.:
الفصل 124
لَحُسْنِ الحَظِّ، كانَتِ الأدويةُ التي صَنَعَتْها رنايا مُجدِيةً مع سيلين.
وبَدأتِ الحَيَاةُ تَعودُ شيئًا فشيئًا إلى وجهِها الشاحِب، كما تَأكَّدَت رنايا مِن هُبوطِ حَرارَتِها، فتنفَّسَت بارتياحٍ كبير.
لعلّها كانت مُتوتِّرةً بلا وعيٍ منها خوفًا مِن ألّا تُجديَ الأدويةُ نفعًا، إذْ سالَ عَرَقٌ باردٌ على جَبينِها.
ولمّا مَسَحَتْ عَرَقَها بظَهرِ كَفِّها وخرجت إلى الخارِج، كانَ المطرُ لا يزالُ يَهطِل.
ودَوّى صوتُ الرعدِ بينَ الحينِ والآخر، فخَطَرَ ببالِها على الفَور لِيليّا اللطيفة.
‘يا لَلمُصيبَة، إنَّ لِيليّا تَخافُ مِن الرعدِ والبرق.’
كانَ عليها أن تَتمنّى أن يكونَ هيرديان يُهَدِّئُها جيدًا.
ولَمْ يَكُنْ قلقها هيِّنًا أبدًا.
كانَ يجبُ أن تَعودَ إلى أُسرتِها العزيزة في أسرعِ وقت، لكنَّ المطرَ لم يَكُنْ يَبدو مُستعدًّا لِلتوقُّف.
“……هَذا العَيْن…… هَلْ تَراهَا جيدًا؟”
“قُلتُ لَك…… لو رَأيتَها…….”
في تلك اللحظة، شَقَّتِ الأصواتُ خُيوطَ المطر.
فالتَفَتَت رنايا إلى مصدرِ الصَّوت وهي مُستَغْرِبَة.
كانَ عِدَّةُ أشخاصٍ يَهْمِسون تحتَ سَقيفةٍ قريبة.
وما إنْ تَقَاطَعَتْ أعيُنُهم مع عَينَيها حتى زادوا هَمسًا بنحوٍ أوضَح، وكأنَّهم يقولون: “إنّنا نَتحدَّثُ عَنكِ.”
‘ما الأمر؟ هل لم يَرَوا غريبًا مِن قبل؟’
لكنَّها كانت قد التقتُ منذ قليلٍ بالوافدِ الأجنبيِّ الجديد.
بل إنَّ نِصفَ أهل القرية ذوي هيئةٍ غريبةٍ أصلًا.
ولأنَّ رنايا قد عاشت طوالَ حياتِها في قريةٍ ريفيّةٍ مُنغلقة، وتعرَّضَت في صِغرِها للتنمُّر بِحُجَّة أنّها “غريبة”، فَلَمْ تُصَبْ بأذًى مِن تَصرُّفاتِهم هذه.
ولمّا هَمَّت بالدخولِ إلى المنزلِ ثانيةً بهدوء، اقتربت مِنها امرأةٌ في منتصفِ العُمر كانت مألوفةً بعض الشيء.
“كيفَ حالُ رفيقتِكِ التي كانت في الداخل؟”
“لقد خَفضت حَرارتُها وأصبَحَت أفضل بكثير.
وأظُنُّ أنّها ستَستفيق خلالَ أيّام.
شكرًا لكم على سَماحِكم لي باستخدامِ الأعشاب.”
وانحنت رنايا بعمقٍ وهي تُعطي شُكرَها.
كانت الأعشابُ التي استعملَتْها لسيلين باهظةً للغاية، ومع ذلك أعطاها أهلُ القرية مجّانًا، قائلين إنَّه لا يُقاسُ ثَمنُ ما ينقِذُ حياةَ إنسان.
“لا شُكرَ على واجب. الحمدُ للَّه أنّها بخير.”
ابتسمَتِ المرأةُ ابتسامةً دافئةً، حتى إنّ رنايا شكَّت في أنّ أهلَ القرية كانوا يَخشَونَ الغرباء.
لم يَبدُ أنّها تُعامِلها بارتِياب، فزادَ تَعجُّبُها مِن أولئكَ الذين ما زالوا يُحَدِّقون فيها ويَهْمِسون.
“آه، بالمُناسَبَة، قالَ العمدةُ إنّه يُريدُ رؤيتَك ما دُمتِ قد أفقتِ. هَلْ يُناسِبُك الآن؟”
“بالطبع.”
“اصعدي هذا الطريق وستَرينَ منزِلًا بسقفٍ أخضر.
الجوُّ ماطر، فخُذي هذه المظلَّة. أمّا رفيقتُكِ فسأُراقِبُها أنا.”
ومدَّت لها المرأةُ المظلَّةَ التي كانت تَستَعملُها.
فشكَرَتْها رنايا مرّةً أخرى، وأخذَتِ المظلَّة وصَعِدَت الطريق.
وخلال الطريقِ إلى منزلِ العمدة، كانَتِ الرّيحُ والمطرُ يَشتدّان.
وكانَ صوتُ الأمواجِ وهي تَرتطِمُ بالصخور يُشبهُ الرعد.
ولمّا نَظَرَتْ إلى الوراءِ، بانَت لها القريةُ كلّها.
كانَ البحرُ الواسعُ والفنارُ الكبيرُ مُختلفَين تمامًا عن أيِّ منظرٍ رأته مِن قبل.
‘……لا يُمكِن…… هل أنا على جزيرة؟’
ولمّا لم تَرَ طريقًا يَصلُ إلى اليابسة، ازدادَ يقينُها.
وسُرعان ما عَثَرَت على المنزلِ ذي السقفِ الأخضر.
وعندما طَرَقَت البَاب، دارَ المقبضُ ببطء.
وظهرت امرأةٌ مُسنَّة ذات ملامحَ غريبة، وشَعرٍ أشيب.
“تشرفتُ بلقائِك، سيّدتي العمدة. أنا رنايا فيليت. شكرًا لإنقاذِكِ لي ولرفيقتي.”
“أنتِ هي تلكَ التي قيلَ إنّها أفاقَت. ادخلي.”
تكلَّمَتِ العجوزُ بلُغةِ الإمبراطوريّة بطلاقة، وهو ما أراحَ رنايا كثيرًا لِمعاناتِها مِن لغاتِ البلاد الأُخرى.
“هلْ تناولتِ طعامًا؟”
“……آه، لا. لا شهيّة لي…….”
“سأُعِدُّ شيئًا بسيطًا، فهَلُمّي.”
“سأُساعِدُكِ.”
“لا داعي.”
وابتسمَت أولما برِقّة واتّجهت إلى المطبخ.
كانت رنايا تنوي فقط تبادُل التحيةِ والمغادرة، لكنّ الأمورَ جَرَّتها إلى تناولِ العشاء.
وعندما سَخُنَت فطيرةُ التفّاح أمامَها، ابتلعَت ريقَها.
ولوهلةٍ شَعرت أنّ كلامَها السابق عن عدمِ الشهيّة كان مجرّد كذبة.
“تفضّلي.”
وأدخلَت رنايا الفطيرةَ إلى فَمِها بشهيةٍ كأنّها لم تكن نائمةً أسبوعًا كاملًا.
وبَعد أن انتهى الطعامُ سريعًا، قدّم لها الشاي.
وتناولتْه رنايا بسهولةٍ جعلَتها تَشعرُ بالحرج بعض الشيء.
‘هلْ يُعقَل أنّي أتناولُ الطعامَ مِن شخصٍ لا أعرفُه هكذا؟’
كانتِ الفكرةُ تُزعِجُ عقلَها، لكنَّ قلبَها كانَ هادئًا على نحوٍ غريب.
ولم تَبْدُ العمدة وكأنّها تُريدُ الحديثَ أصلًا، إذْ اكتفَت بإعدادِ الطعام.
فاضطرّت رنايا إلى فتحِ الحديث أخيرًا.
“لو سَمَحتِ…… هَلْ هذهِ الأرضُ تابعةٌ للإمبراطوريّة؟”
“بالطبع. هذهِ الإمبراطوريّة.
إنّما هي جزيرةٌ مُنعزلة في الجنوب، ولهذا يَجهلُ الكثيرون بوجودِها.”
“الجنوب؟”
وأدرَكَت رنايا كم جُرِفَت بعيدًا.
لكنَّ الابتسامةَ ارتسمت على شَفَتَيها لكونِها في ذاتِ المنطقةِ التي يقعُ فيها مَوطِنُها لوكلير.
‘هلْ يكونون بخير؟’
ربّما يَتذمَّرون بسبب الطقس السيّئ.
وفيما كانت ترفعُ فنجانَها وهي تُفكِّرُ في أحبّائها، شَعَرَت فجأةً بنظرةٍ مُثبَّتة عليها.
فرفعت رأسَها بارتباك.
كانت أولما تُحدِّق فيها بابتسامةٍ لطيفة، تمامًا كتلكَ التي رأتها مِن بقيةِ القرويّين.
“هلْ هناكَ شيءٌ على وجهي؟”
ومسحَت خدَّها بيدِها، لكن لم يَخرُج شيء.
“لا، فقط كأنّ وجهَكِ مألوفٌ لي. آسفةٌ إنْ أزعجتُكِ.”
“وجهٌ مألوف؟”
“نادرًا ما نُقابِلُ أشخاصًا هنا.
لذلك لا نَنسى الوجوهَ بسهولة…… والغريبُ أنّ وجهَكِ يُشبِه أحدَهم.”
تحدَّثت أولما بنبرةٍ حائرة.
وأدركَت رنايا في تلكَ اللحظة سببَ هَمساتِ أهلِ القرية: لقد ظنّوا أنّها تُشبِه شخصًا يعرفونَه.
‘لكن وجهي عاديٌّ جدًّا. لا شيء يجعلُه بارزًا.’
إلّا أنّها كانت مُنشغلةً بأمورٍ أهمّ مِن أن تُفكِّر في ذلك.
وما زالت عينُها تتوجَّه بلا وعي إلى النافذة.
فالمطرُ لا يزالُ يَنهمر، ولا يمكنُ إرسالُ أيِّ رسالةٍ إلى هيرديان ولِيليّا.
وبينما كانت غارقةً في التفكير، ألقت أولما سؤالًا لم يَخطُر لها أبدًا.
“ألا يُشَبِّهكِ الناسُ بوالدِكِ عادة؟”
“……ماذا؟”
وفي تلك اللحظة، ارتفعت موجةٌ سوداء عالية، كأنّها تُجسِّدُ اضطرابَها الداخلي.
—
في إحدى الغُرف القريبة مِن الساحل.
كانت الألواحُ تُغَطّي النوافذ، والكرسيُّ مُحطَّم، والفوضى تعُمُّ المكان.
وكانَ كاين مُتهالكًا على الأريكة، يُفرِغُ كأسًا بعد كأس.
ومنذُ ذلك اليومِ الذي قفزَت فيه سيلين، لم يَعُد إلى العاصمة، بل لاذَ بالفيلا، مُدمنًا على الشراب.
فهو لا يَستطيعُ الاحتمالَ بغيرِ ذلك.
‘أينَ كانَ الخطأ؟’
لعلّه كان ينبغي أن يُحضِّرَ قُيودًا أمتن.
أو أن يُضاعِف عددَ الحُرّاس.
أو ألّا يَحبِسَها مِن البداية.
لم يَعُد يَعرِفُ ما هو القرارُ الصائب.
فكلُّ ما يملأُ عقلَه هو مشهدُ سيلين وهي تقفز.
‘……قالت إنّها لا تُحِبُّني.’
هذا مُستحيل.
رفضَ كاين تصديقَ ذلك.
فقد احمرّ وجهُها منذ لقائهما الأول، وكانت في زواجهما خاضعةً وتتشبّثُ بحبّه.
كيف يُمكن ألّا تُحِبَّه؟
ضحكَ ساخرًا وهو يرفعُ الكأس ثانيةً.
لكنّ أحدَ مساعديه دخَل فجأة.
وركَلت قدمُه زجاجةَ الخمر الفارغة.
“يا سيّدي الصغير، لقد وُجِدَتْ جثّةُ امرأةٍ شابّةٍ في الجوار. وقد توجّه اللورد روتشستر بالفعل إلى هناك…….”
جثّةُ امرأةٍ شابّة. ما إنْ سمع تلك الكلمات حتى نهض كايم قبل أن يُكمِل مساعده الحديث.
وحين وصل إلى المكان الذي تلقّى عنه البلاغ، كان هيرديان قد وصل قبله وكان يجمع الجثّة.
“……!”
دفع كاين فرسان هيرديان الذين حاولوا منعه، ثمّ أكّد بعينين مُغَيَّبتين بآثار السُّكْر جثّةَ المرأة الشابّة.
الجثّة لم تكن لسيلين.
لم يكن يريد أن تموت سيلين لتعود إليه. ولكن مرور أكثر من أسبوع دون العثور ولو على أثرٍ صغير لها جعله يشعر بأنّه مستعدٌّ لأيّ نتيجة.
أكان ذلك بسبب الصدمة من فقدان سيلين أمام عينيه؟أم أنّ دماغه لم يكن يستعيد وعيه بسبب السُّكْر؟
أياً يكن السبب، فقد انتهى الأمر بكاين إلى أن يُفكِّر بأمرٍ كهذا.
“أأنتَ الذي يُخفي سيلين عنّي عمدًا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 124"