.:
الفصل 120
‘اليوم شعرتُ بشعورٍ سيء جدًّا. فـ اليوم فعلاً قد كان فظيعًا.’
لم تستطع ليليا التركيز في الدروس، فظلّت طوال الصّباح تُسنِد ذقنها وتنظر من النافذة فقط. صوت الأستاذ لم يكن يدخل أذنيها أبدًا.
“ليليا، ماذا تفعلين؟ حان وقت الدرس التالي.”
“آه… شكرًا.”
استفاقت ليليا متأخّرةً وجمعت كتبها.
نظرت صديقة الصّف إلى ليليا التي تبدو كأنّ نصف روحها قد فُقد، بدهشةٍ وسألت فجأةً:
“ليليا، هل تعلمين أيّ يومٍ اليوم؟”
“أيّ يوم؟”
“اليوم عيد ميلاد صاحب السّمو الأمير الرّابع! الآن في القصر الإمبراطوريّ يقيمون حفلةً ضخمة بالتأكيد. قال والداي إنّهما سيحضران.”
‘آه، ذلك الوغد…’
منذ زمنٍ طويل، رسخ في ذهن ليليا أنّ سييل هو ذلك الوغد البارد الذي يحتقر الآخرين بوجهه المتجهّم.
‘لم أخطئ بشيءٍ أبدًا، ومع ذلك أجبرني على الاعتذار.’
كان من نفس النّوع المقزّز مثل روتن الذي ضربته ضرباً مبرحاً. لم تعد ليليا تريد أن تتورّط مع الأمير مجدّدًا أبدًا.
“آه، أنا حسودة. لو لم أكن في الأكاديميّة، لكنتُ حضرتُ حفلة عيد ميلاد صاحب السّمو.”
“لو ذهبتِ إلى مثل هذا المكان، لن يكون ممتعًا أبدًا.”
“مستحيل. في القصر الإمبراطوريّ هناك طعامٌ لذيذ كثير، والأهمّ أنّه قد تحضين بـ رقصةً مع الأمير. حلمي أن أرقص معه ولو مرّةً واحدة.”
“……”
رسمت ليليا على وجهها تعبير اشمئزازٍ واضح.
رقصةٌ مع ذلك الأمير الجاحد لن تكون ممتعةً أبدًا.
بينما كانت تُهمِل كلام صديقتها التي تثرثر بجانبها،
توقّفت ليليا فجأةً وفتحت فمها:
“انتظري، قلتِ إنّ والديكِ سيحضران؟”
“نعم، بالضبّط. قال والداي إنّ كلّ ذوي المراتب العالية سيحضرون.”
“إذًا عمّي وأمّي سيذهبان أيضًا؟”
“عمّك؟”
عندما يُقال لليليا «شخصٌ ذو مرتية عالية»، فالوجه الذي يخطر على بالها فورًا هو العمّ هيرديان.
في قصص الأطفال، عندما تُقام حفلةٌ كبيرة، يحضر الأمير والأميرة معًا دائمًا.
لذلك، إذا ذهب العمّ، فمن الطبيعيّ أن تذهب أمّي معه.
‘هل أذهب أنا أيضًا…؟’
بصراحة، لم يكن الدافع هو رغبتها في الحفلة، بل اشتياقها لأمّها أكبر بكثير.
علاوةً على ذلك، في هذه الحالة لن يبقى شيءٌ في رأسها حتّى لو استمرت في الدروس.
أنهت ليليا دروس الصّباح بطريقةٍ فاترة، وما إن حان وقت الغداء حتّى اتّجهت مباشرةً إلى حديقة المدرسة.
اقتربت من زاويةٍ منعزلةٍ تبدو خاليةً تمامًا،
ثمّ نادت بصوتٍ عالٍ جدًّا فرسان الحراسة:
“أيّها الأعمامَ! اخرجوا بسرعة!”
فجأةً، ظهر أربعة فرسان من خلف الجدار ومن وراء شجرةٍ كبيرة.
كانوا بارعين في إخفاء وجودهم، لكن ليليا كانت دائمًا تجدهم فورًا.
“يا آنسة ليليا، كيف تعرفين مكاننا دائمًا؟”
“لأنكم واضحون جدًّا.”
لم يكونوا واضحين أبدًا.
في الواقع، لا طالب ولا أستاذ غير ليليا كان يلاحظ وجودهم.
:مواهبٌ تضاهي السّير روتشستر.’
نظر الفرسان إلى ليليا بدهشةٍ كبيرة.
“على كلّ حال، ليليا لديها سؤال. اليوم عيد ميلاد ذلك الوغد… أقصد، صاحب السّمو الأمير الرّابع، صحيح؟”
“نعم.”
“إذًا سيقيمون حفلةً ضخمة؟”
“نعم.”
“هل ذهب العمّ هيرديان وأمّي؟”
توقّف الفارس الذي كان يجيب بسهولة.
بعد صمتٍ قصير، جاء الجواب:
“…اليوم، السّير روتشستر سيحضر حفلة صاحب السّمو الأمير الرّابع. إذا لم يتغيّر الجدول، فهو موجودٌ هناك الآن.”
“وأمّي؟”
“……”
“أمّي لم تذهب معه؟”
هذه المرّة طال صمت الفارس.
بدأت ليليا تعبس تدريجيًّا لأنّ الجواب المنتظر لم يأتِ.
“السيّدة فيليت… أي….”
“آه، كم أنتم بطيئون!”
إمّا ذهبت أو لم تذهب.
أليس كافيًا أن يجيبوا؟
“أمّي لم تذهب معه؟ إذًا فهي في البيت الآن؟”
كانت ليليا تنوي أن تترك المدرسة باكرًا.
ستقول إنّ رأسها يؤلمها وتتوسّد حضن أمّها، عندها قد تشعر بتحسّنٍ قليل.
“أي… هذا…”
“……”
“السيّدة فيليت…”
“لمَ أنتم هكذا اليوم؟ قولوا فقط! هل أمّي ليست في البيت الآن؟”
بالنسبة لفرسانٍ قضوا حياتهم يحملون السّيف بصدق، كان الكذب شيئًا صعبًا جدًّا.
لأنّ التّعاليم تقول إنّ مَنْ يحمل السّيف يجب أن تكون أفكاره وأفعاله مستقيمة.
طال الصّمت، وبدأ الفرسان يتصبّبون عرقًا باردًا بشكلٍ يثير الشّفقة.
لم يستطيعوا الكذب، فقرّروا إغلاق أفواههم تمامًا.
عند رؤية ذلك، لم تستطع ليليا إلّا أن تلاحظ، مهما أرادت التّجاهل.
‘أمّي ليست في البيت الآن؟’
ليست في البيت، ولم تذهب مع العمّ إلى الحفلة، إذًا أين ذهبت أمّي؟
بينما كانت تفكّر، هبطت فجأةً طائرةٌ بيضاء مربوطٌ على ساقها ورقة.
مدّت ليليا ذراعها، فجلست الطّائرة عليها كأنّها كانت تنتظر.
“يا آنسة ليليا، هذا حمامٌ بريديّ نستخدمه في العمل…”
حاول الفارس أن يأخذ الورقة متأخّرًا، لكن ليليا كانت أسرع بكثير.
فتحت الورقة وقرأت المحتوى، فتصلّب فمها تدريجيًّا.
[يبدو أنّ الأمر سيستغرق وقتًا. أرجو أن تُبقي الأمور هادئة حتّى المساء.]
“ما معنى هذا؟”
أظهرت ليليا الورقة وهي تضغط عليهم.
في الحقيقة، كانت تعرف تقريبًا حتّى دون سؤال.
أنّ شيئًا ما يحدث حولها دون علمها.
تذكّرت وجه أمّها رنايا المتوتّر بشكلٍ غريب صباح اليوم.
“أمّي ذهبت لإنقاذ أمّي الأولى، أليس كذلك؟”
“……”
تصبّب الفرسان عرقًا.
“ليليا تريد الذّهاب أيضًا!”
“مستحيل. المكان خطيرٌ جدًّا على الآنسة…”
“أيّها الأعمام.”
خفضت ليليا صوتها.
وضعت يدها على خصرها بوجهٍ جادٍّ فجأةً وقالت:
“ستُعاتبون لاحقًا من العمّ هيرديان، أليس كذلك؟ لأنّ ليليا اكتشفت الأمر، مع أنّه لا يجب أن تعرف.”
تبادلوا الفرسان النّظرات، ثمّ أومأوا.
مجرد تخيّل نظرات هيرديان الباردة وكلماته الحادّة جعل صدورهم ترجف من الآن.
“ليليا ستحميكم.”
“…نعم؟”
“ليليا ستحميكم كي لا يُعاتبكم. لكن بدلاً من ذلك، عليكم أن تأخذوني إلى حيث أمّي.”
“لكن هذا…”
“ليليا دائمًا تُنفّذ ما تقوله.”
إذًا توقّفوا عن الكلام وخذوني بسرعة.
هذا ما أرادت ليليا قوله.
“ليليا لم تعد تريد أن تنتظر فقط.”
لم يكن هناك أيّ تردّد في عينيها البنفسجيّتين.
كان واضحًا أنّ الطّفلة لن تتراجع مهما قيل لها.
هل سيستجيبون لرغبتها، أم يصمدون؟
بعد تفكيرٍ داخليّ، أومأ الفرسان وقرّروا.
طوال الوقت الذي راقبوا فيه الأمّ وابنتها بأمر هيرديان، عرفوا جيّدًا:
هو لن يفوز أبدًا على الأمّ وابنتها.
“حسنًا، يا آنسة. سنتحمّل المسؤوليّة ونرافقكِ.”
من الأفضل للمرؤوس أن يختار الجانب الصّحيح كي يعيش براحةٍ في المستقبل.
* * *
وهكذا، عدنا إلى الوقت الحاضر.
غادرت ليليا العاصمة ووصلت إلى أطراف الإمبراطوريّة.
رغم ركوبها الحصان طويلاً، لم تكن متعبةً أبدًا وكانت مفعمةً بالحيويّة.
“من هنا يجب أن نسير على الأقدام. المكان خطير.”
“حسنًا.”
“يجب أن تظلّي متوتّرةً دائمًا. لا تبتعدي عنّا أبدًا.”
أومأت ليليا.
نزلت من الحصان، وتعمّدت السّير في الطّرق الوعرة التي تمرّ بها الحيوانات فقط.
كي تتمكّن من إخفاء نفسها بسهولة إذا حدث شيء.
كلّما تقدّموا، سمعوا أصواتًا غير صوت العشب وأغصان الأشجار.
استغربت ليليا من صوت الماء العنيف الذي يقترب.
“أيّها الأعمام، ما هذا الصّوت؟”
“صوت الأمواج. هناك بحرٌ قريب.”
“بحر؟”
تذكّرت ليليا أنّها قرأت عن البحر في الكتب.
ماءٌ لا يُرى له نهاية، وإذا أشرقت عليه الشّمس يلمع كجوهرة.
إذا أنقذنا أمّي الأولى بسلام، فمشاهدة البحر ستكون رائعة.
كانت ليليا تعتقد أنّ كلّ شيء سينجح.
رغم أنّ الأمر لم يُحلّ بعد، كانت بالفعل تتخيّل نفسها مع أمّيها أمام البحر.
في تلك اللحظة، شعر الفرسان بأقدامٍ تقترب من بعيد، فكتموا أنفاسهم وأخفوا ليليا في الأعشاب.
“ششش.”
غطّت ليليا فمها بيديها تلقائيًّا، ونظرت من بين الأعشاب لترى مَنْ يقترب.
كلّ توتّرهم ذهب سدى؛ الشّخصان اللّذان ظهرا كانا هيرديان وكاين.
‘…ماذا؟ إنّهما العمّان فقط؟’
كان الرّجلان يركضان على جواديهما بسرعة، ثمّ رفعا رأسيهما فجأةً نحو مكانٍ واحد.
تبعتهما عينا ليليا تلقائيًّا.
توقّف نفسها.
اتّسعت عيناها تدريجيًّا، وأضاءت عيناها البنفسجيّتان.
على قمّة التلّة كان هناك شخصان.
أحدهما أمّها رنايا التي تحبّها،
والآخر أمّها الأولى التي اشتاقت إليها كثيرًا.
‘…أمّي.’
عندما رأت سيلين، انفجرت ليليا بالبكاء.
كانت أنحف بكثير وتبدو مريضةً مقارنةً بما تتذكّره.
لم تكن تنوي لقاءها قبل أن تصبح بالغةً رائعة…
كانت تريد فقط مساعدتها لأنّها سمعت أنّها اختُطفت من شخصٍ سيّء.
لكن عندما رأت وجهها، أرادت فقط أن تعانقها دون تفكير.
في اللحظة التي همّت فيها ليليا بالبكاء والخروج من الأعشاب،
في تلك اللحظة بالذّات،
سيلين التي لم ترَ ليليا بعد،
التفتت بظهرها ووجهها شاحبٌ تمامًا بلا ذرّة دم.
التعليقات لهذا الفصل " 120"