“راقبوا الوضع في الوقت الحالي، وحاولوا التحدّث والتفاوض مع تلك المرأة التي يُقال إنّها ساحرة، وأبلغوني فورًا إذا ظهر أيّ طارئ.”
وبينما كنت أساعده في كتابة الرسائل الموجّهة إلى بقية المسؤولين عن إدارة المقاطعات الشمالية، راودني إحساس غريب بأنّ هذا الوضع كلّه يبعث على الارتباك.
فالساحرات اللواتي قيل إنهنّ عشن مختبئات طيلة حياتهنّ، بدأن فجأة يظهرن في حياتي اليومية.
‘لكن… أن تُطلق لعنة لأنّ أحدهم تجرّأ على دخول منزلها؟’
كان من حسن الحظ أنّ الجبل لم يكن مأهولًا، وأنّ الثلج كان يتساقط على جزءٍ صغير منه فقط.
لو كانت الأمور أسوأ بقليل، لاضطرّ الدوق إلى السفر فورًا إلى الشمال لخطورة الوضع.
وبالطبع، حتى إن لم يسافر الآن، فحين تُحلّ المشكلة بهدوء، سيذهب بنفسه ليلقي نظرة على المكان.
ومن المؤكّد أنّني سأكون ضمن المرافقين له في تلك الرحلة.
ما دام ذكرُ الساحرة قد ظهر، وما دمتُ أنا الشخص الذي يبحث عن الساحرة أصلًا، فذلك المستقبل كان محتومًا.
في أحد أوقات الغداء حين لم ألتقِ بالرجل، قابلتُ كارين وأخبرتُها بما حدث في المقاطعة الشمالية.
“حقًا؟! هل تعيش ساحرة حتى في مكان كهذا؟!”
فتحت كارين عينيها كأرنبٍ مذعور، وهي تلتهم الساندويتش الذي أحضرته لتقتسمه معي.
نظرتُ إلى ما بقي من الطعام، ثمّ دفعتُ ساندويتشي الخاصّ أمامها بهدوء.
“نعم. بما أنّ أحدًا لم يعثر عليها طوال الوقت، يبدو أنّها كانت تعيش مختبئة في مكان مموّه كبيت مهجور.”
“واو…! لكن كيف كانت تحصل على الطعام والأشياء التي تحتاجها؟ أنا نفسي اضطررت للعمل خبط عشواء لأنّي لم أستطع توفير ما يلزمني.”
توقّفتُ لحظةً دون أن أعرف بمَ أجيبها، فيما وضعت كارين الساندويتش كاملًا في فمها بلا تفكير. ولأنّها ابتسمت بارتياح بعد ابتلاعه، عرفت أنّه أعجبها.
ولمّا لم يبقَ سوى قطعة واحدة، أدركت أخيرًا أنّها التهمت كلّ شيء وحدها فشحب وجهها.
لكنّي طمأنتُها، فعادت لتتخذ ملامح الجِدّ وهي تقول إنّها في المرّة القادمة ستحضر شيئًا ألذّ وتعطيني إيّاه كلّه.
مع أنّني كنتُ شبه متأكدة من أنّها ستأكله هي أيضًا، إلا أنّني لم أستطع سوى أن أبتسم لنيّتها الطيبة.
“بالمناسبة يا كارين، هل ما زال العمل صعبًا عليكِ؟ كنتِ تُخطئين كثيرًا في الماضي وتُوبَّخين.”
“مم، ما زلتُ أُوبَّخ أحيانًا! لكن الوضع أفضل بكثير الآن. مديرة الخدم وجدت لي عملًا يناسبني.”
استحضرتُ في ذهني صورة سارة، مديرة الخدم ذات الملامح الهادئة.
وتابعت كارين كلامها وهي تحتسي عصير الطماطم:
“ليس لديّ منصب ثابت أو مهمة محدّدة. أي شخص يناديني، أذهب لمساعدته. وتبيّن أنّ ذلك يجعلني مشغولة طوال اليوم.”
“وماذا تكون تلك الأعمال عادةً؟”
“مثل حمل الأشياء الثقيلة، أو فتح قناني يصعب فتحها… أشياء هكذا!”
رمشتُ بدهشة من الجواب غير المتوقع، بينما قالت كارين ببراءة والفتات يعلَق عند شفتيها:
“بدلًا من جلب خادمٍ رجل لشيء بسيط كهذا، أكون أنا قريبة فأسرع لمساعدتهن. والسبب الآخر أنّهن يقلن إنّ التعامل معي أسهل، لأنّ الخدم الرجال يتفاخرون كثيرًا بعد كلّ طلب!”
“آه… فهمت. يسعدني أنّ العمل يناسبك.”
“حتى إن لم تكن الأمور كبيرة، يكفيني أنّي مفيدة. أتمنّى أن أستمرّ هكذا دائمًا.”
نظرتُ إلى معصم كارين النحيل، ثمّ إلى شعرها الأسود اللامع، ثمّ رفعتُ رأسي نحو السماء متفكرةً.
لا يمكن… أليس كذلك؟
“سينثيا ، إن احتجتِ يومًا لمن يحمل شيئًا ثقيلًا، فدَعيني أتولّى الأمر!”
قدرات القوّة الجسدية لها أشكال كثيرة، وقد توجد ساحرة أخرى تحمل القدرة نفسها…
فنفضتُ الاحتمال المبالغ فيه من رأسي، وابتسمتُ لها.
التعليقات لهذا الفصل " 36"