.:
الفصل 145
بسبب الضجّة الهائلة التي أثيرت، وصل الخبر حتى قرية لوكلير بسرعةٍ مذهلة.
“يقولون إنّ المحاكمة ستُعقد قريبًا.”
“مثل هذا الوغد يستحقّ الموت ولو ألف مرّة. كيف يجرؤ على مسّ رنايا وليليا؟”
“لو وقع في يدي، لأريه الأمرّين!”
كلّما سمع سكّان قرية لوكلير اسم ليبيد، صرّوا على أسنانهم غيظًا.
كانت ليليا مختبئةً خلف شجرةٍ قريبة، تستمع سرًّا للحديث، ثم غادرت المكان بوجهٍ غارقٍ في التفكير.
جلست على الكرسيّ الهزّاز في الحديقة، تهزّ ساقيها.
لاحظ الحرّاس نظراتها الشاردة، فتبادلوا النظرات متعجّبين، إلى أن قالت:
“أيّها الأعمام، ليليا تريد أن تبقى وحدها قليلاً.”
“لدينا أوامر صارمة من السيد روتشستر بعدم ترك الآنسة ليليا وحيدةً مهما حدث.”
“الشرّير تمّ القبض عليه الآن، أليس الأمر آمنًا؟ ليليا كبرت وأصبح لديها وقتٌ تريد فيه أن تكون وحدها!”
ثماني سنوات… هل تُعتبر سنّ الكبر؟
تبادل الحرّاس النظرات.
أحد الحرّاس، وهو الأب الوحيد بينهم، أدرك فجأةً الأمر بوجهٍ عليل:
البلوغ. هل بدأ البلوغ يطرق باب آنستنا مبكّرًا إلى هذا الحدّ؟
“حسنًا، يا آنسة. إذا احتجتِ شيئًا، نادي بصوتٍ عالٍ.”
“ماذا؟ ماذا تنوي أن…”
“اخرس واتبعني. لا نُغضب الآنسة.”
لحسن الحظّ، كان هناك حارسٌ ذكيّ، فحصلت ليليا على لحظةٍ من الخصوصية بسهولة.
لم تكن تجهل قلقهم، لكنّها بخير حقًّا.
لأنّ هناك عمًّا آخر غير حرّاسها يحميها دائمًا.
بعد تفكيرٍ طويل، فتحت ليليا فمها:
“يا عمّ، لا أحد هنا الآن، يمكنك الخروج.”
مع كلامها، خرج كاين من خلف الشجرة القريبة.
كان متعجّبًا من أنّ الطفلة اكتشفت وجوده.
“…كيف عرفتِ أنّني هنا؟ حتى الحرّاس لم يلاحظوا.”
“شعرتُ بك فقط.”
“منذ متى؟”
“منذ البداية. أنت دائمًا حول ليليا ولا تذهب بعيدًا.”
منذ عودتهم سالمين إلى قرية لوكلير، شعرت ليليا فورًا بوجود كاين قربها.
لكنّها لم تستطع استدعاءه أو طرده، لأنّ أفكارها لم تكن مرتبة بعد.
حتى الآن لا يزال قلبها متردّدًا.
لكنّ الهروب فقط لا يليق بطفلةٍ في الثامنة من عمرها.
“…لماذا؟”
“ماذا؟”
“ألم تقلي إنّك لن تريني مجدّدًا أبدًا؟”
“تذكّرت كلام ليليا، يا عمّ.”
لم يجرؤ كاين على الاقتراب، وهو يتلصّص بنظراته عليها.
لو عرف أنّها تشعر به جيّدًا، لكان راقبها من بعيدٍ أكثر.
نظر إلى عينيها الخضراوين الصافيتين تمامًا، ثم أطرق برأسه.
“ماذا فعلتُ طوال هذا الوقت…”
كره نفسه السابقة التي جرحت أغلى طفلةٍ في العالم.
تخيّل كم يبدو قبيحًا في هاتين العينين النقيّتين.
ركع كاين ببطء.
كمجرمٍ لا يستطيع رفع رأسه، تنهّد بثقلٍ وقال:
“…آسف، يا ليليا.”
يعرف أنّ كلمة “آسف” واحدة لا تشفي جروحها.
حتى لو كفّر مدى الحياة، لن يكفي.
“…آسف.”
لو استيقظتُ مبكّرًا قليلاً…
لو عرفتُ قلبي الحقيقي وكيف أعامل مَن أحبّهم مبكّرًا قليلاً…
لكان كلّ شيء مختلفًا الآن.
“وأمّي؟”
“……”
“هل أنت آسف على أمّي؟”
رفع كاين رأسه عند سؤال ليليا.
ابتسم ابتسامةً مريرةً ووجهه يعاني الألم.
“آسفٌ حتى الموت.”
الآن فقط فهم مشاعر سيلين عندما ألقت بنفسها من الجرف.
“حتى الموت”… كم جرحًا تلقّته منه حتى ضحت بحياتها.
تنهّدت ليليا وهي تراقبه، ثم قامت من الكرسيّ.
اقتربت من كاين، وعانقته بذراعيها القصيرتين بقوّة.
“ما هذا…”
تجمّد جسد كاين من فعل ليليا المفاجئ.
“الحقيقة أنّ ليليا لا تزال تكرهك حتى الآن. لقد فعلت أشياء شرّيرة كثيرة جدًّا.”
“……”
“لكن… سأغفر لك قليلاً جدُا.”
“……ماذا؟”
توقّف نفس كاين للحظة.
الغفران.
كلمةٌ ظنّ أنّه لن يسمعها مدى الحياة.
شعر بعمقٍ أنّه جاء بعيدًا جدًّا عن استحقاق الغفران.
“قرأتُ في كتابٍ أنّه لكي تصبحي أميرة، يجب أن تملكي قلبًا يغفر لمَن يعترف بخطئه.”
“…وما الفائدة لكِ إن غفرتِ لي؟”
“لأنّني سأصبح أميرة؟”
“……”
“ولأنّك ساعدت ليليا أيضًا.”
حتى لو كانت صغيرة، إلّا أنّها تعرف.
تعرف كم يحتاج الشخص شجاعةً كبيرةً ليقفز في النار لينقذ آخر.
شعور الامتنان لأنّه قفز دون تردّد من أجل طلبها الوحيد وأنقذ أمّها، استقرّ في قلبها.
“شكرًا لأنك أنقذت أمّي.”
لم يستطع كاين مواجهة ليليا، فشدّ قبضتيه بقوّة.
“أنا… لا أستحقّ الغفران.”
“مَن قال إنّ ليليا غفرت لك كلّ شيء؟ الآن الكره أكبر مهما غفرتُ.”
“……”
“لذا، لا تجرح ليليا بعد الآن. إن فعلت، سألغي الغفران.”
أخيرًا تدفّقت الدموع من عيني كاين.
عضّ شفته السفلى ليكتم البكاء، ثم عانق الطفلة بحذر.
هذه الطفلة الصغيرة منحته فرصة.
فرصةً للغفران.
بهذا فقط، اختفى الظلام الذي كان يأكله.
تساقط ضوء الشمس الذهبيّ على قلبه كسماءٍ صافية.
“آه، لماذا يبكي العمّ هكذا؟ لا خيار أمام ليليا الكبيرة سوى مواساته.”
ظلّت يدٌ صغيرةٌ تربّت على ظهر كاين حتى توقّف بكاؤه.
* * *
فيما بعد، عُقدت في العاصمة محاكمةٌ لتحديد عقوبة المجرم ليبيد روتشستر.
من خلال هذه المحاكمة، كُشفت الحقيقة وراء موت الكونت والكونتيسة روتشستر الظالم.
كانت الأدلّة عبارةً عن وثائق ورسائل احتفظ بها اللورد غريويل سابقًا، بالإضافة إلى شهادة كاين.
كما كُشفت جرائم منجم تحت الأرض التي كانت تؤرّق الإمبراطور، واختلاس الأموال غير القانونيّة بأنواعها، فلم يستطع ليبيد الهروب من العقاب.
“لقد أغرق المجرم ليبيد روتشستر إمبراطورية أرجير في الفوضى، وارتكب أعمالاً شرّيرةً لا تُحصى.
لهذه الجرائم، نُصادر لقبه وكلّ أملاكه، ونُسقط عنه صفة مواطن الإمبراطورية.”
إسقاط صفة المواطن يعني أنّ الإمبراطورية لن تعامله كإنسانٍ بعد الآن.
بالنسبة لليبيد الذي لم ينحنِ بكبريائه حتى اللحظة الأخيرة، كانت هذه العقوبة أقسى من الإعدام بكثير.
“لا… مستحيل… لا، لا… لا…”
لم يتقبّل ليبيد الواقع، فتمتم بجنون.
جرّه الحرّاس خارج قاعة المحكمة.
نظر هيرديان بهدوء إلى تخبّط ليبيد اليائس.
انتهت أخيرًا المعركة الطويلة التي بدت وكأنّها لن تنتهي.
رغم أنّه كان يتمنّى هذا اليوم، إلّا أنّه لم يشعر بفرحٍ كبير…
ربّما لأنّ الطريق إلى هذه اللحظة استغرق وقتًا طويلاً جدًّا.
شعورٌ بالارتياح، وفي الوقت نفسه فراغٌ هائل.
كشف حقيقة موت والديه أمرٌ مفرح، لكنّ الموتى لن يعودوا مهما حدث.
“أبي، أمّي…”
فقط… أتمنّى أن يكون والداه الراحلان يشاهدان هذا المشهد الآن، ويرتاحان.
“الآن سنصدر الحكم على المجرم كاين روتشستر.”
كاين، الذي هو من دم ليبيد وشاركه الكثير من الجرائم، لم ينجُ من العقاب أيضًا.
لكنّه، على عكس والده، قبل جرائمه بهدوءٍ تامّ.
“نُصادر على المجرم كاين روتشستر كلّ مناصبه وأملاكه، ونأمره بخدمة الإمبراطورية كفارسٍ من الدرجة الدنيا لمدّة عشرين عامًا.”
أي: لا مجال لإهدار مهارته في السيف، فليخدم الإمبراطورية نصف عمره.
عشرون عامًا دون مغادرة فرقة الفرسان، ودون ترقية.
رغم أنّها عقوبةٌ تحولّه إلى أداةٍ للإمبراطورية، لم يشتكِ كاين أبدًا.
بل شعر بالامتنان لأنّه سيتمكّن من التكفير عن ذنوبه.
“أتقبّل أمر جلالة الإمبراطور.”
بهذا انتهت محاكمة عائلة روتشستر بالكامل.
غادر المجرمون القاعة، وبقي الإمبراطور سيدريك ووزراؤه وهيرديان فقط.
“يبدو أنّ عقوبة المجرمين لم تُرضِ السيد روتشستر.”
“كلّا، جلالة الإمبراطور منح عقوبةً كافية.”
“حقًّا؟ لقد كشفتَ أدلّة المجرمين وحميتَ الإمبراطورية، فيجب أن تُكافأ مكافأةً تليق بذلك.
ماذا تريد، يا روتشستر؟”
لأوّل مرّة منذ دخوله القاعة، لمع ضوءٌ في عيني هيرديان.
ماذا أريد؟
قبل لقاء رنايا، كنت أتمنّى الموت… وفي الوقت نفسه لا أتمنّاه.
مهما أردتُ الموت، لم أكن لأموت بسهولةٍ كما يشتهي عدوّي.
بعد ذلك، احتجتُ القوّة لحماية مَن أحبّهم، ثم للانتقام.
“ما أريده الآن…”
ارتفع طرف فمه ابتسامةً خفيفة.
تذكّر الشخص الثمين الذي ينتظره في قرية لوكلير.
“لديّ طلبٌ واحد.”
* * *
رمى الفرسان ليبيد، الذي بالكاد يتحرّك، في وسط الشارع.
لم يمدّ أحدٌ يد العون لمن يزحف على الأرض غير قادرٍ على المشي.
“ها هو! ذاك الوغد الذي يستحقّ الضرب حتى الموت!”
“هذا أسوأ من وحش! كيف يقتل عائلته؟!”
تطايرت حجرٌ لا تُحصى نحو ليبيد.
“لماذا يغضبون منّي؟”
لم يرتكب أيّ خطأٍ بحقّهم. لم يقتل عائلاتهم.
ليس هم فقط، بل لم يخطئ بحقّ أحدٍ في العالم.
في عالمٍ يعيش فيه الأقوى فقط، هل السعي وراء القوّة جريمة؟
كلّ البشر يريدون السلطة والثروة والشرف والمنصب.
هو فقط أراد ما يريده الجميع.
غيظٌ وغبنٌ جعلاه عاجزًا عن غلق عينيه.
“كيف تجرؤون…!”
في اللحظة التي حاول فيها ليبيد رفع جسده من الغضب…
أصاب حجرٌ طائر رأسه بدقّة.
تدحرجت عيناه الغائمتان إلى الخلف، وانخفض رأسه مجدّدًا إلى الأرض.
التعليقات لهذا الفصل " 145"