عندما أفكّر في أنّ الدمى على هيئة الحيوانات يكون الدبّ أكثرها انتشارًا، يبدو لي تشبيه الرجل به لطيفًا بعض الشيء.
غير أنّ الدبّ كحيوانٍ بحدّ ذاته كان يلائم الرجل إلى حدٍّ كبير.
“أولًا، لأنّك طويل القامة.
وصورة الدبّ… تبدو وكأنّها تناسبك يا ديريك؟
هكذا خطر لي.”
كانت كلماتٌ خرجت من فمي تلقائيًا، ثمّ حاولت لاحقًا أن أُنشئ لها سببًا مقنعًا.
لكنّ الرجل لم يبدُ راضيًا عن هذا التفسير، فطالبني بتوضيح أدقّ.
“عندما تقولين صورة الدبّ، أيّ صورة تحديدًا تقصدينها؟”
ما الصورة؟
ذاك المخلوق الذي لو أسأت التعامل معه ستكون نهايتك، المخيف، لكن لو دقّقتِ تجدين فيه بعض البلادة اللطيفة.
لكن طبعًا لا يمكنني قول ذلك بصراحة.
بعد طول تفكير، تمكّنت من اختيار صفةٍ يمكنني التلفّظ بها.
لكنّ الشكّ ظلّ يساورني، فجاء صوتي متردّدًا على الرغم من ذلك.
“أم… قويّ؟
ذو قوّة كبيرة؟”
“…….”
“حتى أنا لست متأكدة ممّا أحاول قوله، لكن… لا يخطر ببالي حيوان آخر غير الدبّ.”
ولِمَ سأل أصلًا عن الحيوان الذي يمكن تشبيه نفسه به؟
هذا النوع من الأسئلة الطفولية أبعد ما يكون عن شخصيّته.
كان الرجل يمعن التفكير في جوابي بجدّيّة تكاد تكون مستفزّة.
ولمّا بدأت أشعر بالإحراج، تمتم بصوت منخفض وبذات الجديّة.
“بما أنّ الدبّ يُعدّ من الحيوانات المفترسة، فمن النادر أن يعتبره أحد لطيفًا.”
“آه، لو فكّرنا بالدبّ الحقيقي فصحيح.
لكن إن اختصرنا شكله بأذنين دائريتين وأنف مستدير… يصبح لطيفًا.
حتى دمى الدببة تُصنع هكذا، على ما أعتقد.”
“فهل تحبّين دمى الدببة يا سينثيا؟”
“نعم؟ أنا؟”
أشرتُ إلى نفسي بأصبعي، مذهولة تمامًا.
لم أستطع مجاراة سياق الحديث إطلاقًا، بينما بدا الرجل غارقًا في الأمر بكلّ جدّيّة.
ورغم ارتباكي، خرجت الكلمات من فمي متقطّعة.
لم يُطرح عليّ هذا السؤال حتى وأنا طفلة صغيرة.
“كل ما يُصنع بغرض أن يكون لطيفًا… يكون لطيفًا بالفعل.
ولو أردنا الدقّة، فأجل، أعتقد أنّني أحبّ دمى الدببة.”
تجاهلتُ حقيقة أنّ عمري تجاوز مرحلة تفضيل الدمى منذ زمن.
فالرجل كان يحدّق إليّ كما لو أنّه يستمع إلى أمرٍ بالغ الأهمية.
والمُربك أكثر أنّ جزءًا داخليًا فيّ بدأ يهمس بأنّ الدببة فعلًا لطيفة… فقط لأنني اخترت الدبّ ليشبه الرجل.
لا بدّ أنّ حالتي ميؤوس منها.
عليّ إيجاد طريقةٍ أخرى لاستعادة صوابي.
وبينما كنت أمسح جبيني بإحراج، بدا أنّ الرجل قرّر أخيرًا إنهاء هذا الحديث العجيب، إذ ارتسمت على وجهه ملامح شخص أنهى تفكيره.
بالنسبة إليّ، كان ذلك رحمة حقيقية.
“حسنًا.
إذن يجب البدء بدُمى الدببة أوّلًا، ثمّ الانتقال تدريجيًا لبناء صورة ذهنيّة مناسبة.”
“أنا من البداية لا أفهم ما الذي تقصده… هل تشرح لي؟”
“سأشرح لك عندما أتأكد أنّ هذه الطريقة لن تفشل.”
لو ركّزتُ جيّدًا قد أفهم سبب تصرّفه الغريب، لكنّ الحوار كان يتنقّل بخفّة مريبة.
في النهاية، تخلّيت عن محاولة الفهم وأومأت برأسي.
“طالما أنّك تقول إنّ هناك نجاحًا أو فشلًا، فلا بدّ أنّك تخطّط لشيء.
لا أعرف ما هو… لكنني أشجّعك.”
عندها رسم الرجل ابتسامة باهتة.
“شكرًا على تشجيعك.”
—
مرّت أيّام منذ مغادرتنا قصر الدوق، حتى كدتُ أضجر من تمضية وقتي داخل العربة، قبل أن نصل أخيرًا إلى وجهتنا.
مونريا، مدينتنا الساحلية، كانت أكثر دفئًا من المناطق الداخلية.
الربيع هنا واضح لدرجة أنّني تساءلتُ كيف سيكون الجوّ حين يقترب الصيف.
وعندما وطئتُ الأرض، تمتمتُ:
“جيدٌ أنّني أحضرتُ ملابس خفيفة.”
كانت كارين تنزل من العربة معي حين سألت:
“أوه… أنا أخذت فقط ما اعتدتُ ارتداءه مؤخرًا.
هل سنشعر بالحرّ كثيرًا ونحن نتجوّل؟”
“ربما يبدو الجوّ كأنّ الصيف حضر مبكرًا قليلًا، لكن ملابس الربيع كافية.
وإن اشتدّ الحرّ… نستطيع شراء ملابس جديدة.”
فهي مدينة سياحية، والحركة التجارية فيها نشطة.
وحين قلت ذلك، ترددت كارين قليلًا وأخذت تلوّح بأصابعها بخجل.
“إذًا… لو اشتريتُ ملابس جديدة… هل تأتين معي؟”
كانت كلماتها جريئة، لكن خدّيها ما زالا يشتعلان خجلًا.
فابتسمتُ لها بسرور.
“طبعًا.
نخرج معًا ونتجوّل لاحقًا.”
“…! نعم!”
انطلقت كارين بحماس تُساعد في تنزيل الحقائب.
ولمّا تأمّلتُها وهي تنضم إلى الخدم الرجال بسهولة، تأكدتُ من أنّها اعتادت العمل الذي يتطلب جهدًا.
أحد الخدم ناولها حقيبة صغيرة بوجهٍ متردد.
وبعد أن رأيتها تهزّ رأسها بمرح، أدرتُ ظهري ودخلتُ إلى الفيلا.
كانت ملكًا لأحد رجال الدوق، وبناءً على رغبة الدوق في الهدوء، اقتصر العاملون على الحد الأدنى.
الجدران والأثاث كانا أبيضين تمامًا، مما أعطى المكان جوًّا نظيفًا هادئًا أكثر من كونه فاخرًا.
مكانٌ بُني فعلًا للراحة.
ولمّا سمعتُ الدوق يخبر كبير الخدم بأنّه “سيشتري فيلّا كهذه لنفسه لاحقًا”، صعدتُ الدرج.
“المنظر… جميل بحق.”
عند نهاية الردهة العلوية، وُجدت نافذة كبيرة.
وضعتُ يديّ على حافّتها ومددتُ رأسي قليلًا خارجها.
البحر والسماء…
زرقتان متقاربتان لكن مختلفتان، وكأنّهما تدعوانني إلى إرخاء كل توتر.
لكن كلّما ازداد إعجابي بالمكان، ازداد إحساسي بسبب مجيئنا إلى هنا.
السحرة المتعاطفون مع الساحرات، والذين يبحثون عنهنّ… هم من دعونا.
وإن كانت كارين ليست الوحيدة المدعوّة، فلا شكّ أنّ ساحرات أخريات سيحضرن الاجتماع.
‘وبما أنّ النظرة تجاه الساحرات ما تزال سيئة، فلا يمكن أن يكون اللقاء علنيًا.’
وهذا واضح من الدعوة السرّية، والوقت المتأخر، وشرط كلمة السرّ للدخول.
وكان لهذا الطابع السري أثرٌ مزعج في نفسي.
فالمكان المضيء والمليء بالناس خارج النافذة لا يشبه الاجتماع السرّي إطلاقًا.
“لماذا هنا بالضبط؟”
المدن السياحية كثيرة.
فهل اختاروا هذا المكان لأنّهم لا يخشون شيئًا؟
لكن الهدف من الاجتماع يظلّ مريبًا.
وبينما أفكّر، سمعتُ صوتًا خلفي.
“هل كنتِ تتفقدّين الفيلا؟”
“آه.”
استدرت، ففوجئت بالرجل واقفًا على مقربة شديدة ولم أسمع خطاه إطلاقًا.
كان قد خلع زيه الرسمي كفارس الدوق، وارتدى ملابس بسيطة ولكن أنيقة.
ورغم أنّ وقفته وهيبته لم تتغيرا، فقد خفّ ضغط حضوره قليلًا.
مهما ارتدى… يبدو مناسبًا.
حتى بعيدًا عن مشاعري، هذا هو التوصيف الموضوعي.
“لم أكن أتفقدها كثيرًا… فقط أنظر إلى المنظر.
وأنت، ديريك… ماذا كنت تفعل؟”
“كنت أبحث عنكِ يا سينثيا.”
يا إلهي…
قبضتُ على حافة النافذة بقوة، ثمّ تركتها.
قلبي بحاجة لصيانة.
ابتسمتُ بخفّة، متجاهلة الفوضى داخل صدري.
“هل لديك ما تقوله لي؟”
“نعم.
أردت سؤالَكِ عن أمر.”
تسارعت ضربات قلبي مجددًا بلا فائدة.
ثمّ—
“هل يمكن… ألّا تبتعدي عني خلال فترة إقامتنا هنا؟”
“هـ… ماذا؟”
كاد لساني يلتوي.
لو كنت أشرب شيئًا لغرقتُ به فورًا.
ومع ذلك، أكمل الرجل كلامه بنبرة ثابتة.
“لم أرغب في تقييد تحركاتك، لكن عندما أقوم بعملي كحارس، لا أستطيع ملازمتك بالكامل، لذا… أطلب منك البقاء قريبًا قدر الإمكان.”
“… أي أنّك تريدني أن أتبعك طوال الوقت تقريبًا؟”
“نعم.
ليس في كل موقف، لكن… أفضّل أن تكوني بقربي.”
كان طلبًا غريبًا، لكن الأغرب أنّ لهذا الرجل دومًا سببًا منطقيًا خلف كل كلمة.
اختفى ذهولي تدريجيًا، وظهر مكانه سؤال واضح.
“ما السبب؟
لماذا لا يمكنني الابتعاد عنك؟”
لاحظتُ أنّ عينيه قد ثقلتا قليلًا، لدرجة لا يلحظها غيري.
وبعد لحظة، قال بصوت منخفض ومظلم:
“أثناء فحص أمن الفيلا، حدث أن أخبرني أحد العاملين عن المنطقة… كما أخبرني عن شائعة متداولة.”
انخفضت عيناه، وظلّ ظلّ ثقيل يتدلّى تحت جفنيه.
“هي شائعة بلا دليل، لكن… يُقال إنّ شابّاتٍ اختفين في هذا المكان بعد وصولهنّ مباشرة.”
“…….”
“وأظنّ أنّ الأمر… قد لا يكون شائعة.”
التعليقات لهذا الفصل " 39"