.:
الفصل 118
“جئتُ كلّ هذه المسافة، فماذا تقولين…؟”
عبست رنايا، ثمّ اكتشفت أخيرًا القيد الحديديّ المربوط في كاحل سيلين.
تبعت السّلسلة بعينيها، فوجدتها موثقةً بإحكامٍ في إطار السّرير، ومغلقةً بقفل.
“…ها.”
ضحكت رنايا ضحكةً فارغةً من شدّة الذّهول.
خوفًا من هروب سيلين الوحيدة، لم يكتفِ بإرسال كلّ هؤلاء الرّجال، بل استخدم سلاسل أيضًا؟
هذا ليس طبيعيًّا على الإطلاق.
لم يكن كاين ليتوقّع أبدًا أن يأتي أحدٌ لأخذ سيلين من هنا.
كان الأمر يبدو كيأسٍ مرضيٍّ لا يريد أن يفقدها مرّةً ثانية.
رفعت رنايا، التي كانت واقفةً بلا حراك، كرسيًّا من أمام المزيّنة فجأةً،
وبدأت تضرب السّلسلة به بقوّة.
“الإنسان حيوانٌ إذًا؟!”
مهما كان، لمَ يربطها؟
لو كان فقط يغلق الباب لكان أهون.
الألواح الخشبيّة على النّافذة، الأثاث البرّاق الذي يتناقض مع ظلمة الغرفة، والسّلسلة الباردة.
كلّ ذلك بدا لرنايا غريبًا ومنفّرًا.
“…رنايا.”
ضربت رنايا السّلسلة بالكرسيّ مرّاتٍ عديدة.
احتكّت كفّاها وتألّمتا، لكنّها لم تبالِ.
كان الوضع نفسه هو ما يثير غضبها واشمئزازها.
مهما كان حبّه لسيلين، فهذه الطّريقة خاطئةٌ جدًّا.
“رنايا، توقّفي واهربي بسرعة. إذا جاء ذلك الرّجل ستكونين أنتِ في خطر.”
“لا أريد.”
“شكرًا لأنكِ جئتِ لإنقاذي… لكنّني بخير، فاذهبي…”
“قلتُ لا!”
لو كانت تنوي الهروب من الأساس، لما فكّرت حتّى في القدوم إلى هنا.
رفعت رنايا صوتها وضربت بالكرسيّ بقوّة.
عندما ضربت بالجزء المعدنيّ من ساق الكرسيّ، بدأت السّلسلة التي لم تتحرّك تتشقّق تدريجيًّا.
“ليليا قلقةٌ عليكِ.”
“……”
“كدتُ أمنع طفلةً تريد أن تأتي بنفسها لإنقاذكِ.
فإذا عدتُ خالية الوفاض، كم ستكون خيبتها؟”
كان لا يزال لديها رغبةٌ كبيرةٌ في عدم الانجرار مجدّدًا إلى دوّامة «سيلين غريويل».
لكن عندما تفكّر في ليليا، تضع قدمها في الدّوامة بنفسها.
ازداد شقّ السّلسلة.
جمعت رنايا قوّتها كلّها وضربت الكرسيّ آخر مرّة.
“انقطعي أخيرًا!”
كرررك!
انقطعت السّلسلة أخيرًا.
لم تصدّق سيلين أنّ السّلسلة الصّلبة انقطعت بمجرد كرسيّ.
تشوّه الكرسيّ ولم يتحمّل الصّدمة.
رمته رنايا جانبًا، وأمسكت سيلين بيدها المحمرّة الدامية.
“سنفكّ القيد لاحقًا. الآن هيّا نهرب معًا.”
جرّتها رنايا دون انتظار جواب.
كلّما مرّ الوقت، ازداد الصداع.
كتمت رنايا أنينها وتظاهرت بأنّها بخير.
خرجتا بهدوء من الباب الخلفيّ وركضتا داخل الغابة.
“هناك عربة قريبة. سنركبها ونذهب مباشرةً إلى الميناء القريب.”
“…الميناء؟”
“يجب أن نهرب إلى مكانٍ لا تصل إليه يد ذلك… المجنون السابق.
إذا بقينا في هذا البلد، سيُمسك بكِ مجدّدًا.”
الآن، الخلاص الوحيد لسيلين هو مغادرة البلاد.
على الأقلّ في بلدٍ آخر، لن يستطيع كاين ممارسة نفوذه بهذا الشّكل.
سألت سيلين بحذرٍ وهي تتبعها بأرجلٍ ضعيفة:
“كيف عرفتِ أنّني محبوسةٌ هنا؟”
“زوجكِ الجديد جاء بنفسه وقال لي. اختفت سيلين، ساعديني.”
“……”
“قال إنّه جاء إلى الأكاديميّة ذلك اليوم.”
“……”
“لمَ لم تلقي عليها ولو تحيّة؟”
“كيف لي أن أفعل؟ أنا بلا وجهٍ لأظهر أمامها.”
هزّت سيلين رأسها.
رؤية ليليا من بعيد ذلك اليوم كانت كافيةً لها.
عرفت أنّ أكثر من ذلك طمعٌ، فقمعت قلبها.
بينما كانتا تتقدّمان في الغابة بجنون،
قلّت الأشجار، وظهرت أسفل التلّة صورةٌ مألوفة.
عندما أدركت رنايا صاحب الصّورة، اتّسعت عيناها من الصّدمة.
من بعيد، كان كاين وهيرديان يركبان خيولهما ويقتربان بسرعة.
“…لماذا؟”
أشخاصٌ يفترض أن يكونوا في حفلة العاصمة، لمَ هم هنا؟
على عكس رنايا المذهولة، شعرت سيلين أنّ دمها كلّه تجمّد.
اختفى الدّفء الذي كان يملأ صدرها قبل لحظاتٍ بلا أثر.
* * *
نعود بالزّمن قليلاً، إلى قاعة الحفل في العاصمة.
تجمّع العديد من النّبلاء حول الأمير الرّابع، سييل أرجير.
ومن بينهم، بالطّبع، كان ليبيد روتشستر.
كان كاين يظهر بوضوحٍ أنّه لا يريد الحضور، لكنّه كان مضطرًّا للبقاء.
عندما بلغ الحفل ذروته،
اقترب الأمير الثّاني ألبيرون، الذي كان يتبادل الحديث التّافه مع النّبلاء، من هيرديان المنعزل بابتسامةٍ ودودة.
“هيرديان، مرّ وقتٌ طويل منذ رأيتك آخر مرّة.”
“ليس طويلاً إلى هذا الحدّ، أليس كذلك؟ نلتقي كثيرًا.”
“أقصد أنّه من النّادر رؤيتك في مكانٍ مريحٍ كهذا، لا في الجلسات الرّسميّة.”
مكانٌ تتبعه فيه عشرات أو مئات النّظرات مع كلّ حركةٍ مريح؟
لم يجب هيرديان، واكتفى بهزّ كأس النّبيذ قليلاً.
نظر إليه ألبيرون بأسفٍ وتابع:
“في يومٍ جميلٍ كهذا، أين خطيبتكِ المحبوبة وجئتَ وحدك؟
كنتُ أظنّ أنّني سأراها أخيرًا اليوم.”
“خطيبتي مشغولة.”
“ههه، هل هناك مَنْ أكثر انشغالاً من هيرديان روتشستر هذه الأيّام؟”
ضيّق ألبيرون عينيه.
كان يعرف تقريبًا ما يفعله هيرديان عادةً.
على السّطح: إدارة إقليم فيرماوين الشّماليّ، ومهام فرقة الفرسان الإمبراطوريّة.
وفي الدّاخل: حربٌ عائليّةٌ مستعرة.
“إذًا ما الذي تخطّط له اليوم حتّى عيناكَ شريرتان هكذا؟”
“…ليس الأمر كذلك بشكلٍ خاص.”
“كذب. عيناك تقولان إنّك تريد قتل أحد.”
يبدو عادةً بلا تفكير، لكنّ ألبيرون كان سريع البديهة بشكلٍ مفاجئ.
تجولت عينا هيرديان مصادفةً نحو الأمير الرّابع سييل.
كان سييل يبتسم، لكنّه يبدي انزعاجًا خفيفًا وهو يتعامل مع ليبيد.
“يبدو أنّك تحبّ الأمير الرّابع كثيرًا.”
إذا رجعنا لتاريخ الإمبراطوريّة، فالأمراء نادرًا ما كانوا يتفقون.
عادةً يشهرون السّيف على بعضهم من أجل العرش.
لكن ألبيرون كان يحبّ أخاه الصّغير بشكلٍ خاصّ.
يهتمّ به دائمًا، ويحضر حفلة ميلاده ليبارك له بصدق.
“نعم، أنه ولدٌ ذكيّ، ويطيعني دائمًا وهو يناديني «أخي».”
امتلأت عينا ألبيرون بحبّ أخيه.
في تلك اللحظة، شعر سييل بالنّظرة واقترب منهما.
“أخي، عمّا تتحدّثان؟”
“كنا نتحدّث عنك. آه، هذا…”
“أقدّم تحيّتي لصاحب السّمو الأمير الرّابع. هيرديان روتشستر.”
“…إذًا أنتَ السّير روتشستر.”
تصلّب فم سييل قليلاً.
لاحظ هيرديان هذا التّغيير الصّغير وضحك بخفّة.
“ابنتي مدينةٌ لكم من المرّة السّابقة.”
“ماذا؟ ماذا يعني ذلك؟ هل حدث شيءٌ بينكما دون علمي؟”
عبس ألبيرون متعجّبًا وطلب التّفسير.
“…ليس أمرًا يستحقّ أن يقلق أخي.”
ابتسم سييل بإحراجٍ وتجاهل السّؤال.
لم يرد أن يعلن أنّه تشاجر في الأكاديميّة.
بينما كان هناك توتّرٌ خفيفٌ بين الثّلاثة،
دوّى صوتٌ عالٍ من خارج القاعة: بوم!
ثمّ فُتح الباب.
“صاحب السّمو الأمير الرّابع!”
ظهر الزّوجان فيكونت هيلد بملابسٍ رثّةٍ لا تليق بالحفل، يبحثان عن شخصٍ بعينيهما.
وعندما رأيا سييل، حاولا الاقتراب،
لكن الحرس أمسكا أذرعهما وأجبراهما على الرّكوع.
“قلّة أدب! أتظنّان أنّ هذا مكانٌ يمكنكما فيه…”
“ما هذا الصّخب؟”
تقدّم سييل.
انحنى الحارسان الموبّخان.
عندما أجبر فيكونت هيلد على الرّكوع وأطلق أنينًا،
رأى سييل يقترب منه، ففتح فمه بسرعة:
“صاحب السّمو الأمير الرّابع! أرجوكَ ارحم عائلتنا!”
“هل تعلمان ما فعلتما؟
المشكلة ليست فقط إثارة الفوضى في الحفل، بل يمكن أن نتهمكما بالخيانة العظمى.”
“لا بأس بمعاقبتنا. لكن أرجوكَ، من أجل الرّوابط القديمة، ارحم روتن ولو مرّةً واحدة!”
أجاب سييل مذهولاً:
“روتن عوقب فقط بالحبس المنزليّ شهرًا بسبب ذلك اليوم.
سيعود إلى مكانه بعد انتهاء العقوبة…”
لم يكن سييل يعلم شيئًا.
بعد ذلك اليوم الذي تشاجر فيه مع ليليا في الأكاديميّة،
ما الذي حلّ بعائلة فيكونت هيلد.
في تلك اللحظة، ظهر شخصٌ أمام سييل المذهول.
شخصٌ كان يراقب الوضع حتى الآن،
ومن تسبّب في هلاك عائلة فيكونت هيلد.
“صاحب السّمو الأمير الرّابع، سأتحدّث أنا مع فيكونت هيلد على انفراد.”
وجه كاين عينيه الشّريرتين نحو الزّوجين هيلد.
التعليقات لهذا الفصل " 118"