تأخرت ردّة فعل ديريك لحظة ليتأكد من سلامة سينثيا . في أجزاء من الثانية، اختار حماية المناطق الحرجة في جسده بدلًا من الإمساك بالمجرفة الساقطة.
رفع ذراعه ليحمي عينيه أولًا، ونجح في ذلك. لكن جبينه تلقّى ضربة ثقيلة وحادة، وتبعها شعور صادم توقف قليلًا ثم عاد.
لم يكن الشيء خفيفًا، لكنه لم يكن ثقيلًا بما يكفي لإحداث إصابة خطيرة. ورغم إحساسه بالقطع المعدني الحاد، فقد اعتاد ديريك على التعامل مع السيوف، فصدمته لم تكن كبيرة.
عندما حاول لمس جبينه ليتحقق من نزيف الدم، أمسكت وجهه فجأة يد أخرى.
“سيدي! هل أنت بخير؟”
ظل صامتًا، وقد جُذب جسده إلى أسفل، فظهرت أمامه امرأة واحدة فقط. أول ما شعر به هو تنفّسها، ثم لمستها الناعمة.
عيناه اتسعت من الدهشة، وشفاهها ترتعش بالكلام المختلط، وبشرتها شاحبة، على مسافة قريبة جدًا. على الرغم من ألفتها، بدا ديريك وكأنه يراها لأول مرة.
سينثيا ، في حيرتها، ركزت على فحص وجه ديريك بعناية، فمسّت أخيرًا جبينه المصاب.
شعر ديريك بأن موضع لمسها أكثر حرارة من الجرح نفسه. رغم برودة يدها قليلاً نتيجة الصدمة، بدا له ذلك واضحًا.
حين لاحظت ما انسكب على أصابعها، كادت تغشى عليها الدهشة. باندفاع، قادته نحو الضوء الصادر من النافذة.
“لنذهب إلى الضوء… ألم تصب عيناك؟”
“لا، لم يُصب شيء في العين.”
“انحني قليلًا… لا، اجلس هنا. يجب أن أفحصك بدقة.”
جلس ديريك بهدوء، مستندًا للحيط، لتسهيل رؤيته لها. جلست سينثيا أمامه على ركبتيها، تحت ضوء خافت، أفضل من وسط المستودع المظلم.
“ماذا عن الجرعة التي كانت معنا…”
“لم أحضرها اليوم، آسف.”
“لا تعتذر، كل هذا خطئي… دعيني أزيح شعرك قليلًا.”
لم تهتم سينثيا بقرب جسديها من ديريك، ولم يكن لمسها يحمل أي نية سوى التحقق من الجرح.
لكن ديريك شعر بإحساس غريب، قوةً وخفة، وقربها جعله يشد قبضته على الأرض.
كانت حرارة جسدها قريبة لكنه لم يرغب في دفعها بعيدًا، بل أراد الاقتراب أكثر. كان يمكنه فعل ذلك بمجرد أن يحيطها بذراعيه.
صوت خافت على جبينه أوقف اندفاعه:
“لحسن الحظ، لا يبدو أن الجلد قد تمزق. لكن الدم ما زال يسيل… هل تشعر بالدوار؟”
تردد ديريك عن الرد، فقد كان يحب اهتمامها به، ولم يرد أن يخفف منه.
لاحظ أنه منذ أن بدأ يشعر بالامتنان لها، صار يتوق لمثل هذه اللحظات.
الأفعال الغريبة لبعض الخادمات تجاه سينثيا جعلته يشعر بالغيرة أحيانًا، لكنه أدرك أن اهتمامها به وحده كان يهمه.
حين خفتت مخاوفها وانسكبت دموع خفيفة على كتفه، احتضنها ديريك برفق، فأرخيت جسدها بلا مقاومة في حضنه، بينما كان قلبه يفيض بالدفء.
“لقد خفت كثيرًا. آسف لم ألاحظ ذلك.”
“……”
“لا تقلق، أنا بخير حقًا. لم تخطئي بشيء.”
“إذاً، لا أحد مخطئ.”
في تلك اللحظة، لم ترفض سينثيا حضنه، وهدأت أنفاسها المتسارعة، فمسح ديريك آثار دموعها بأصابعه برفق.
أفاقت سينثيا وابتعدت قليلاً، مصححة ملابسها، لكن ابتسامتها الحمراء لم تختفِ.
“شعرت أنني بكيت كالطفلة… أرجوك لا تحدق بي كثيرًا.”
“لا داعي للخجل. أحب رؤية كل جوانبك.”
ابتسمت، ودفنت الحواجز التي كانت قد أقامتها بينهما، وشعر ديريك بفرح لم يعشه من قبل.
“نعم، أود الذهاب لاحقًا إلى الدفيئة معك.”
سمع سينثيا وأومأت برأسها، معترفة بمشاعرها هذه المرة.
أخيرًا، أدرك مصدر شعوره بالعطش لتلك الاهتمامات الصغيرة التي منحته إياها، ورغبته بأن يكون شخصًا مميزًا في حياتها.
التعليقات لهذا الفصل " 33"