.:
الفصل 112
انتفضت أديلين مفزوعةً ولوّحت بيديها رافضةً:
“لا، لا يا سيّدتي الوالدة! أستطيع فعلها وحدي.”
“أنا قويّةٌ نوعًا ما، وليس لديّ مكانٌ أستخدم فيه قوّتي.”
أجابت رنايا ببساطة وكأنّ الأمر لا يُذكر، ثمّ بدأت بنقل الأغراض.
بما أنّ الطّلاب وأولياء الأمور كُثر، يبدو أنّ معظم الموظّفين مكلّفون بمهام السّلامة.
بينما كانت تُرتّب الأغراض، التفتت رنايا قليلاً.
وقعت عيناها على يد أديلين اليمنى النّحيلة جدًّا.
منذ قليل وهي تستخدم يدها اليسرى فقط، يبدو أنّ اليمنى لا تتحرّك إطلاقًا.
كان ذلك بعد أسبوعٍ تقريبًا من التحاق ليليا بالأكاديميّة.
عادت الطّفلة يومها إلى البيت وقالت فجأةً:
“معلّمتنا تشبه أمّي!”
“حقًّا؟ في أيّ شيء؟”
لكنّها لم تستطع تحديد النّقطة بدقّة.
فكّرت طويلًا ثمّ قالت فقط: “الشّعور؟”
‘لا أعتقد أنّنا متشابهتان كثيرًا…’
مالت رنايا رأسها متعجّبةً قليلاً.
انتهى ترتيب الأغراض أسرع ممّا توقّعت.
كرّرت أديلين الشّكر مرّاتٍ عديدة.
“أنتِ والدة ليليا، أليس كذلك؟ اسمكِ بالتّأكيد…”
“نعم، رنايا فيليت.”
فجأةً، ظهر شرخٌ دقيقٌ على وجه أديلين.
“ما بكِ؟”
“…لم أتوقّع أن أسمع اسمًا عزيزًا فجأةً… اسمٌ جميل.”
تساءلت رنايا لحظةً، ثمّ انحنت بعمق.
كان لديها كلمةٌ أرادت قولها بالتّأكيد إذا صادفت أديلين:
“أستاذة، شكرًا لكِ على اليوم السّابق. كنتُ أريد تحيّتكِ منذ ذلك الحين.”
“هل قدّمتُ لكِ مساعدةً تستحقّ الشّكر؟”
“في ذلك اليوم عندما تشاجرت الأطفال، لم تنحازي لأحد. هذا ما أشكركِ عليه.”
في مجتمعٍ طبقيّ، ليس من السّهل أن تظلّي محايدةً.
بفضل حياد أديلين، استطاعت رنايا أن تقول ما أرادت بصراحة.
“أرجو أن تعتني بليليا في المستقبل أيضًا.”
لم تتلقَّ أديلين، طوال سنوات عملها معلّمةً، تحيّةً مهذّبةً كهذه من وليّ أمر.
معظم الطّلاب من عائلاتٍ نبيلة، فالآباء يعتبرون الانحناء لمعلّمةٍ عاميّةٍ عارًا.
‘هذه المرأة…’
لكن رنايا لا تُفرّق بين النّاس حسب طبقتهم، بل تُعطي قلبها الصّادق كما هو.
كيف نشأت لتكون لديها عينان نقيّتان إلى هذا الحدّ؟
بينما كانت أديلين غارقةً في عيني رنايا الخضراوين، سُمع صوت ليليا اللّطيف من بعيد:
“أمّي!”
كانت ليليا تبحث عن أمّها بحماس.
“ابنتي تناديني، سأذهب الآن. إذا احتجتِ مساعدةً أخرى، ناديني!”
“…نعم، شكرًا لمساعدتكِ يا والدة ليليا.”
هرعت رنايا بعيدًا.
احتفظت أديلين في عينيها بظهر الأمّ التي تتّجه نحو طفلتها، وشعرت بشعورٍ غريب جدًّا.
ربّما لأنّها سمعت اسمًا عزيزًا، فحلقها مسدودٌ منذ قليل.
ابتسمت ابتسامةً مريرة، ثمّ استدارت.
* * *
وصل اليوم الرّياضيّ إلى ذروته.
ما إن ظهرت رنايا حتّى هرع هيرديان وليليا بسرعةٍ فائقة، أمسكا يديها وجروها للرّكض.
“ما الذي يحدث؟ لماذا فجأة؟”
وجدت رنايا نفسها تجري دون أن تفهم شيئًا، وعندما وصلوا أمام الحكم، مدّ كلّ منهما ورقةً صغيرة.
كِلا الورقتين مكتوبٌ عليهما نفس العبارة:
[الشّخص الذي أحبّه]
أطلقت رنايا صوتًا قصيرًا.
رأت الأوراق المتناثرة على الأرض، والنّاس يحملون أوراقًا ويبحثون…
يبدو أنّ المسابقة هي إحضار الشّخص المكتوب في الورقة.
نظر الحكم إلى الورقتين بالتّناوب، ثمّ ظهر التّردّد على وجهه:
“عذرًا، لا يُسمح بإحضار نفس الشّخص. يمرّ واحدٌ منكما فقط.”
كان متوقّعًا. عادةً ما تحدث مشاحناتٌ في مثل هذه المسابقات عندما يختاران نفس الشّخص.
شدّت ليليا يدها بقوّة، مُظهرةً أنّها لن تستسلم أبدًا:
“استسلم يا عمي!”
“هذا مستحيل.”
شدّ هيرديان يده أيضًا:
“لو كنتُ سأستسلم لما أمسكتُ يدها أصلاً.”
وقفت رنايا بينهما، ودارت حربُ النّظرات.
المتشاجران هما الاثنان، لكنّ الإحراج كلّه لها.
‘هل تعلمان؟
كلّ أنظار الملعب متّجهةٌ إليكم الآن.
من بعيد، يبدو الأمر وكأنّ الأب وابنته يتنافسان على الأمّ.’
“……”
ما زالت رنايا غير معتادةٍ على كلّ هذه الأنظار، وأرادت أن تختبئ في جحرٍ فورًا.
لكن، بعيدًا عن ذلك، كانت هذه اللّحظة سعيدةً أيضًا.
أحبّتها فقد كانت طرقًا متنوّعةً جدًّا في إظهار الحبّ.
في النّهاية، لم يستسلم أحدٌ من هيرديان وليليا، فانتهت المدّة وخرجا معًا.
“بسببكَ خسرنا!”
“كان يجب أن تختاري ورقةً أخرى.”
“ولماذا أنا مَنْ يفعل ذلك؟!”
حتّى بعد انتهاء المسابقة، استمرّا في التّشاحن.
لم تتحمّل ليليا أكثر، فأمسكت يديهما بقوّة وقالت:
“كفّا كلاكما. إذا استمررتما في الشّجار، لن يكون هناك عشاء.”
في لمح البصر، توقّف الشّجار كأنّه سحر.
تنهّدت رنايا قليلاً، ثمّ ضحكت رغمًا عنها.
بينما كانت الابتسامات تنتشر على وجوه الثّلاثة، اقترب ظلٌّ آخر.
كاين، الذي شارك في المسابقة لكنّه خرج أيضًا.
رأت رنايا ما كُتب في ورقته اليمنى:
[الشّيء الذي أريده]
إذا كان «الشّيء الذي يريده كاين»…
“يبدو أنّ لديّ عملًا، سأذهب الآن.”
“…هل ستذهب يا عمي؟”
بدت ليليا حزينةً بشكلٍ واضح.
في البداية كانت تخطّط لإزعاجه حتّى يغادر بسرعة، لكنّها الآن تشعر بالضّيق لأنّه سيذهب فعلاً.
“كان اللّعب معه ممتعًا…’
لكنّ ليليا لم تستطع أن تقول “لا تذهب” بصراحة.
لأنّها شعرت أنّ إعطاء مكانٍ أكبر لوالدها الحقيقيّ خطرٌ تدريجيًّا.
قد يكون اللّعب معه ممتعًا، لكنّها لا تريد العيش معه.
ليليا اختارت بالفعل أمّها وأباها.
أمسكت يد هيرديان باليمنى، ويد رنايا باليسرى، وقالت:
“وداعًا يا عمي.”
كانت نظرة كاين حنونةً، لكنّها تحمل مرارةً ما.
في عينيه الحمراوين، عائلةٌ متناغمة.
حبٌّ متماسكٌ إلى درجةٍ لا يستطيع أيّ غريبٍ اختراقه.
شعر بذلك جيّدًا، فبدأت رغبته في انتزاع ليليا تتلاشى تدريجيًّا.
بالطبع، لم يكن ينوي التّخلّي عن ليليا.
لكنّه عرف أنّ اليوم هو وقت الرّحيل.
غادر كاين دون حتّى أن يقول “نلتقي لاحقًا”.
ولم تقُل ليليا “نلعب معًا مرّةً أخرى”.
بعد أن اختفى تمامًا، فتحت ليليا فمها أخيرًا:
“أمّي، هل جاءت جدّتي اليوم؟”
“جدّة هيلدي؟ لا. جدّتكِ في قرية لوكلير. لماذا فجأة جدّتكِ تأتي؟”
“كنتُ أشعر أنّ هناك جدّة تنظر إليّ منذ قليل.”
كانت ليليا تلتفت حولها مرّاتٍ عديدة، لكنّها لم تجد أحدًا يشبه جدّة هيلدي.
شعرت بنظرةٍ دافئةٍ كأشعّة الشّمس… هل كان وهمًا؟
“ليليا، هل اشتقتِ لجدّتكِ؟”
“نعم، ربّما تخيّلتُ لأنّني اشتقتُ لها كثيرًا.”
يبدو أنّه يجب كتابة رسالةٍ أخرى للجدّة بعد انتهاء اليوم الرّياضيّ.
أنّ ليليا تشتاق لها جدًّا جدًّا.
* * *
خلف جدارٍ عند مدخل أكاديميّة كليرفور، كان هناك شخصٌ يرتدي رداءً طويلًا يلتقط أنفاسه.
يمسح الدّموع بظهر يده باستمرار، ويعضّ شفتيه لئلّا يخرج صوت البكاء.
قبل مغادرة الإمبراطوريّة، جاءت للمرّة الأخيرة، فقط لترى ليليا ولو من بعيد.
لم يكن لديها نيةٌ للتّحيّة. أرادت فقط أن ترى كم كبرت، وهل تعيش بسعادة.
وهناك، رأت سيلين شخصًا لم تكن تتمنّى رؤيته حتّى في أحلامها.
انقطع نفسها.
ارتجف بصرها من القلق: هل جاء كاين ليأخذ ليليا؟
كادت تندفع لتأخذ الطّفلة فورًا.
ثمّ رأت مشهدًا لم تتوقّعه أبدًا.
كاين… يتذلّل أمام ليليا.
شخصٌ كانت تظنّه سيبقى قاسيًا حتّى مع ابنته من دمه، يعامل ليليا بلطفٍ وحنان.
كان ذلك صادمًا إلى درجةٍ لا تُصدّق.
‘هل يمكن للإنسان أن يتغيّر إلى هذا الحدّ؟’
السّبب في تغيّر كاين واضحٌ بالتّأكيد: ليليا.
ليليا طفلةٌ مذهلة.
ضحكت سيلين ضحكةً صغيرةً ضعيفة.
بعد سنتين، عرفت ابنتها من نظرةٍ واحدة.
ليليا غريويل… لا، ليليا فيليت، كبرت كثيرًا، أصبحت فتاةً قويّةً مرحةً تتمتّع بالرّكض والضّحك.
“ابنتي… ابنتي الحبيبة…’
بعد أن ملأت عينيها بليليا طويلًا، تحرّكت سيلين قبل أن يلاحظها أحد.
عقلها يعرف أنّ عليها الرّحيل، لكنّ قلبها يريد البقاء أكثر، فظلّت تدور حول الأكاديميّة.
‘يجب أن أذهب…’
جيرارد ينتظرها بالتّأكيد بعد أن أنهى حزم الأمتعة.
خطّتهما: شهرٌ على متن السّفينة إلى البلد المقابل، ثمّ العيش بهدوء حتّى الموت.
بعيدًا عن عيني ليليا. كي لا تُؤذى ليليا أكثر.
“…كحّ!”
كتمت سيلين السّعال بيدها.
رأت كفّها مغطّى بالدّم.
مسحت الدّم عن فمها بظهر يدها كعادتها، عندما غطّى ظلٌّ كبيرٌ أمامها.
رفعت رأسها، فتوقّف نفسها.
“سيلين.”
صوتٌ منخفضٌ يُرجف الجسد كلّه نادى اسمها.
في السّنة التّاسعة من هروبها من عائلة روتشستر،
أُمسكت سيلين أخيرًا.
من قِبل الرّجل القاسي الذي أحبّته يومًا ما.
التعليقات لهذا الفصل " 112"