“حين أبدَيتُ استغرابي من كون حادثة اختفاء الناس لم تُثَر على نطاق واسع، تحدّث الخادم عن أمرين.”
وتابع الرجل شرحه بلا توقف.
“أولًا، بسبب أنّ هذه المنطقة تُطلّ على البحر، كان كثيرون يغادرونها عبر السفن إلى أماكن أخرى. وخصوصًا العشّاق الذين لم يُكتب لهم الارتباط؛ فقد كانوا يلجؤون كثيرًا إلى هذا الساحل للهرب معًا منذ زمن بعيد.”
قصة تحمل طابعًا رومانسيًّا… لكنّها بالنسبة لي لم تكن كذلك أبدًا. فهؤلاء العشّاق في الأغلب يافعون، مندفعو الدم، وهذا يزيد الأمر سوءًا.
“انتشرت القصة انتشارًا واسعًا حتى صار يقال إنّ المرور بهذه المنطقة يجعل الحب يدوم أبديًّا. لذلك بات كثيرٌ من العشّاق يختارون ميناءها لعبور البحر، حتى إن لم يكن فرارًا حقيقيًّا.”
“……أي إنّ اختفاء شبّان وشابّات في مقتبل العمر أمرٌ يتكرر كثيرًا، هذا ما تقصده.”
وضعتُ أناملي على صدغيّ أدعكهما بشعورٍ ينبئ بوجع قادم. مهما كانت الأسباب، أليس غريبًا أن يختفي الناس باستمرار؟!
حتى لو كان سكان المنطقة غير مبالين، فما بالُ عائلات المفقودين؟ ألن يأتي أحد للبحث عنهم؟
لكنّ الرجل أجاب عن هذا السؤال من تلقاء نفسه.
“ثانيًا، لم يأتِ أيُّ شخصٍ من خارج المنطقة يبحث عن امرأة اختفت ولم تعد إلى بيتها. لو أنّ أولئك النسوة كنّ ذوات أهل أو معارف، لَنُبِّهَ الناسُ إلى الأمر منذ زمن.”
“…….”
“لهذا لم ينتشر الخبر. يُرجَّح أن أولئك النسوة لم تربطهن أيّ صلةٍ بأحد.”
عند هذه النقطة لم أتمالك نفسي فأخرجتُ تنهيدةً طويلة. منذ أن سمعتُ أنّ جميع المفقودين من النساء، كان احتمالٌ معيّن يطوف برأسي، وها هو الآن يكاد يتحوّل إلى يقين.
الساحرات ما زلن يعشن بعيدًا عن أعين الناس، مختبئاتٍ تحت وطأة تاريخ مُلغّم بالدماء. وبحكم ذلك، كنّ منطوياتٍ على أنفسهنّ بطبيعة الحال.
طبعًا ليس جميع الساحرات كذلك. بعضهنّ يعشن متخفّيات بين البشر بسلام، ويخفين قدراتهنّ كليًّا.
‘لكن ماذا عن ساحرةٍ ساذجة تُخدع بسهولة بمجرّد دعوةٍ مشبوهة؟’
ساحرة بلا أحدٍ يوجّهها، صغيرة إلى حدّ تعجز معه عن اتخاذ قرارٍ صحيح وحدها. يكفي قبولها الدعوة لنفهم وضعها.
لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء إخفاء الشبهات؛ بل لعبوا عليها عمدًا لاصطياد مَن لا سند لها، ومَن يسهل استغلالها بلا رادع أو معارض.
‘شخصٌ مثل كارين تمامًا.’
وحين اكتملت الصورة أخيرًا، غمرني شعورٌ ثقيل كحجرٍ على صدري. ظننتُهم مريبين، لكن لم أفكّر لحظة بأنّهم عصابة لخطف الناس.
“بناءً على ما سبق، توصّلنا إلى أنّ النساء اللاتي يختفين ساحرات. ومع ذلك، لمواجهة أي احتمالٍ ولو كان ضئيلًا… أنصحكِ يا سِنْسِيَا بالحذر.”
قال الرجل ذلك بهدوء. وحين فرغ من كلامه الأخير، اتضحت نيّته بأكملها.
“إن لم أرغب في أن أُختطف فجأة، فعليّ أن أكون متيقّظة. لا أتنقّل وحدي، وألزم مرافقة شخصٍ يحميني.”
وبالطبع كان يقصد نفسه. حسنًا… اقتنعت. لن أبتعد عنه قيد أنملة.
أومأت برأسي ثم أطلقت تنهيدة أخرى.
“ألا ينبغي أن نتوقف عن حضور هذا الاجتماع؟”
لا أعرف ما الذي ينوون فعله بجمع ساحرات صغيرات ساذجات، لكنّه حتمًا ليس أمرًا جيّدًا. ثمّ نحن لسنا في ظرف يستوجب المخاطرة بأنفسنا.
إلا أنّ الرجل بدا مخالفًا لي في الرأي. نظر إليّ قليلًا ثم هزّ رأسه ببطء.
“أعتقد أنّ خطرهم في الاجتماع القادم سيكون معدومًا تقريبًا. بل قد يكون فرصة لمعرفة ما يهدفون إليه.”
“ولمَ هذا اليقين؟”
“لأنهم سمحوا بحضور أشخاص لا ينتمون إلى فئة الساحرات… مثلنا.”
أوه، هذا صحيح. انشغلتُ بفكرة استدراج الساحرات حتى نسيت هذه النقطة للحظة.
“كما أنّهم حين سألوا عن مرافقيك، أكّدوا وجود ‘نبيل’ يرغب في دعم الاجتماع. هذا يجعل حدوث أيّ فضيحة أمرًا غير وارد.”
“بمعنى أنّهم يروننا مجرد أشخاص سذّج انطلت عليهم دعوةٌ مريبة. أمّا جمعهم لأناس ليست لهم قوى لكن لهم صلة بالساحرات فهو…….”
بدا رأسي وكأنه يغلي من فرط التفكير. مسحت جبيني بلا وعي.
“هل يحاولون كسب دعمٍ ما؟ مالًا… أو نفوذًا… أو أيّ شيء؟ معقّد جدًا. على كل حال، فهمت أنهم لن يؤذونا.”
“نعم.”
“لستُ ممّن يتهوّرون دفاعًا عن العدالة…….”
أنّيتُ وأنا أعقد ذراعيّ. لا دليل، بل شكوكٌ متراكمة، لهذا لا نستطيع فعل شيء على نحوٍ قانوني.
“لكن علينا معرفة هدف هذا التجمع. ومع ذلك… يجب أن نكون مستعدين، ربما أحتاج إلى بعض أدوات الدفاع الشخصي.”
“صحيح. ويُفضَّل أيضًا إخبار الدوق وتلك الخادمة.”
“أؤكّد لك أنّ الدوق سيطير من الفرح. ولو قلنا إننا لن نذهب، فسوف يذهب وحده.”
هو ليس سيئًا… لكن التعامل معه أحيانًا مرهق جدًا. أتمنى فقط ألّا يُسبّب فوضى هناك.
وبينما كنتُ أرتّب في رأسي ما سمعت، عاد كلام الرجل في بدايتنا يتردّد في ذهني. بأن أبقى قريبة منه قدر الإمكان.
“لقد تغيّر الوضع تمامًا.”
اقترب الرجل من النافذة ووقف إلى جواري وسأل:
“أيّ وضع تقصدين؟”
“في الماضي حين اكتشف أحدهم أنني أتبَع ديريك، طلب مني ألّا أفعل ذلك. أما الآن فأسمعك تطلب مني ألّا أبتعد. هذا وحده أمر غريب.”
“…….”
“حقًّا… لا يمكن معرفة ما تخبّئه الأيام.”
حين رُفضتُ أول مرة شعرت بالذهول… والآن تبدو تلك اللحظة بعيدة، كالضباب. صار الرجل حاضرًا في حياتي اليومية بلا استئذان، ومع ذلك لم أعد أراه اقتحامًا مزعجًا.
بل صرت… أرتبك، ثم أرتاح، ثم أرتبك مرة أخرى… لكن لم أكرهه قط.
أتمنى فقط أن يشعر هو أيضًا بشيء يشبه هذا. أن يجد تغيّر علاقتنا… جميلًا.
التفتُّ إليه وابتسمت ببهجة صادقة.
“قديماً كنتُ ألحق بكِ يومًا وأتركك يومًا، أمّا الآن، فسأظل بجانبك طوال الوقت ما دمنا هنا، فلا تهرب مجددًا.”
كان ينظر إليّ منذ قليل، وها هو الآن يقطّب حاجبيه قليلاً كما يفعل المرء حين تتوهجه الشمس.
والشمس فعلًا كانت تصبّ ذهبها على النافذة، فلا غرابة. رفعتُ شعري وقد داعبه نسيم البحر العليل.
“لكن حقًا، إن ضِقت بوجودي، أخبرني. لا بأس أن أبقى مع البقية.”
“لا. لن أشعر بالضيق منك أبدًا.”
“…….”
“ثم إنني أنا من طلب منك ألّا تبتعدي. وإن لم تأتي أنتِ… فسآتي أنا إليكِ.”
أطبقتُ شفتيّ لحظة، ثم ابتسمت وأومأت. كدتُ أشعر أنه يقلق عليّ أكثر مما أفعل أنا، وهذا جعل قلبي يتقلص غريبًا.
مع ذلك، كارين هي الأكثر عرضة للخطر، فعلينا البقاء قربها. وإن تعذّر عليّ مرافقتها، يجب أن أطلب من الدوق ألّا يتركها.
وانتقلت أفكاري إلى كارين، وإلى ضرورة تعليمها “أساسيات العيش في العالم” التي لم يخبرها بها أحد. بما أننا صرنا مقربتين، فأقل ما يمكنني فعله هو مساعدتها.
وظللنا هكذا، إلى أن خفَت ضوء الشمس وازدادت زرقة البحر. بقي الرجل ملاصقًا لي بلا كلمة واحدة، وكأنه لا يريد الذهاب إلى أي مكان.
تركتُه كما هو، وترك هو نفسه يراقبني بصمت. وكان الصمت بيننا دافئًا، وموجُ البحر موسيقى هادئة تُكمل الصورة.
لو أستطيع حبس هذا الوقت… والبقاء واقفَين إلى الأبد.
التعليقات لهذا الفصل " 40"