخطأ، وبينما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، ظهرت بطلة الرواية، آيريس، أمامه.
تقول الرواية إنه حين مدّت البطلة يدها إليه، تملكه هوس شديد بها ورغبة عارمة في الاستحواذ عليها.
لقد سلك كل السبل الملتوية والمستقيمة لينال آيريس، لكنها كانت ترتعد منه خوفاً، وتراه شريراً يثير الرعب في نفسها. ومع ذلك، كانت تشعر بنوع من الشفقة تجاهه، كونه شخصاً لم يعرف طعم الحب قط.
‘لقد وقعتُ في حب جانبه المخلص، ذلك الذي يتحول إلى حمل وديع أمام البطلة فقط، مستعداً لفعل أي شيء لأجلها.’
ربما لهذا السبب، تمنت دائماً إنقاذه.
‘لو كنتُ مكانها، لما نبذتُه، بل كنتُ سأمدُّ له يد العون.’
وها هي الفرصة الذهبية تطرق بابها؛ فقد تجسدت في دور شخصية جانبية، لتكتشف أنها ستتزوج من ليكسيون. في وضعها الحالي، هي قادرة بلا شك على إنقاذه.
‘بل ليس مجرد قدرة، بل هو واجب عليّ.’
كان عليها فعل شيء واحد: إنقاذ شخصيتها المفضلة من نهايته المأساوية، ومساعدته في الوصول إلى نهاية سعيدة.
“… حسناً.”
نهضت من مكانها بعد أن وجدت غايتها. نفضت قميص نومها بخفة، وبملامح أكثر ارتياحاً، تفحصت الغرفة التي استيقظت فيها.
قال إن وقت الغداء قد حان، إذن عليها الاستعداد.
في تلك اللحظة، طُرق الباب، وجاء صوت امرأة من الخارج:
“آنستي، سأدخل الآن”.
فُتح الباب قبل أن تجيب، لتواجه الخادمة وهي في حالة من الارتباك.
“اسمي مارثا، سأكون مسؤولة عن خدمتكِ من الآن فصاعداً.”
“سُررتُ بلقائكِ.”
كانت مارثا قد أتت لتصطحبها للاغتسال. انصاعت لها، وبعد أن اغتسلت، بدلت ثيابها. كانت تشعر بإحراج قاتل، فهي المرة الأولى التي يخدمها فيها أحد، بعد أن كانت تفعل كل شيء بنفسها.
‘عليّ أن أعتاد على هذا.’
فمنذ اللحظة التي أدركت فيها أنها تجسدت، توالت الأحداث من هرب إلى اختطاف على يد الشرير.
“هاااه.”
خرجت منها زفرة عفوية، وبينما هي تقف أمام مرآة الزينة، تمكنت أخيراً من رؤية وجهها بوضوح؛ فقد كانت مشتتة الذهن لدرجة أنها لم تلحظ جمالها من قبل.
‘يا لجمالها.’
وجه صغير وناصع البياض كأن الشمس لم تلمسه قط، تسكنه عينان تتألقان كأشعة الضحى، وأنف دقيق، ووجنتان متوردتان، وشفتان حمراوان تفيضان رقة. ويحيط بهذا كله شعر بلون الخضرة النضيرة ينساب كالأمواج، مما يضفي عليها طابعاً غامضاً وسحرياً.
اتسعت عيناها دهشة من هذا الغزل الذاتي العفوي، ثم انفجرت ضاحكة بهدوء.
بعد قليل، طرقت مارثا الباب مجدداً، لتقودها إلى قاعة الطعام. وعلى طول الطريق، كانت تصادف الخدم الذين يرمقونها بنظرات تترجح بين الدهشة والفضول.
“لقد مر وقت طويل منذ استقبلنا ضيوفاً، لذا هم مندهشون فقط.”
أضافت مارثا موضحة، وكأنها لاحظت ارتباكها؛ فقد نشأت في حياتها السابقة وهي تتقن قراءة نظرات الناس.
“بالإضافة إلى أن الدوق أعلن فجأة عن رغبته في الزواج، فالجميع يتوق لرؤية سيدة القصر الجديدة.”
“آه، فهمت.”
“لا تقلقي، نظراتهم لا تحمل أي سوء.”
“بالتأكيد.”
أجابت باختصار، وتعمدت رسم ابتسامة لطيفة على وجهها وهي تحيي كل من تصادفه من الخدم، حتى وصلت إلى قاعة الطعام.
فُتح الباب لتستقبلها قاعة واسعة ونظيفة، وفي نهاية طاولة طويلة وضخمة، كان ليكسيون جالساً بالفعل.
انتابتها قشعريرة مفاجئة لأنها لم تتوقع وجوده قبلها، لكنها دخلت بخطى وئيدة. وما إن التقت عيناهما، حتى اكتفى بإيماءة خفيفة برأسه.
“لقد… سبقتني إلى هنا.”
اكتفى ليكسيون بالإيماء مجدداً دون كلمة. علمت أنه قليل الكلام، لذا لم تتعجب من صمته.
احتارت في اختيار مقعدها؛ فأن تجلس بعيداً جداً وهما وحيدان أمر محرج، وأن تجلس قريباً جداً…
بدا وكأنه لاحظ ترددها، فانفرجت شفتاه أخيراً:
“هنا.”
أشار بعينيه إلى المقعد المقابل له بشكل مائل. جلست برقة بعد أن سحب لها الخادم الكرسي.
ولم يمضِ وقت طويل حتى امتلأت الطاولة بصنوف الطعام.
“إن كان هناك طبق لا يروقكِ أو لا يناسب ذوقكِ، فأرجو ألا تترددي في إخبارنا.”
تحدث كبير الطهاة إليها بمنتهى الأدب. دُهشت من هذا الحفاء في المعاملة، لكنها كتمت دهشتها واكتفت بإيماءة بسيطة.
استمر الغداء في صمت مطبق. كان هذا أول طعام حقيقي تتناوله منذ تجسدها، فرغم شعورها بالغرابة، لم ترد إظهار ذلك.
وبعد انتهاء الوجبة، اخترق صوته الرخيم ذلك الصمت الثقيل:
“هل طاب لكِ الطعام؟”
رفعت رأسها نحو مصدر الصوت. وبسبب انعدام الحديث، كانت قد انهمكت في تناول الطعام وكأنها تغرس وجهها في الطبق.
“آه… نعم. كل شيء كان لذيذاً.”
“هذا يريحني.”
أمالت رأسها تساؤلاً عن سبب سؤاله، حينها تدخل كبير الطهاة الذي كان يراقبهما طوال الوقت:
“لقد كان سيادته قلقاً من أن تختلف الأطباق هنا عما اعتدتِ عليه في الغرب، فخشي ألا تروقكِ.”
“آه، أهـ… فهمت.”
تلعثمت من شدة الارتباك، وراحت تسرق النظر إليه، لكن ملامحه ظلت لغزاً لا يُسبر غوره.
نهض ليكسيون من مقعده فجأة.
“لنذهب إلى الحديقة. النسيم دافئ هذا اليوم.”
“آه، حسناً.”
لحقت به وهي تتفحص القصر الذي بدا كأنه متاهة لا تنتهي.
‘عليّ أن أطلب من مارثا لاحقاً أن تريني أرجاء القصر.’
فالتجول وحدها دون معرفة المسارات سيعرضها حتماً للضياع.
وبينما هي تسير خلفه، وقعت عيناها على شعره الفضي المتألق تحت أشعة الشمس. شعرت برغبة جامحة في لمس تلك الخصلات.
‘يبدو وكأنه نجم سحري ومغرٍ.’
لقد فُتنت بليكسيون حين كان مجرد كلمات في كتاب، فكيف وقد صار حقيقة أمام عينيها؟
‘فقط قليلاً… سألمس أطرافه فحسب.’
وانقياذاً لهذا الإغراء الفطري، مدّت يدها، لكنها—يا للهول—أمسكت بشعره بقوة وبكل ما أوتيت من عزم.
“……”
اشتبكت نظراتهما في الهواء وسط حالة من الذهول.
أفلتت يده بسرعة وتراجعت للخلف وهي ترتعد:
“آه، أنا… أنا آسفة…!”
وبسبب تراجعها المتعجل، خانتها قدماها، واختل توازنها بشدة لتكاد تسقط.
“أنا لا أحب أن يلمس جسدي أحد دون إذن.”
كانت نبرته الممتزجة بالتنهيد تبدو وكأنها لوم، لكن لم يكن لديها وقت لتُبالي بذلك؛ فقد أحاطت ذراع ليكسيون بخصرها مجدداً، ورفعتها بقوة لتستقيم. كان قريباً جداً، لدرجة أنها شعرت بأنفاسه تداعب قمة رأسها.
“لكن، سأسمح لكِ أنتِ.”
جاء صوته هذه المرة هادئاً، على عكس المرة الأولى.
“بما أنكِ ستصبحين زوجتي قريباً، فلا بأس إن لمستكِ أنا أيضاً دون إذن، أليس كذلك؟”
“…!”
ابتلعت ريقها بصعوبة، ودفعت كتفيه بكلتا يديها لتبتعد عنه.
“أنت… قريب جداً.”
في الغرفة كان كالصخر الأصم، لكنه هذه المرة تراجع بسهولة.
“بعد أن تأكدتُ، لم أتمكن من منع يدي من التحرك، لذا عذراً.”
تذكرت أنه قال في الغابة أيضاً إنه “تأكد”. لم تفهم مقصده، فبقيت تنظر إليه بعينين واسعتين بلاهة.
لم يكمل ليكسيون حديثه، بل أمسك بيدها وقادها نحو مظلة بعيدة في الحديقة.
‘ها هو يفعلها مجدداً.’
بينما كانا يسيران، حرك يده ليشابك أصابعه بأصابعها بقوة.
وكأنهما عاشقان مقربان، رغم أنهما لم يلتقيا إلا قبل ساعات قليلة في ظلمة الغابة. لقاء غريب انتهى بزواج سياسي.
ومع ذلك، كان يتصرف وكأنه ظل يبحث عنها منذ أمد بعيد.
التعليقات لهذا الفصل " 3"