.:
الفصل 128
استيقظت سيلين عندما بدأت الشمس الغاربة ترسم خطوطًا برتقاليةً على جدران الغرفة.
كانت قد نامت بعد تناول دواء الغداء، وما زالت تُعيد قوّتها قطرةً قطرة، كأنّ الجسد يستعيد الحياة ببطءٍ مؤلم.
“الليل أتى بالفعل…”
ما إن فتحت عينيها حتى شعرت بحركةٍ خفيفةٍ خارج الباب.
طق طق.
سمعت طرقًا خفيفًا، فابتسمت سيلين ابتسامةً صغيرةً وهي ترفع جسدها المنهك.
دائمًا ما كانت رنايا تأتي في مواعيد ثابتة: الصباح، الظهيرة، المساء.
والآن هو وقت المساء تمامًا، لذا لا بدّ أن تكون هي.
“ادخلي فقط، لا داعي للطرق.”
صرير…
لكن الباب، لكن الذي دخل لم تكن رنايا.
صندوق تفّاح على الرأس.
فستان أصفر صغير رقيق، وجسمٌ صغير كالدمية.
لم تستطع سيلين إخفاء ذهولها وهي تنظر إلى الطفلة أمامها.
“…مَنْ أنتِ؟”
هل طفلة من القرية تمزح؟
كانت تفكّر هكذا، حتى أجابت الصغيرة وهي تضغط صندوق التفاح على رأسها أكثر:
“أنا… أنا جنّية التفّاح…”
صوتها…
كيف تنساه؟
الصوت الذي كان يناديها “أمّي” بكلّ حبّ العالم.
حتى لو مرّت سنتان، عشر سنوات، أو عمرٌ كامل… لن تنساه أبدًا.
عضّت سيلين شفتها من الداخل حتى شعرت بطعم الدم، وأمسكت الغطاء بقوّة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها.
كادت تندفع وتحتضنها، لكنّها تمالكت نفسها بصعوبةٍ بالغة.
“ليليا…”
نظرت إليها أكثر.
كان في صندوق التفاح ثقبان صغيران للعينين والفم، لكنّهما ضيّقان جدًّا، لا تكاد ترى من خلالهما.
“ماذا تريد جنّية التفاح منّي؟”
“أ… أنا…”
سيلين لا ترى، لكنّ ليليا كانت تغرق في عرقٍ بارد.
جمعت كلّ شجاعتها لتأتي لرؤية “أمّها الأولى”، لكن ما إن وقفت أمامها حتى تحول عقلها إلى صفحةٍ بيضاء.
“انتبهي، أيتها الغبية، أنتِ الآن جنّية التفاح، ولستِ ليليا!”
جنّية التفاح لا تخاف ولا تحزن.
يكفي أن تبتسم وتتكلّم.
كرّرت هذا في رأسها، لكنّ قلبها كان يخفق بجنون لمجرد أنّها أمام الشخص الذي اشتاقت إليه.
لم تعد جنّية التفاح، بل ليليا فيليت.
“لماذا نحلتِ هكذا…”
رأت وجه سيلين الهزيل جدًّا، فعضّت شفتها بقوّة.
“…لديّ كلام أريد قوله. كلام… يجب أن أقوله الآن.”
تمنّت أن لا يرتجف صوتها هكذا.
“الحقيقة… جنّية التفاح كانت دائمًا بجانبكِ. لكنّها خجولة جدًّا، فكانت تختبئ…”
لم يكن هذا كذبًا كاملاً.
حتى لو كان الجسد بعيدًا، فالقلب كان معها دائمًا.
خلال السنتين الماضيتين، كانت تكرهها وتشتاق إليها بنفس القوّة.
المهم أنّها كانت تفكّر فيها… دائمًا، دائمًا.
“جنّية التفاح ستظلّ بجانبكِ من الآن فصاعدًا… ستحميكِ… لذا…”
كان من الصعب إكمال جملةٍ واحدة.
كلّما ارتفع صوت المشاعر كموجة، كادت تبكي في أي لحظة.
تنفّست بعمق حتى ارتجفت كتفاها، ثم قالت بصوتٍ مرتجف مستعيرةً دور جنّية التفاح:
“لا تمرضي… لا تتأذي…”
اختلطت رؤيتها بالدموع.
حاولت كبحها بشدّة، لكنّ الدموع سالت على خدّيها.
“ولا تموتي… أرجوكِ…”
منذ أن عرفت سيلين أنّ الطفلة أمامها هي ليليا، وهي تحبس أنفاسها دون أن تشعر.
رأت قطرات الدموع تسقط من تحت صندوق التفاح.
أغمضت عينيها بقوّة، ثم زفرت.
نزلت من السرير ببطء، وركعت أمام ليليا، وأمسكت يديها الصغيرتين برفق.
كانت يدا الطفلة ترتجفان بشدّة.
“أنا…”
انقطع صوتها.
“…هل يمكنني رؤية وجه جنّية التفاح؟”
كانت يداها دافئتين.
انشغلت ليليا بعينيها الذهبيتين الحنونتين، ثم هزّت رأسها بسرعة.
“لا، وجهي قبيح جدًّا!”
“لا بأس.”
“قبيح جدًّا جدًّا! هو الأقبح في العالم كلّه. من الأفضل ألّا تري.”
كان هناك سبب لارتداء ليليا صندوق التفاح.
خافت أنّ سيلين إذا رأت وجهها، ستتذكّر الأب البيولوجي الذي تكرهه.
كرهت ليليا هذا، لكنّها اضطرّت للاعتراف: وجهها يشبه والدها قليلاً.
“لديّ ابنة ثمينة جدًّا…”
“……”
“لكنّي أمّ سيّئة، فلم أستطع البقاء بجانبها وهي تكبر.”
“……”
“أعرف أنّني وقحة ومتأخّرة جدًّا… لكن أريد أن أرى كم كبرت ابنتي عن قرب. ولا يوجد مَن أطلب منه هذا سواكِ، يا جنّية التفاح.”
حتى لو لم ترَ وجهها خلف الصندوق، عرفت سيلين تعبير ليليا تمامًا.
تلك العيون التي تتقلب يمينًا ويسارًا وهي تفكّر.
“ماذا أفعل…”
أدركت ليليا أنّ تمثيلها المثالي قد انكشف.
لكن كشف الهويّة شيء، وخلع الصندوق شيء آخر.
‘سيخيب أملها بالتأكيد عندما ترى وجهي الذي يشبه ذلك الرجل…’
فجأة، تذكّرت كلام رنايا أمّها قبل قليل:
“لن يحدث ما تخافين منه، ليليا. أمّكِ ستفرح بكِ. أنا أشجّعكِ.”
توقّف الارتجاف.
هدأ القلب الذي كان يدق كالمجنون.
ما أروع الأمر.
مهما كان الوضع مخيفًا، ما إن تتذكّر أمّها رنايا حتى تستمدّ القوّة.
تشعر أنّ لا شيء يخيفها، وأنّها تستطيع فعل أيّ شيء.
جمعت ليليا كلّ شجاعتها، وخلعت صندوق التفاح بتردّد.
ظهر شعرها البلاتيني الذي كأنّه سيذوب في ضوء الغروب، ووجهها الصغير المبلّل بالدموع.
عيناها الأرجوانيتان احتوتا سيلين كلّها.
“……”
رفعت سيلين يدها المرتجفة، ولمست وجه ليليا كأنّها تلامس كنزًا هشًّا.
“كبرتِ كثيرًا… حقًّا…”
من بعيد كانت تبدو كبيرة، لكن من قريب… كبرت كثيرًا أكثر… خلال سنتين فقط.
أصبحت ملامحها أوضح، عيناها أكثر حدّةً قليلاً، وخدّاها الممتلئان نحلا قليلاً.
مرّرت سيلين يدها من جبينها إلى أسفل ببطء.
الجبين المستدير، الحاجبان الناعمان، جفناها اللذان يحتويان جوهرتين أرجوانيتين، الأنف الصغير، الخدّان الناعمان، الشفتان كالتفّاحة.
ثم همست سيلين بصوتٍ مختنق:
“يا صغيرتي…”
شهقت ليليا.
“أمّي… آسفة…”
“……”
“في ذلك اليوم… آسفة لأنّي تركتكِ… آسفة لأنّي جرحتكِ…”
“هِق…!”
اندفعت ليليا في حضن سيلين وهي تبكي بصوتٍ مسموع.
شعرت كم أصبحت سيلين نحيلةً، نحيلةً جدًّا.
سالت دموعها بلا توقّف، ولم تستطع حتى مسحها.
“لِمَ… لِمَ تركتِني، هِق… قلتِ إنّكِ ستعودين بسرعة… قلتِ إنّكِ ستعيشين معي إلى الأبد…”
أمسكت ليليا بثوب سيلين وصرخت بكلّ ما كتمته في قلبها:
“كنتُ أشتاق إليكِ… هِق… أما أنتِ… ألم تشتاقي إليّ ولو مرّة؟”
ضمّتها سيلين بكلّ قوّتها.
بعد مغادرة قرية لوكلير، حاولت عمدًا ألّا تفكّر بليليا.
لكن السماء، الأرض، الزهور، الأشجار… كلّ شيء كان يذكّرها بها، فكادت تموت من الألم.
كم كنتُ غبيّةً تلك الأيام…
“…كنتُ أشتاق إليكِ.”
كان حلقها مسدودًا، فاحتاجت وقتًا طويلاً لتتكلّم.
“لم يمرّ يومٌ واحد… دون أن أشتاق إليكِ، يا ليليا.”
* * *
“الآن… هل يتحدّثان معًا جيّدًا؟”
كانت رنايا تمشي في ممرّ بعيد قليلاً عن مكان سيلين، وتتحدّث بهمس.
كانت تخاطب هيرديان الذي يتبعها بهدوء من الخلف.
“كلتاهما تبكيان كثيرًا، فإن بكيا فقط دون كلام، ستكون مشكلة كبيرة.”
كان عقل رنايا ممتلئًا بالقلق على الاثنتين اللتين تعيشان لحظة لقاءٍ مؤثّرة الآن.
لذلك لم تلاحظ.
لم تلاحظ كم كان قلب هيرديان الذي يمشي خلفها متآكلاً، متفسّخًا، يحترّس بالألم.
عندما لم تعد تسمع خطواته، توقّفت رنايا واستدارت.
“هير؟”
كان يُخفض رأسه، فلم ترَ وجهه.
شعرت بشيءٍ مختلف عن المعتاد، فاقتربت، لكنّه فاجأها بسؤالٍ غريب:
“بالنسبة لكِ… مَنْ أكون أنا؟”
تذكّرت رنايا نفس السؤال منذ سنتين.
حينها لم تكن تعرف هويّته، فاعتبرته صديقًا غريبًا له ظروف لا يستطيع البوح بها.
لكن الآن مختلف.
“بالطبع… أنت شخص ثمين جدًّا.”
لم يكن في صوتها أي تردّد.
نظرت إليه بعينين مندهشتين، ثم مدّت يدها نحوه دون تفكير.
في تلك اللحظة، أمسك هيرديان يدها ورفع رأسه.
التقت عيناها بعينيه الزرقاوين… فارتجفت رنايا.
كان غاضبًا.
نادرًا ما يغضب هيرديان، لكنّه الآن غاضب حقًّا.
“تكذبين بسهولة، أليس كذلك؟”
“كذب؟—”
“لو كنتُ ثمينًا حقًّا… ما كنتِ لتقفزي من الجرف أمام عينيّ بهذه البساطة.”
التعليقات لهذا الفصل " 128"