1
“أيتها الصغيرة، عليكِ بالزواج.”
رفعت رأسها بعد أن كانت مستسلمة كدمية قُطعت حبالها؛ كان شعرها الأخضر النضير قد ذبل لونه، وعيناها الذهبيتان اللتان رصعتهما الحياة يومًا، غدتا الآن بئرًا من الفراغ.
نظر إليها الماركيز وهي جثّة هامدة تسكنها الروح، ثم أطلق زفرة ازدراء قوية بطرف لسانه:
“مخلوقة عديمة الفائدة، لا نفع يُرجى منكِ أبدًا”.
تلك الكلمات السامة نفذت إلى عينيها الغائمتين، فاستعادت بصيصًا من الإدراك وأخذت ترمش ببطء.
‘ماذا دهاه… عما يتحدث هذا الرجل؟’
بينما كانت تصارع لفهم الموقف، عقد الماركيز ذو الملامح الجهمة مابين حاجبيه بحدة.
“لقد تفضّل سيادته وقرر القدوم إلى هنا بنفسه.”
“……”
“سيزورنا غدًا، فكوني على أهبة الاستعداد.”
ألقى الماركيز أوامره بنبرة جليدية، ولا يزال يرمقها بنظراته القاسية والمخيفة.
“أجيبي!”
“……”
“ألا تجيدين الرد؟!”
وعندما ارتفع صوته بالصياح، أمالت رأسها بخفة، وكأنها كانت غارقة في لُجّة أفكارها.
“زواج؟”
كان صوتها مشحونًا بقوة لم يعهدها الماركيز من قبل، لكنه لم يلحظ ذلك.
“أتجرئين على مراجعة كلماتي؟ يبدو أنكِ قد تجاوزتِ حدودكِ وفقدتِ صوابكِ.”
“أعني… زواج؟ أنا؟”
هذه المرة، أمالت رأسها للجهة الأخرى متسائلة.
“ولكن قبل ذلك، أنت…”
انقطعت كلماتها حين رأت نظراته التي تهاجمها كعاصفة ضارية، فآثرت الصمت.
“ليكن هذا في علمكِ، ولا تفتحي فمكِ بكلمة أخرى!”
“يا لكِ من وضيعة”. بادرها بتلك الكلمات المهينة دون مواربة، ثم أشار بيده في الهواء آمراً إياها بالانصراف. لقد كان رجلًا مفتقراً للأدب من أخمص قدميه حتى هامة رأسه.
كتمت تنهيدة كانت توشك على الإفلات منها، واكتفت بإيماءة مهذبة قبل أن تخرج. وما إن صُفق الباب خلفها حتى أطلقت زفرة محبوسة.
“آه…..”
داهمها صداع مفاجئ، وفي اللحظة ذاتها، شعرت وكأن العالم قد أظلم في عينيها؛ فقد أدركت للتو حقيقة أنها قد تجسدت في عالم آخر.
***
أخذت تذرع الغرفة جيئة وذهاباً كنحلة تدور حول نفسها.
“زواج مفاجئ؟”
وقعت عيناها فجأة على غرفتها المتهالكة التي تشبه المستودع؛ كانت غرفة رثة للغاية بالنسبة لابنة نبيل. توقفت عن السير وجلست على السرير المتداعي وهي تتنهد بعمق، وزاد منظر الغرفة البائس من تعقيد أفكارها.
“يا للهول…”
لقد كانت يتيمة كافحت في حياتها السابقة أكثر من أي شخص آخر. وفي اللحظة التي قُبلت فيها في أفضل جامعة وكانت على وشك بدء أيامها السعيدة، صدمتها سيارة لاذ صاحبها بالفرار، فماتت.
ظنت أنها النهاية، لكن يا للعجب! لقد أصبحت شخصًا آخر.
لقد صارت ابنة الخادمة التي وردت في رواية الرومانسية المأساوية، تلك التي كانت تعتني بطفولة الشرير في الرواية.
لقد كانت معجبة بشخصية ذلك الشرير، وبحبه العذري المخلص الذي جعله لا يتمنى سوى امرأة واحدة حتى أنفاسه الأخيرة، فكانت تلك المشاعر الجياشة هي ما أسرت قلبها، وجعلتها تذكر كل تفصيلة تتعلق به.
‘لكن، أن ينتهي بي المطاف كابنة الخادمة التي ربته؟’
لم يكن لديها وقت للندب والشكوى من حظها العاثر، فالمصيبة تلاحقها الآن؛ إذ وجدت نفسها فجأة مجبرة على الزواج من شخص غريب.
“أهذا يُعقل؟”
بما أنها قرأت الرواية مرارًا لهيامها بالشرير، كانت تعرف الأحداث جيدًا، لكنها لم تذكر أبدًا ما آلت إليه الأمور مع هذه الشخصية الهامشية.
‘لا أفهم لماذا أنا في قصر الماركيز، ولا لماذا يطلب الماركيز من ابنة خادمة أن تتزوج.’
لكن لا وقت للذهول من كونها مجرد شخصية جانبية؛ الحل هو الهرب. نهضت واقتربت من الباب الخشبي، وأرهفت السمع، فجاءها صوت من الخارج.
“هل سمعتِ؟ عن الآنسة؟”
“نعم، يجب أن تعتبره شرفًا لها.”
“بالفعل، يتيمة منبوذة حصلت على عائلة، وأصبحت ابنة ماركيز، وزوجاً مناسباً فوق ذلك. حقًا إن قلب الماركيز واسع جدًا.”
فتحت الباب قليلًا، فرأت من خلال الشق خادمين قويي البنية يقفان أمام غرفتها، وكأنهما يحرسان سجنًا. أغلقت الباب بحذر، وألصقت جسدها به لتكمل التنصت.
“لكن يبدو أن الماركيز كان غاضبًا جدًا قبل قليل.”
“لماذا؟”
“الآنسة التي كانت دائمًا صامتة كالبكماء، يبدو أنها وقفت في وجهه اليوم لأول مرة.”
كانوا يتحدثون بصوت عالٍ وكأنهم يتعمدون إسماعها. استندت برأسها على الباب ونظرت إلى السقف المهترئ وهي تُعمل فكرها.
‘لقد بدأت أفهم الأمر.’
هي التي تعرفها كانت ابنة خادمة من عامة الشعب، ويبدو أنها لسبب ما أصبحت ابنة الماركيز بالتبني.
‘وبالطبع، لم تكن تُعامل معاملة حسنة.’
لم يكن يهمها السبب الذي جعلها ابنة الماركيز، المهم هو أنها إذا بقيت هنا، فسينتهي بها المطاف زوجة لرجل غريب كما توقعت؛ وهذا يعني أن الماركيز سيجني ربحًا من وراء بيعها.
“لن أسمح بأن يتم بيعي.”
فتشت الغرفة بدقة، لم تجد في الأرجاء سوى عقد صغير من اللؤلؤ الأسود في درج التسريحة المهمل في الزاوية. بدا العقد ثمينًا وقد يجلب لها بعض المال، فوضعته حول عنقها وأخفته تحت ثيابها.
بعد ذلك، اتجهت نحو النافذة؛ ولحسن حظها، فُتحت بسهولة. أطلت برأسها لتجد أن الارتفاع ليس شاهقًا.
“على الأقل لم يحبسوني في مكان مرتفع.”
كانت في الطابق الثاني تقريبًا. نظرت إلى الأغطية وقررت الانتظار حتى المساء.
كانت تدرك أنها لا تملكُ فلسًا واحدًا ولا مأوى تلجأ إليه، وأن الهرب دون خطة هو انتحار، لكن:
‘بكل الأحوال، لن أتزوج كبضاعة مباعة.’
بما أن الماركيز يعاملها كحطام لا قيمة له، فمن المستحيل أن يزوجها لشخص جيد؛ لابد أنه رجل متزوج سابقًا، أو عجوز طاعن في السن… كان الأمر واضحًا كالشمس.
الهرب والتسول أفضل من ذلك المصير؛ فقد نشأت وحيدة في حياتها السابقة، وطلب المساعدة ليس بالأمر الغريب عليها.
مر الوقت في صمت حتى طرقت خادمة الباب معلنة عن وجبة عشاء بائسة.
‘حقًا، يا له من تقدير متدنٍ.’
شعرت بالشفقة عليها؛ كيف عاشت في هذا المكان تحت هذا الظل الباهت من المهانة؟
لحسن الحظ، رغم بؤس الطعام إلا أنه كان دافئًا.
‘أفضل من طعام دار الأيتام على أي حال.’
أنهت طبق السلطة والخبز والحساء وقطعة اللحم الصغيرة تمامًا. وبعد أن سدت رمقها، عادت لتسترق السمع؛ كان الهدوء يسود المكان، لكن الحراس لا يزالون في مواقعهم.
‘الحراسة في الممرات مشددة.’
لكن حين نظرت من النافذة، لم تجد أحدًا.
‘ربما لم يتوقعوا أبدًا أن تجرؤ ابنة الماركيز الهزيلة والضعيفة على القفز من النافذة؟’
أمسكت بالأغطية وهي ترسم الخطة في ذهنها بدقة.
‘لا يمكن أن يفشل هذا.’
بدأت عملها السري بمنتهى الهدوء، ربطت طرف الغطاء بإحكام في السرير.
“مستقبلي سيتولى حل العواقب لاحقًا.”
تمتمت بذلك وهي تبدل ثيابها، ارتدت ملابس الخادمات الرثة التي كانت ملقاة في الخزانة، ولفّت حولها عباءة خضراء قديمة، ثم أمسكت بالغطاء، وفتحت النافذة وتسللت منها بخفة.
‘من الجيد أن جسدي نحيل.’
بينما كانت تنزلق للأسفل، لم تغفل عن مراقبة المحيط؛ كانت غرفتها تطل مباشرة على غابة كثيفة، بدا من الصعب العثور على امرأة تختبئ فيها حتى في وضح النهار.
لهذا قررت الهروب، وكانت واثقة من النجاح؛ فلطالما تسللت من دار الأيتام ليلًا في الماضي. ارتسمت ابتسامة على ثغرها حين وطأت قدماها الأرض، فانحنت بسرعة؛ فالاكتشاف الآن يعني النهاية. زحفت بحذر نحو الغابة.
‘قصر ماركيز بحراسة مهلهلة كهذه؟’
يبدو أنهم استهانوا بها لدرجة لم يتخيلوا معها أنها قد تفعل شيئًا كهذا.
سارت في أعماق الغابة لوقت طويل، ولم تكن تملك ساعة لتعرف كم مضى من الوقت.
“آه…”
عندما وصلت إلى قلب الغابة، انتصبت واقفة؛ كان جسدها يؤلمها من الزحف، وعرق التوتر يبلل ظهرها. تمددت لتستعيد نشاطها وهي تتفحص المكان مرة أخرى، وبدا أن لا أحد يلاحقها.
انفجرت زفرة ارتياح من صدرها، وخارت قواها فجلست على الأرض.
“الآن… إلى أين أذهب؟”
كان الظلام الدامس يلف المكان، مما جعلها تتردد في المضي قدمًا. كانت تخشى الظلام بشكل خاص؛ ليس فوبيا بالمعنى الحرفي، لكنه كان يثير في نفسها رعبًا غريبًا.
“سأتحرك بنشاط… حين يحل الصباح.”
ابتسمت بقلة حيلة وجلست مستندة إلى جذع شجرة قريبة، وراحت ترقب النجوم المتلألئة في السماء.
وفي تلك اللحظة، خيّم عليها ظل مفاجئ.
“…!”
لم يكن هناك أحد، ولم تسمع أي وقع للأقدام، فمن أين أتى؟
“ماذا تفعلين هنا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 1"