.:
الفصل 114
كم يومٌ مرّ حتّى الآن؟
حدّقت سيلين في النّافذة التي يتسلّل منها الضّوء، محاولةً أن تحسب الأيّام التي حُبست فيها.
إذا عدّت الشّروق والغروب، فقد مضى أسبوعٌ على الأقلّ.
‘جيرارد ينتظر بالتّأكيد…’
أرادت أن ترسل خبرًا إلى الخارج ولو مرّةً واحدة،
لكنّ سيلين كانت محبوسةً في هذه الغرفة الفاخرة، عاجزةً عن فعل أيّ شيء.
الباب ليس موصدًا، لكنّ القيد في كاحلها يمنعها من الاقتراب،
والخدم الذين يحملون الطّعام في كلّ وجبة لا يستجيبون لطلبات المساعدة مهما توسّلت.
كلّ ما تستطيعه سيلين هو أن تجلس في الغرفة كفرخٍ ينتظر أمّه، تقتل الوقت.
‘إلى متى يجب أن أبقى محبوسةً هنا؟’
بعد أن أُمسكت بيد رجال كاين وأُركبت في العربة، ساروا طويلاً جدًّا،
فيبدو أنّ هذا المكان في أطراف الإمبراطوريّة.
الهدوء التّام يعمّ المكان، كأن لا أحد يسكنه،
ما عدا صوت الأمواج الذي يصل أحيانًا عبر النّافذة.
كاين أمر بإحضارها إلى هنا، ثمّ لم يزرها ولو مرّةً واحدة.
لكنّ نظرات الخدم الملتصقة بها تؤكّد أنّ كلّ حركةٍ منها تُنقل إليه بالتّأكيد.
ما ترتديه اليوم، ما تأكله، متى تنام… كلّ شيء.
كان هذا أسوأ بكثير من أيّام طفولتها التي حبست نفسها فيها طوعًا في القصر.
في الأيّام الأولى بعد الخطف، حاولت مقاومةً بسيطة:
رفضت الطّعام، ورمت الأشياء.
لكنّها توقّفت عندما رأت الخدم يرتجفون.
لم يكونوا خائفين منها، بل من أن يُعاتبهم كاين إذا نقل الخبر.
‘لم يتغيّر شيءٌ من الماضي إلى الآن.’
لا يزال مشهدُه وهو يسحق أعناق الخدم كما يسحق الحشرات حيًّا في ذهنها.
لم ترد أن يموت أحدٌ بسببها، فاضطرّت سيلين في النّهاية أن تكون هادئة.
لكن حتّى هذا الهدوء وصل إلى حدّه.
‘ماذا يريد منّي بالضّبط؟’
لم تفهم لمَ يحبسها في مكانٍ نائيّ كهذا ويتركها دون اهتمام.
كلّما فكّرت في نوايا كاين، هزّت رأسها بقوّة، كأنّها لا تريد التّفكير فيه أبدًا.
هل البقاء هكذا دون مقاومة هو الخيار الأفضل حقًّا؟
وبينما كانت تغرق في التّفكير، وصلت سيلين فجأةً إلى نتيجةٍ واحدة.
ربّما… حتّى أمٌّ فاشلةٌ مثلها لا تزال تستطيع فعل شيءٍ من أجل ليليا.
“سيّدتي الصّغيرة، أحضرتُ العشاء والدّواء.”
كأنّ التّوقيت مثاليّ، دخل الخادم.
الطّعام الذي يبدو لذيذًا للآخرين لم يثر في سيلين أيّ شهيّة.
“قلتُ لكَ لا تناديني هكذا.”
من اليوم الأوّل إلى الآن، يناديها الخدم دائمًا «سيّدتي الصّغيرة».
مهما قالت إنّها تكره ذلك، لم يتغيّر شيء.
“نحن نتبع الأوامر فقط.”
سيّدتي الصّغيرة… لقبٌ سمعته لسنةٍ واحدةٍ فقط في حياتها.
ضحكت سيلين بسخرية، ثمّ اقتربت بخطوةٍ واسعة،
ورمت صحن الطّعام الذي أحضره الخادم على الأرض.
طق!
“سيّدتي الصّغيرة! ما الذي تفعلينه فجأة…!”
لا خيار لديها. لا يوجد شيءٌ حادٌّ في هذه الغرفة.
التقطت سيلين شظيّةً من الصّحن المكسور، وضعتها على رقبتها.
خدشت الحافّة الحادّة جلدها، وسال الدّم.
“اطلب منه أن يأتي إلى هنا.”
“…السيّد الصّغير كاين روتشستر مشغولٌ الآن بالعمل…”
“قل له إنّني جننتُ. أنّني أصرخ وأبكي وأضحك. أو أنّني أرفض الطّعام وأثور.
هكذا، سيرغب في رؤيتي ولو مرّةً واحدة، أليس كذلك؟”
* * *
كان الوقت متأخّرًا جدًّا.
جاء كاين أخيرًا، بعد أن لم يظهر له شعرةٌ واحدةٌ طوال الأيّام الماضية.
بدت ملابسه الأنيقة مشعثةً قليلاً، كأنّه جاء مسرعًا.
‘كم كنتُ مجنونةً حتّى يأتي؟’
لم تظنّ سيلين ولو للحظة أنّه جاء قلقًا عليها.
مجرّد وجودهما في غرفةٍ واحدة جعل قلبها ينقبض.
حاولت الحفاظ على هدوئها وافتتحت الكلام:
“يبدو أنّكَ مشغولٌ جدًّا. تحبس شخصًا ولا تأتي لرؤيته حتّى.”
“……”
“لن أطيل. أنا أيضًا لا أريد إضاعة الوقت.”
خرج صوتٌ هادئ. تمنّت ألا يرتجف.
في تلك اللّحظة، رأى كاين الجرح على رقبتها البيضاء النّحيلة، فعبس.
مدّ يده نحو الجرح، وتكلّم بصوتٍ كأنّه يمضغ الكلمات:
“كنتِ تنوين الموت؟”
“……”
“أجبيني. هل كنتِ حقًّا تنوين الموت؟”
“وما شأنكَ أنتَ بذلك؟”
“سيلين.”
“دعنا نتحدّث عن شيءٍ آخر. لمَ حبستني هنا؟”
صدّت سيلين يده ببرود.
الدّفء الذي لامس رقبتها قليلاً كان يومًا ما يُسعدها، أمّا الآن فمقزّزٌ فقط.
فقط بعد أن واجهته وجهًا لوجه، أدركت من جديد:
لم يعد كاين في قلبها أبدًا.
“لمَ حبستني؟”
“لأنّكِ ستعودين للهروب إذا أطلقتُ سراحكِ.”
“……”
جوابٌ سخيف.
تجعّد وجه سيلين اليقظ تدريجيًّا.
أليس من الطّبيعيّ أن تهرب من قاتلٍ متوحّش؟
بينما كانت عاجزةً عن الكلام،
ركع كاين ببطء أمامها.
شخصٌ كان دائمًا ينظر إليها من علوّ، الآن ينظر إليها من أسفل… شعورٌ غريب.
“إذا تأكّدتُ أنّكِ لن تهربي، سأطلقكِ. تحمّلي الضّيق قليلاً. كلّ ما تحتاجينه سيُحضر لكِ.”
“…ها.”
مشهدٌ طالما تمنّته في الماضي البعيد يظهر أمامها الآن.
مشهدُه وهو يتوسّل حبّها كان حلمًا راودها في شبابها.
‘لمَ الآن فقط…؟’
الآن بعد أن أغلقت قلبها تمامًا؟
لو أحبّها آنذاك…
لو لم يعاملها كأداة…
لو كان لطيفًا ولو قليلاً…
لما اضطرّت للهروب من قصر روتشستر.
“نحن لم نعد شيئًا منذ ثماني سنوات. الآن نحن غرباء تمامًا. فلمَ تستمرّ…”
“نحن… لسنا شيئًا؟”
“……”
“لمَ تقرّرين ذلك لوحدكِ؟ أنا لم أفكّر يومًا في إنهاء علاقتنا.”
لمعَت عيناه الحمراوان بشراسة.
كأنّهما تقولان: “هذه المرّة لن تهربي أبدًا.”
اشتدّت قبضة يدها اليمنى التي كانت تخفيها خلف ظهرها.
جرحتها زاوية الزّجاجة، فسال الدّم من كفّها.
لم تشعر بالألم.
فتحت فمها دون أن تلاحظ أنّ الدّم يبلّل ملاءة السّرير:
“تزوّجتُ من جديد.”
“…ماذا؟”
“وعدتُ ذلك الرّجل أن أعيش معه طوال حياتي. فأطلق سراحي الآن.”
هبطت أجواء كاين إلى البرد القارس.
امتلأت عيناه الحمراوان بالغضب.
أمسك كتفيها بقوّة، وتكلّم بصوتٍ منخفضٍ يُرجف الجسد:
“وضعتِ طفلي ثمّ التقتِ برجلٍ آخر.”
“…مَنْ قال ذلك؟ مَنْ قال إنّني ولدتُ طفلكَ؟”
ارتجفت يدها اليمنى من الخوف.
لكنّها رفعت زاوية فمها بالقوّة لتبدو ساخرة:
“ليليا ليست ابنتكَ. إنّها ابنة رجلٍ آخر.”
“رجلٍ آخر؟”
“أنا نفسي لا أعرف مَنْ هو. كان هناك الكثير من الرّجال الذين مروا بي أثناء زواجي منكَ. ربّما كان أحدهم.”
“سيلين.”
“هل فهمتَ الآن؟ لقد ولدتُ طفل رجلٍ آخر، والآن أنا زوجة رجلٍ آخر. لا يمكنني أن أكون من عائلة روتشستر.”
شخصٌ عاديٌّ كان سيستسلم الآن.
لكن هل يمكن تصنيف كاين روتشستر ضمن «النّاس العاديّين»؟
اشتدّت يداه.
تألّمت كتفاها فتجعّدت، ثمّ تجمّد وجهها من الصّدمة عند كلامه التّالي:
“لا يهمّ.”
“……”
“يكفي أن تطلّقي ذلك الرّجل مجدّدًا. حتّى لو لم تكن من دمي، فأنتِ ولدتِها، وسأربّيها وريثةً لعائلة روتشستر.”
لا يوجد أيّ حوار.
حتّى بعد أن اعترفت بخيانةٍ في فترة زواجهما القصيرة، لم يتغيّر رأيه.
كانت سيلين لا تزال تخاف من كاين، لكنّها شعرت بالشّفقة أيضًا.
‘هذا الرّجل لا يزال لا يعرف الحبّ.’
قد يكون قد أحبّها الآن بعد مرور الزّمن،
لكنّ طريقة تعبيره مريضةٌ تمامًا.
هذا ليس حبًّا.
كيف يكون حبًّا أن تحبس الشّخص وتفرض عليه مشاعركَ فقط؟
هل ستترك هذا الرّجل مع ليليا؟
فكّرت أنّ ليليا قد تصبح مثلها في المستقبل، فشحب وجهها.
‘الآن… يجب أن أفعلها.’
للمرّة الأخيرة، طرحت سيلين السّؤال الذي طالما أرادت طرحه على كاين يومًا:
“هل تحبّني؟”
“…أحبّكِ.”
هاهاها.
ضحكت سيلين ضحكةً ضعيفة، ودموعها تنهمر.
انحنت بجذعها، واستندت قليلاً إلى صدر كاين الواسع.
في نفس اللّحظة…
طُعن.
سُمع صوت زجاجةٍ حادّةٍ تخترق اللّحم.
كانت الشّظيّة التي في يدها اليمنى مغروسةً في قلب كاين.
التعليقات لهذا الفصل " 114"