.:
الفصل 110
لو لم يكن هيرديان معها، هل كانت سيّدة هيلد ستعتذر بهذه السّرعة؟
لم تحتج رنايا للتفكير طويلًا حتّى خرج الجواب واضحًا:
بالطبع لا. لكانت استهزأت بها كـ«عاميّة حقيرة»، ولوّحت بأصلها، وأشارت إليها بإصبعها كما فعلت قبل قليل.
كرهت رنايا هذا الواقع الذي يُجرح فيه طفلتها العزيزة عليها أكثر من أيّ شيء، فقط بسبب «الطّبقة».
“إذًا الآن لم يعد لديكِ رغبةٌ في الاعتذار؟ لماذا؟ لأنّ الاعتذار لعاميّةٍ يُعدّ إهانة؟”
أصابت رنايا كبد الحقيقة، فحرّكت سيّدة هيلد يديها نافيةً بصعوبة:
“لا، لا… سيّدة فيليت، متى قلتُ ذلك…”
“عيناكِ ترتجفان الآن.”
“……”
“ماذا فعلت ابنتي لكِ ولابنكِ حتّى تُشيري إليها وتُسمّيها «ابنة عائلةٍ جاهلة»؟”
طوال الوقت، كانت رنايا تتحمّل الكلام المؤذي في تجمّعات النّبلاء.
أحيانًا كانت تُجرح، وأحيانًا كانت تتأثّر بشدّة.
ومع ذلك، كانت دائمًا تتحمّل وتكظم غيظها.
لأنّها كانت تعتقد أنّ إظهار الغضب أمام الطفلة ليس من شأن الوصيّ الصّالح.
كلّ ما كتمته داخلها طوال هذه السّنوات انفجر اليوم أخيرًا.
يمكنها تحمّل شتيمة نفسها، لكنّ شتيمة ابنتها… لا.
“أتمنّى ألّا يتكلّم ابنكِ مجدّدًا مع ابنتي بلا أدب.
لن أطلب منه ألّا يقترب منها، فهما في نفس الأكاديميّة،
لكنّني أرجو الحذر.
إلّا إذا أردتم أن تواجها مجدّدًا عاميّةً «لم تتربَّ جيّدًا» مثلي.”
لم ترفع صوتها، ولم يتغيّر تعبير وجهها،
لكنّ رنايا كانت غاضبةً حقًّا.
هيرديان وليليا، اللّذان رأيا غضبها لأوّل مرّة، تجمّدا ولم يجرؤا على التدخّل.
‘…أنا خفتُ؟ من عاميّة؟’
ابتلعت سيّدة هيلد ريقها وهزّت رأسها بسرعة.
كان من المفترض أن تُهزأ بتهديد عاميّة،
لكنّ تحذير رنايا الصّادق جعل يديها وقدميها ترتجفان.
بدت وكأنّها ستفعل أيّ شيء حقًّا، ليس كلامًا فارغًا، بل من أجل طفلتها فعلًا.
تنفّست رنايا بعمق، هدّأت غضبها، ثمّ التفتت إلى أديلين:
“أستاذة أديلين، أعتقد أنّ هذا يُعدّ حوارًا سلميًّا، أليس كذلك؟”
كانت أديلين مذهولةً تمامًا.
عادةً ما كانت تتدخّل بنفسها لتهدئة أولياء الأمور في مثل هذه الحالات،
لكنّها لم تحتج اليوم إطلاقًا للتدخلِ.
أوّل مرّة في أكثر من عشر سنوات عملٍ في الأكاديميّة.
“أنوي فرض ساعتين من الخدمة داخل الأكاديميّة على الطفلين، ما رأي الوصيّين؟”
“نعم، افعلوا ذلك.”
بينما أومأت ليليا بهدوء، بدا روتن لا يزال لديه الكثير ليقوله.
ضغطت والدته على مؤخّرة رأسه، وانحنت مرّاتٍ عديدة:
“ليليا، هيّا نذهب.”
كأنّها كانت تنتظر هذه الكلمة، قفزت ليليا واقفةً.
سلّمت رسالة التّأمّل التي كتبتها أثناء انتظار الكبار إلى المعلّمة.
اختفى الخجل الذي كان يغطّي وجهها قبل قليل، وعاد إليها الحيويّة.
لأنّها رأت أمّها تُذلّ سيّدة هيلد إلى درجةٍ لا تستطيع معها الحراك.
“أستاذة، هل يمكن لليليا الذّهاب الآن؟”
“نعم، إلى اللّقاء غدًا يا ليليا.”
“وداعًا!”
انحنت ليليا، ثمّ أمسكت يد رنايا.
قبل الخروج من غرفة الإرشاد، لم تنسَ أن ترسل نظرةً مخيفةً إلى روتن المنتفخ الوجه.
ما إن خرجت الأمّ وابنتها حتّى همس هيرديان بصوتٍ منخفض:
“سأزور البارون هيلد قريبًا… على انفراد.”
تهديدٌ من نوعٍ آخر جعل ركبتي البارونة ترتجفان.
عندما غادرت عائلة ليليا الغرفة، انهارت سيّدة هيلد على الأرض، فقدت قوّة ساقيها.
“أمّي…!”
“يا إلهي، ما كلّ هذا…! روتن، قلتُ لكَ أن تكون هادئًا وتخدم صاحب السّمو، كيف تُحدث مشكلة؟!”
ضربت ظهر ابنها.
انفجر روتن بالبكاء بصوتٍ يملأ الغرفة.
“…هاااه.”
أصيبت أديلين بصداع.
تدريس الناشئين ممتع، لكنّ مثل هذه الحوادث تُرهقها دائمًا.
“قدّم رسالة التّأمّل ثمّ اذهب يا روتن. وأنتِ أيضًا، سيّدة هيلد، احذري في طريق العودة.”
خرجت أديلين أولًا، وأطلقت تنهيدةً أخيرًا.
نظرت إلى يدها اليمنى التي لم يبقَ فيها سوى العظم والجلد.
منذ حادثٍ قديم جدًّا، لم تعد تستطيع تحريك يدها اليمنى، فقط الكوع بالكاد.
‘والدة ليليا… كانت شخصًا طيّبًا، أليس كذلك؟’
يدٌ مليئة بالتّجاعيد رغم وجهها الشّاب، وعينان خضراوان تخفيان عمقًا لا يُقاس.
كلّما رأت أديلين أشخاصًا كهؤلاء، كانت تشعر بقربهم من قلبها.
لأنّهم يذكّرونها بنفسها في شبابها.
ابتسمت ابتسامةً مريرة، ثمّ التفتت إلى رسالة تأمّل ليليا.
بدأت تقرأها بهدوء… ثمّ تجمّد وجهها من الصّدمة تدريجيًّا.
[من الآن فصاعدًا، لن أضرب صديقي الغبيّ الضّعيف.
كنتُ أعلم أنّه غبيّ، لكن لم أتوقّع أن يكون ضعيفًا إلى هذا الحدّ.
في المرّة القادمة، إذا اضطررتُ للضّرب، سأفعل ذلك سرًّا حتّى لا تقلقي يا معلّمتي،
أو سأضربه بقوّةٍ معتدلة.]
* * *
في تلك اللّيلة، أعلنت ليليا «النّوم المنفصل الحقيقيّ».
“ليليا ستنام لوحدها اليوم.”
الطفلة التي كانت دائمًا تنام مع أحدٍ رغم تسميته «نومًا منفصلًا»، أظهرت شجاعتها أخيرًا.
“هل ستستطيعين النّوم وحدك؟”
“ليليا، ألّا ننام جميعًا معًا اليوم فقط؟”
بينما كان الكبار قلقين، كانت ليليا قد عقدت عزمها تمامًا.
بسبب ضربها روتن دون صبر، تراجعت خطوةً عن طريق «أن تصبح بالغة».
لذا قرّرت أن تتعوّد النّوم وحدها لتقترب خطوةً أخرى من «النّضج».
أجابت دون أيّ تردّد، وهي تعانق ديفيد بقوّة:
“ليليا ستنام في الصّالون لوحدها اليوم.
عمو وأمّي سينامان معًا هناك.”
“…نامي في غرفتكِ يا ليليا. نحن سنخرج إلى الصّالون.”
“لا! الصّالون ضيّق على اثنين!”
أصرّت ليليا على نقطةٍ غريبة.
قصر هيرديان مليء بالغرف، لكن ماذا عن هذا البيت الصّغير؟
لو علمتُ أنّ هذا سيحدث، لاستأجرتُ بيتًا بغرفٍ أكثر.
‘لماذا فجأةً هكذا؟’
لم تفهم رنايا تفكير ليليا.
ألم تكن هي مَنْ كانت تُصرّ دائمًا على أن يناموا جميعًا معًا؟
‘هل بسبب ما حدث في الأكاديميّة اليوم؟’
في تلك اللّحظة، وبينما استمرّ التوتّر، أمسك هيرديان يد رنايا بلطف وأخذها إلى الغرفة.
“تصبحين على خير يا ليليا.”
“تصبحان على خير!”
“انتظرَ لحظة…!”
دُخلت رنايا للغرفة تاركةً ليليا في الصّالون، فعبست بشدّة:
“ماذا تفعل؟”
“لنعطِ ليليا ما تريد أوّلًا.”
“حتّى لو، كيف نترك الطفلة تنام في الصّالون…؟”
“المدفأة مشتعلة، لن تشعر بالبرد. وعلاوةً على ذلك، الفرسان يحرسون خارج البيت.”
الغرفة أو الصّالون، كلاهما دافئ وآمن.
كانت تعرف ذلك، لكن قلب رنايا لم يهدأ أبدًا.
وبينما كانت تتجوّل أمام الباب، رفعها هيرديان بسهولةٍ ووضعها على السّرير، غطّاها بالغطاء.
همس بصوتٍ لا يسمعه أحدٌ خارج الغرفة:
“إذا كان توقّعي صحيحًا، فلن تمرّ ساعتان حتّى تدخل ليليا الغرفة.”
“…كيف عرفتَ؟”
“لأنّني فعلتُ الشّيء نفسه عندما كنتُ صغيرًا.”
نظرت رنايا إليه تريد المزيد من الشّرح.
استلقى هيرديان بجانبها بعد تردّدٍ قصير، وتابع:
“حاولتُ أن أنام وحدي لأصبح بالغًا.
بالطبع، بعد ساعاتٍ قليلة، ركضتُ خائفًا إلى غرفة والديّ مجدّدًا.”
“كنتَ تنام مع والديكَ وأنت صغير؟”
“…عندما كنتُ صغيرًا جدًّا.”
عادةً، تربية النّبلاء تبدو باردةً من وجهة نظر العامّة.
يضعون المربيّة بجانب الطفل منذ الولادة ويفصلونه عن الوالدين.
“هير نشأ وهو يُحبّ ويُحب.”
انتشرت ابتسامةٌ هادئة على شفتي هيرديان.
“ألم تمرّي أنتِ بشيءٍ مشابه يا رنايا؟”
“لا أتذكّر جيّدًا، لكن جدّتي قالت إنّني كنتُ أنام وحدي دائمًا.”
“يبدو أنّكِ كنتِ طفلةً مستقلّةً جدًّا.”
هل كنتُ كذلك؟
غرقت رنايا في التفكير للحظة.
إذا تذكّرت أيّامها مع جدّتها، فصحيح أنّها كانت مستقلّةً جدًّا.
كانت تحاول حلّ كلّ شيء بنفسها دون طلب المساعدة.
لكنّ ذلك ربّما لأنّها أدركت منذ الصّغر أنّ جدّتها ليست من دمها.
‘لو كان لي والدان… هل كنتُ سأكون مختلفة؟’
التعليقات لهذا الفصل " 110"