.:
الفصل 116
ليبيد روتشستر وصل إلى طريقٍ مسدود.
هذا الرّجل الذي قتل أخاه الأكبر ثمّ عاش في انتصاراتٍ متتالية،
أصبح الآن على وشك أن يفقد كلّ شيء لابن أخيه.
كان الخدم يعدّلون ملابسه.
بينما كان بدلة الحفل الأنيقة مثاليّة، كان وجهه مظلمًا فحسب.
‘اللعنة.’
كلّ الأعمال التي بناها انهارت، وتراكمت عليه ديونٌ بالآلاف من الذّهب.
بعد حادثة منجم الأرض السّفليّ، تمّ تطهير العائلات التي كانت تدعمه،
والباقون تحوّلوا منذ زمنٍ إلى جانب هيرديان.
ربّما لأنّ الواقع يخنقه تدريجيًّا،
بدأ ليبيد يرى كوابيس منذ زيارته الأخيرة لقبر أخيه.
كان يحلم أنّ أخاه عاد حيًّا وقطع رقبته.
كلّما استيقظ، كان يغرق في الخمر لينسى ذلك الشّعور المرعب.
“انتهى التّحضير، يا صاحب السّمو.”
نظر ليبيد المنهك إلى انعكاسه في المرآة.
اليوم هو حفل ميلاد الأمير الرّابع.
إذا لم يجد فيه مَنْ يساعده، فمستقبل العائلة سيكون مظلمًا جدًّا.
‘…لن أسمح بذلك.’
ما إن يجد مَنْ يدعمه، سيكون إعادة بناء العائلة أمرًا سهلاً.
صحيح أنّ طموح هيرديان لانتزاع العائلة مزعج، لكنّه لا يزال تحت السّيطرة.
لأنّ ذلك الوغد ليس لديه دليلٌ حاسم يسمح له بانتزاع العائلة.
لقد أتلف كلّ أدلّة قتله لأخيه منذ زمن،
قتل كلّ مَنْ عرف الحقيقة، وحرق كلّ الوثائق.
لذلك، هيرديان لن يستطيع فعل شيء.
‘يجرؤ على معاقبتي بقانون الإمبراطوريّة؟ لا يعرف حدوده.’
خرج ليبيد من القصر بعينين غائمةٍ شريرة.
كان كاين ينتظره خارجًا بعد أن أنهى التّحضيرات، فانحنى قليلاً.
“أين تتجوّل هذه الأيّام؟ يقولون إنّك تخرج كلّما سنحت الفرصة.
ألا تزال تبحث عن تلك المرأة؟”
“مجرد نزهةٍ ليليّة.”
“يا لك من محظوظ.
أنا أبوك أعمل لوحدي من أجل العائلة ولا أرتاح لحظة.”
صعد ليبيد إلى العربة وهو يُصدر صوت استياء.
‘جهدٌ من أجل العائلة…’
سخر كاين داخليًّا.
كان يعلم جيّدًا أنّ والده لا يفعل ذلك من أجل العائلة، بل من أجل سلامته الشّخصيّة فقط.
منذ طفولته، كان والده هكذا: يضع نفسه فوق العائلة دائمًا.
لذلك مرضت أمّه من الهمّ وماتت.
‘ربّما اليوم هو آخر يومٍ أسمعُ فيه له.’
لم يكن لكاين طموحٌ كبيرٌ في عائلة روتشستر.
لقد حصل بالفعل على ما يريده، ولم يعد يهتمّ إلّا بحماية ذلك الشّيء.
كي لا تهرب من جواره مرّةً أخرى أبدًا.
تذكّر سيلين التي تنتظره بهدوء، فصعد إلى العربة خلف والده.
* * *
أُقيمت حفلة ميلاد الأمير الرّابع في النّهار.
وقتٌ مُحدّد مراعاةً للأمير الصّغير.
منذ الظّهر، تجمّع عددٌ هائل من النّاس في قاعة الحفل الإمبراطوريّة.
حفلٌ كبير حضره دبلوماسيّون من دولٍ أخرى ونبلاء بالجملة.
رغم أنّ الأمير الرّابع لديه حقّ وراثة العرش، إلّا أنّه ضعيف مقارنةً بإخوته،
لكنّ سبب تجمّع كلّ هؤلاء النّاس لحفل ميلاده بسيط:
لأنّه الابن المحبوب من الإمبراطور والإمبراطورة.
“سييل، عيد ميلاد سعيد. كبرتَ كثيرًا بالفعل.”
“أنتَ ولدٌ ذكيّ، ساعد إخوتك كثيرًا في المستقبل.”
“نعم، أبي، أمّي.”
كيف يدعم حاكم دولةٍ أميرًا واحدًا بهذا الوضوح؟
ابتلع ليبيد ريقه وهو يرى هذا المشهد.
لو دعمه الأمير الرّابع فقط، لكان طريقه ممهّدًا.
كان قلبه ينبض بسرعةٍ من أجل جذب انتباه الأمير.
عيناه الغائمتان تفيضان بالطّمع بشكلٍ واضح.
رآه هيرديان من بعيد، فابتسم بسخرية.
‘لم يعد يحاول حتّى إخفاءه.’
شعره الذّهبيّ البرّاق، ملامحه الحادّة الواضحة،
ووجهه البارد الخالي من الابتسامة جذب أنظار الجميع في القاعة.
لكن هيرديان لم يهتمّ بالنّظرات الموجّهة إليه،
وكان يرتب في رأسه ما يجب فعله اليوم.
مهمّته بسيطة: إبقاء كاين في هذا المكان فقط.
كي تتمكّن الشّخصيّة الثّمينة من الحركة بحرّية.
‘أتمنّى ألا يحدث شيء.’
الآن، ربّما وصلت رنايا إلى أطراف الإمبراطوريّة لإنقاذ صديقتها.
كان يتمنّى فقط ألا تُصاب بأذى.
صعد الأمير الرّابع إلى المنصّة، ونظر إلى الجميع بهدوء.
رغم صغر سنّه، كان ينبعث منه هيبة الأمير.
لا عجب أن يدلّله الإمبراطور والإمبراطورة هكذا.
“أتقدّم بالشّكر لكلّ مَنْ تجمّع اليوم لتهنئتي…”
‘بالمناسبة، الأمير الرّابع في عمر ليليا… يدرسان في نفس الأكاديميّة.’
الولد الذي كان يومًا ما يتنمّر على ليليا ثمّ انهار أمامها كان أحد أتباع الأمير الرّابع.
تذكّر هيرديان وجه ليليا المكسور يومها، فلم يستطع أن يرى الأمير بعينٍ طيّبة.
دارت في عيني هيرديان طاقةٌ شريرةٌ خفيفة،
فشعر سييل بقشعريرةٍ في ظهره وهو يتكلّم.
“…أنا أقلّ بكثير من إخوتي، لكنّني سأساعدهم وسأعمل جاهدًا لجعل البلاد أفضل…”
ارتجف صوته في النّهاية، واحمرّ وجنتاه من الخجل.
لم يعرف هيرديان إن كان السبب هو نظرته،
فتذكّر ليليا التي تدرس الآن في الأكاديميّة.
كان قلقًا جدًّا علّها لا تدرس جيّدًا وتفكّر فقط في الحيل.
‘لو عرفت أنّني أخفيت عنها، هل ستغضب؟’
أخفى عن ليليا أمر اليوم عمدًا.
الأمر خطيرٌ جدًّا على طفلةٍ أن تتورّط فيه.
ليليا ذكيّة، لذا يجب على الفرسان المرافقين لها أن يتصرّفوا بحذر.
لقد أوصاهم مرارًا ألّا تعرف ليليا أبدًا.
تنهّد هيرديان قليلاً، ثمّ التفت إلى كاين.
كان يقف بلا اهتمام، فالتقت أنظارهما في الهواء.
بدل أن يحيّيه بأدب، لوى هيرديان زاوية فمه بسخرية.
* * *
دُق دُق. كانت العربة تتأرجح بقوّةٍ كلّ مرّة.
نظرت رنايا إلى جيرارد الجالس أمامها.
كان منهكًا كمَنْ على وشك الموت، وعيناه مملوءتان بالقلق على سيلين فقط.
الآن، كانا في طريقهما معًا إلى مكان سيلين.
مكانٌ اكتشفه رجال هيرديان.
‘هذا الرّجل يحبّ سيلين حقًّا.’
بدا مختلفًا عن كلّ الرّجال الذين مروا بحياة سيلين وتجاهلوها.
شعرت أنّه عاملها كجوهرةٍ ثمينة طوال الوقت.
“أمم…”
كسرت رنايا الصّمت بحذر:
“منذ متى تعرف سيلين؟”
“…سنتان وشيء قليل. انتقلت سيلين لوحدها إلى قريتنا، فتعارفنا.”
لم تسأل رنايا يومًا عمّا كانت تفعله سيلين بعد تركها ليليا،
ولا إن كانت تشعر بالذّنب تجاه ليليا.
أرادت رنايا، ولو متأخّرةً، أن تسمع عن حياة سيلين السّابقة.
“هل… كانت سيلين سعيدةً في تلك القرية؟”
اتّسعت عينا جيرارد قليلاً.
توقّعت رنايا إجابةً فوريّة، لكنّه صمت لحظةً، ثمّ نظر إلى الأرض بعينين مليئتين بالذّكريات:
“…لم تبدو سعيدة.”
“……”
“لم تندمج مع السّكّان، وكانت دائمًا وحدها.
كنتُ أراها دائمًا تحدّق في السّماء بوجهٍ حزين.”
ثقلت الأجواء داخل العربة.
كانت رنايا تظنّ أنّ سيلين عاشت سعيدةً بعد مغادرة قرية لوكلير.
تصلّبت ملامحها عند سماع ما لم تتوقّعه.
“إذًا كيف… أصبحتما معًا؟”
“تقصدين كيف فزتُ بقلبها؟”
ابتسم جيرارد ابتسامةً خفيفة:
“كنتُ أتبعها في كلّ مكان.”
“…”
“هل تعلمين؟
سيلين لا تمرّ بجانب زهرةٍ في الطّريق دون أن تلاحظها.
كانت تُعيد زراعة الزّهرة التي كادت تُداس وتسقيها.
عندما عرفتُ أنّها إنسانةٌ كهذه، أردتُ أن أعيش معها طوال حياتي.”
جيرارد الذي كان يبدو ميتًا منذ لحظات،
بدأت الحياة تعود إليه شيئًا فشيئًا مجرّد الحديث عن سيلين.
شعرت رنايا بالدّهشة والرّاحة في آنٍ واحد.
‘لحسن الحظّ.’
قد لا تكون سيلين قد عاشت سعيدةً،
لكنّها عاشت محاطةً بحبٍّ دافئ.
في اللحظة التي بدأت فيها ملامح رنايا المتشنّجة ترتخي،
طرق الفارس الذي يتبع العربة على الحصان النّافذة:
“سيّدة فيليت، من هنا يجب أن نسير على الأقدام.”
أومأت رنايا متوتّرةً، ونزلت من العربة.
سماع صوت الأمواج من خلف الغابة الكثيفة جعلها تتنفّس بعمق.
كان ذلك يعني أنّها وصلت تقريبًا إلى مكان سيلين.
التعليقات لهذا الفصل " 116"