يقولون إن الإنسان إذا اشتدّ به الهلع أو تملكه الرعب، عجز حتى عن إطلاق صرخة استغاثة.
وهذا تماماً ما كان حالها في تلك اللحظة.
كان رجلٌ قد ظهر من العدم، يقف شاخصاً نحوها بنظرات باردة ومجردة من المشاعر.
شُلت حركة قلبها، وغدا عقلها كصفحة بيضاء تحت وطأة الخوف.
“أيتها الغريبة، سألتكِ ماذا تفعلين هنا؟”
انطلق صوته الرخيم والثقيل ليخترق مسامعها مرة أخرى، لكنها كانت قد تحجرت كتمثال من رخام، عاجزة عن أي رد فعل.
في قلب تلك الغابة الغنّاء، وتحت ضياء النجوم المتسلل من بين أغصان الشجر، بدا الرجل بارع الجمال؛ خصلات شعره الفضية كأنها نسجت من ممرّ المجرّة، وعيناه الحمراوان اللتان تشبهان الياقوت المتوهج كانتا تنظران بجمود.
ربما لهذا السبب، بدا لها غير واقعي… وكأنه كائن لا ينتمي للبشر.
“ألا تسمعين؟”
أطلق الرجل تنهيدة ثقيلة، فانتفض كتفاها رعباً.
“هيه، أنتِ.”
“……”
“هل فقدت وعيها؟”
كان عليها أن تجيب بالنفي، لكن شفتيها كانتا قد خذلتاها تماما.
“يبدو أن لا فائدة من الحديث.”
رغم أنها كانت تعي كل كلمة يقولها، إلا أن جسدها كان كمخدر لا يستجيب لأي إشارة، يداها، قدماها، وحتى لسانها.
ولم تستعد قدرتها على الحركة إلا حين رفعها الرجل فجأة فوق كتفه كأنها طرد أو متاع.
“تـ… توقف لحظة!”
توقف الرجل عن السير بغتة.
“أنزلني! ماذا تظن نفسك فاعلاً؟”
“……”
“إلى أين تأخذني؟ اتركني فوراً!”
“……”
وعلى عكس الموقف السابق، كان جسد الرجل هو من تجمد هذه المرة. وفي قمة ارتباكها، أخذت تضرب ذراعه الصلبة بقبضتيها بكل قوتها، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة؛ كان وكأنها تضرب صخرة صمّاء.
“أيها الرجل!”
تملكها رعب حقيقي من فكرة اختطافها، فأخذت تركل بقدميها في الهواء، لكنه لم يبدِ أي نية لإنزالها.
“قلت لك اتركني!”
وبينما كانت تهمّ بالإمساك بشعره لانتزاعه:
“يا لكِ من مزعجة.”
“إذن، أنزلني و…!”
“من الأفضل لكِ أن تصمتي قليلاً.”
وقبل أن تواصل مقاومتها الشرسة:
طق—
فرقع الرجل إصبعيه السبابة والإبهام بيده الحرة وهو لا يزال يحملها بالأخرى. في تلك اللحظة، شعرت بغشاوة تغزو عينيها وكأنها تجرعت جرعة منوم قوية.
“ماذا… فعلت…”
“أنا أمقت الضجيج.”
كان ذلك الصوت الخفيض الهادئ هو آخر ما ترجّع في مسامعها قبل أن يغرق عالمها في سواد سحيق.
***
“ساعدوني!”
تردد صدى صرخة يائسة لفتاة صغيرة.
“هل من أحد هناك؟ أرجوكم!”
لكن لم يجبه أحد؛ ظلت الصرخة تائهة بلا صدى.
“إنـ… إنه يحتضر! ساعدونا! آه!”
بدأ صوت الفتاة يخبو ويذبل، لكنها لم تتوقف عن النداء. كان الجو من حولها لاهباً، وشعرت بحرارة تحرق كيانها حتى لم تعد تقوى على الحركة أو الكلام.
“لا… بأس.”
ثم جاء صوت فتى واهن، يخرج بصعوبة بالغة.
“عليكِ… أن تعيشي… أنتِ على الأقل…”
‘من أنت؟ ومن أنا…؟’
“آه…!”
فتحت عينيها فجأة.
لقد أنساها ذلك الكابوس المجهول حتى كيف تتنفس للحظات. اعتدلت في جلستها ببطء، لتكتشف أن جسدها غارق في عرق بارد.
“ما هذا الحلم؟”
بينما كانت تمسح جبينها بظهر يدها، تجمدت مكانها ورفعت رأسها شاعرة بشيء غريب.
لم تكن مستلقية في تلك الغرفة الرثة بقصر الماركيز؛ بل كانت في مكان واسع ودافئ بشكل لا يوصف. كان الأثاث يتنفس فخامة، والفراش وثيرًا يفوح بعطر ذكي.
‘أين أنا؟’
تملكتها رهبة من فكرة أنها قد تجسدت في عالم جديد مرة أخرى، فأخذت تتحسس جسدها، لكن خصلات شعرها الخضراء كانت كما هي. غير أنها لاحظت تبدل ثيابها؛ لم تكن ترتدي ملابس الخدم المهترئة التي هربت بها، بل كانت ترتدي قميص نوم حريري بلمس ناعم لم تعهد مثله قط.
“ما الذي يحدث…”
غادرت السرير واتجهت نحو الشرفة. كان النسيم المتسلل من الفتحة الصغيرة بارداً لكنه كان منعشاً لجسدها المحموم. وما إن فتحت الباب وخرجت حتى تسمرت في مكانها من هول المشهد.
“… يا إلهي.”
خلف الأفق البعيد، كانت تلوح جبال تكسوها الثلوج، بينما كانت الحديقة الممتدة أمام ناظريها تفوح بعبير الربيع وتتفتح فيها أزهار زاهية الألوان.
كيف يمكن للشتاء والربيع أن يتعايشا في بقعة واحدة؟ مشت نحو السياج بذهول، وكأن سحراً ما يجذبها.
خطوة أخرى…
فقط خطوة واحدة…
“كفى.”
تردد ذلك الصوت الرخيم المحبب للأذن بجانب مسامعها، وفي اللحظة ذاتها، شعرت بذراع قوية تلتف حول خصرها النحيل.
انتفضت ونظرت للأسفل، وبمجرد رؤية تلك الذراع المألوفة، عادت إليها ذكريات الليلة الماضية.
“أجل… بينما كنت أهرب، قابلت ذلك الرجل الغامض والمرعب… ثم…..”
ثم غلبها النعاس فجأة وفقدت وعيها.
حاولت الالتفاف بسرعة، لكنها كانت سجينة بين ذراعيه.
“هل كنتِ تنوين القفز؟”
عقد الرجل حاجبيه بضيق. أرادت أن تخبره أنه سوء فهم، لكن الكلمات تلاشت حين نظرت إلى وجهه.
‘أكان وسيماً إلى هذه الدرجة؟’
وجه منحوت كأنه قطعة فنية تخطف الأنفاس، وكتفان عريضان تبرز من تحتهما عضلات قوية رغم الثياب، وصوت عميق كأنه آتٍ من كهف سحيق.
“لا… ليس كذلك.”
“إذن، ماذا كنتِ تفعلين؟”
“كنت أستكشف المكان… فهي المرة الأولى لي هنا.”
استجمعت شتات نفسها وحاولت دفعه من كتفه، لكنه لم يتراجع، وكأنه يتعمد إبقاءها قريبة منه. احمرّ وجهها خجلاً وأكملت:
“أريد أن أعرف… لماذا أنا هنا؟”
“لأنني أحضرتكِ.”
“… ولماذا فعلت ذلك؟”
“تتساءلين لماذا؟”
بينما كان يتحدث، أمسك بمعصمها الذي كان يدفعه وأنزله، لكنه لم يتركها، بل شبك أصابعه بأصابعها بقوة. اضطربت نظراتها الذهبية ولم تعرف أين تولي بوجهها.
“لأنكِ عروسي.”
ألقى بتلك الإجابة الصاعقة وكأنها أمر مفروغ منه.
“ماذا…”
خرجت منها ضحكة قصيرة من هول المفاجأة.
“أنا؟”
“نعم.”
“لابد أنك واهم، هذا مستحيل.”
انفرجت شفتاه الحمراوان بلون عينيه لتنطق بوضوح:
“روزيليا لوفينيس.”
نطق اسمها بمنتهى الثبات:
“أنتِ هي عروسي.”
خارت قوى ذراعيها، وأخذت ترمش بذهول وقد نسيت حتى أن تتنفس. كان فارق الطول بينهما كبيراً، لدرجة أنها اضطرت لرفع رأسها بشكل مجهد، فما كان منه إلا أن وضع يده خلف رأسها بلطف ليسندها.
“لذا أحضرتكِ إلى هنا.”
“… كأنني بضاعة مختطفة؟”
“فقط لأنكِ كنتِ تثيرين الكثير من الجلبة.”
أجاب ببرود وهو يهز كتفيه:
“لقد أخبرتكِ سابقاً…”
“أنك لا تحب الضجيج.”
“آه، أتذكرين؟”
لأول مرة، بدت ملامحه الجامدة تلين قليلاً، وانحنت زوايا عينيه في شبه ابتسامة بدت وكأنها تحمل طيفاً من السرور، قبل أن تعود لبرودها المعتاد.
‘وكيف لي أن أنسى ما حدث بالأمس…’
لكن لم يكن ذلك هو المهم الآن.
“من أنت؟”
فتحت عينيها الزرقاوين بذهول وحاولت التحرك، لكن ذراعه الصلبة كانت تحاصرها كالسجن. بدا أن ارتباكها يسلّيه، فابتسم بطرف شفاهه ومرر يده ببطء فوق شعرها.
هب نسيم من الحديقة ليدور حولهما، فاستنشقت رائحة منعشة غير متوقعة تنبعث منه، رغم أنها ظنت أن رائحته ستكون حادة كالمسك.
“يبدو أن الماركيز كان لئيماً ولم يخبركِ بشيء.”
“……”
“اسمي ليكسيون. ليكسيون تريستان.”
“……”
فتحت فمها وكأنها تريد قول شيء ما، لكن الكلمات تكسرت في حلقها ولم تخرج.
“سيد الشمال الشاسع…..”
تحسست أصابعه الباردة وجهها برقة مخيفة:
“ومن سيصبح زوجكِ عما قريب.”
لمعت عيناه بنظرة خطيرة تشبه نظرة مفترس يراقب فريسته، ثم تلاشت.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"