الموسيقى، عندما فتح سييل، الذي ظلّ صامتًا طوال الوقت، فمه أخيرًا:
“قفي مكانكِ.”
صوتٌ بارد جدًّا، لا يناسب طفلًا في عمرهما.
“قلتُ قفي، أيتها العامّيّة.”
“لماذا تستمرّ في الحديث معي؟ أو…… تتحدّث معي؟ وليليا ليست اسمًا عاميًّا.”
عبس سييل بين حاجبيه الجميلين.
“هل تتذكّرين أنّكِ أفسدتِ حفل دخولي إلى الأكاديميّة؟”
“وما دخل ليليا بذلك؟ ……بذلك؟”
“ذلك لأنّكِ―”
قاطع أحد الصبيّين كلام سييل وتقدّم إلى الأمام.
كان غاضبًا إلى درجة أنّه أشار إلى ليليا بإصبعه:
“بسبب الفوضى التي أحدثتها عائلتكِ، لم يستمع أحد إلى خطاب صاحب السّمو!”
تذكّرت ليليا حينها أنّها رأت سييل للحظةٍ في حفل التّسجيل.
كانت جالسةً بعيدًا عن المنصّة، فلم ترَ وجهه بوضوح، وتذكّرت فقط لون شعره البرّاق.
“هذا ليس ذنب ليليا. الكبار هم مَنْ أحدثوا الضّجيج بأنفسهم.”
“على أيّ حال، المشكلة من عائلتكِ، أليس كذلك؟ لذا يجب أن تنحني وتعتذري لصاحب السّمو كما يليق!”
دَنگ، دَنگ.
رنّ جرس بدء الحصّة.
شعرت ليليا بالظّلم.
لم تخطئ هي بشيء، فلماذا عليها أن تنحني وتعتذر؟
لكن إذا استمرّت هكذا، ستتأخّر عن الحصّة، فانحنت مضطرّةً وقالت:
“أنا آسفة، صاحب السّمو!”
استدارت ليليا مسرعةً نحو قاعة الموسيقى.
ورغم بُعد المسافة، وصلتها كلمات الصبيّين الحادّة من خلفها واخترقت ظهرها:
“لهذا لا يجب الاختلاط بالعامّة.”
“تربّت في أيدي العامّة، فلم نكن نتوقّع شيئًا أصلاً، لكن لم نكن نعلم أنّها بهذا المستوى.”
“يقال إنّ امرأةً عاميّةً لا تملك شيئًا تشبّثت بعائلة روتشستر. لولا ذلك، لما استطاعت هذه الفتاة أن تدخل الأكاديميّة أصلًا.”
مع ما سمعته من خلفها، توقّفت خطوات ليليا تدريجيًّا.
أطرقت رأسها قليلًا، عضّت شفتيها بقوّة، وشدّت قبضتها على كتاب الموسيقى.
‘يتكلّمون وهم لا يعرفون شيئًا.’
أمّي لم تتشبّث بعائلة روتشستر.
عمي هيرديان هو مَنْ كان يلاحق أمّي ويتبعها في كلّ مكان لأنّه يحبّها.
“كفّا عن الكلام الفارغ.”
“ألا تغضب يا صاحب السّمو؟ تلك العاميّة أفسدت خطابكَ!”
“إنّ القول إنّها أفسدت الخطاب من الخلف هو―”
“أنا فقط قلت الحقيقة. مَنْ تربّى عند امرأةٍ لا تعرف سوى التّشبّث بالآخرين، فمستواه واضح. ومع ذلك دخلت الأكاديميّة، فمن الواضح أنّ أحدًا استخدم حيلةً ما…”
لم يستطع الصبي إكمال جملته.
لأنّ ليليا اقتربت بخطواتٍ ثقيلة ووجهٍ مرعب.
أرادت ليليا أن تعيش حياةً مدرسيّةً جيّدة.
ألّا تقلق أمّها بسببها.
لكنّها لم تكن صبورةً إلى درجة أن تتجاهل صبيًّا يتفوّه بكلامٍ عشوائيّ.
إن كان عليها تحمّل كلام الكبار لأنّها ضعيفة، فهل عليها أيضًا تحمّل كلام طفلٍ في عمرها؟
“مـ-ماذا…… ماذا تنوين إذا نظرتِ هكذا…!”
ابتسمت ليليا ابتسامةً رقيقة.
ثمّ رفعت كتاب الموسيقى بكلتا يديها عاليًا بوجهٍ شرسٍ جدًّا:
“لا تتكلّم عن أمّي بلا علم!”
* * *
كانت رنايا ترتّب حديقة الزهور أمام البيت، فمسحت عرقها بكمّها وتنفّست بعمق.
بعد توسيع الحديقة، أصبح الفناء أجمل بكثير.
صحيح أنّ العناية بهذه المساحة الكبيرة ستتطلّب جهدًا كبيرًا، لكن ماذا في ذلك؟
مَنْ ربّت الأشجار بالعشرات، ألن تستطيع تربية الزهور؟
“رنايا، انتهيتُ من هذه الجهة أيضًا.”
كان هيرديان، الذي تطوّع اليوم لترتيب الحديقة بدلًا من الذّهاب إلى العمل، يبتسم بفخرٍ وهو يُريه جزءه.
“دعني أرى.”
على عكس وجهه الرّاضي، كانت حالة الحديقة سيّئة.
الزهور مزروعةٌ بفوضى، كأنّ نسيمًا خفيفًا سيقلبها رأسًا على عقب.
نظرت رنايا بدهشةٍ تامّة وسألت:
“كيف تزرع الزهور هكذا؟”
“……ألم أزرعها جيّدًا؟”
“ابتعد قليلًا.”
أمسكت رنايا بالمجرفة الصّغيرة وأعادت زراعة الزهور.
“الأشجار والزهور كلّها، الأهم هو زراعتها جيّدًا من البداية. هكذا فقط تُرسي جذورها وتمتصّ الغذاء.”
بعد الزّراعة، ربتت على التّراب بالمجرفة لتثبيته جيّدًا.
وعندها فقط لاحظت أنّ هيرديان يحدّق بها.
“لماذا تنظر هكذا؟ هل اتّسخ وجهي؟”
مسحت رنايا خدّها الأيمن بكمّها متعجّبة.
كان الخدّ الآخر متسخًا بالتّراب، لكنّ هيرديان لم يفكّر حتّى في مسحه، واكتفى بضحكةٍ خفيفة:
التعليقات لهذا الفصل " 108"