“أظن أنّ الدوق، ولو اضطر، كان سيلحق بالدعوة بأي ثمن.”
كان اليوم مظلمًا بشكل خاص بفعل رذاذ المطر الربيعي. تأملت قطرات الماء تتساقط تحت المظلة وهمست بصوت خافت، محاولة استيعاب مشهد الدوق وهو يعدد الكتب المتعلقة بالساحرات بمجرد مغادرة أوفيليا. لم أكن أدرك حينها مدى سروره بما سمعناه لأول مرة في المكتبة.
ولكن، لماذا يملك هذا الدوق اهتمامًا بالغًا بالساحرات؟ كان هذا السؤال أول ما خطرت لي نفسيًا أن أسأله.
بينما كنت أمد يدي لقطرات المطر، أجاب الرجل الذي راقبني بصمت:
“أوافقك الرأي، لكن لو كان قد حصل على دعوة أخرى، لكان بإمكانه اصطحاب حراس أكثر.”
“صحيح، ربما كان يجب عليّ إبلاغه آنذاك أنّ الأمر مستحيل.”
لكن الندم جاء متأخرًا، فقد علمت من كارين أنّ الدوق أرسل ردًّا للحصول على إذن مرافقة.
خلال هذه الفترة، لم يكن هناك ما يستدعي القيام به، لكن الأحلام استمرت، وكالعادة، كنت ألتقي بالرجل كل يومين.
أعدت يدي المبتلة إلى الداخل وتأملت حلم الليلة الماضية الذي ظهر فيه الرجل. في أحلامه السابقة، كان الوقت والظروف غامضة، ولم أستطع تقديرها بدقة.
كان الرجل واقفًا في مكان مظلم غير محدد، يمسك شيئًا وينظر للأعلى، وكأنّه يتحدث مع شخص آخر. الأصوات كانت تتردد كأنها تحت الماء، فلا أسمع شيئًا بوضوح.
وجهه المعتاد بلا تعابير، لكنني شعرت أنّ أدق الفروق في ملامحه قد تكشف لي عن تغيرات مشاعره.
ثم اهتز ما كان يمسكه الرجل. لم يكن واضحًا بسبب الظلام، لكن ظهر لمحة من هيكل معدني رقيق يعكس الضوء قليلاً. دفعه الرجل فأصبح مستقرًا أكثر، ومع صوت الخدش على الأرض، بدا أنه ثقيل، ومع ذلك، لم تبدُ عليه أي علامة قلق.
لكن فجأة، سُمعت صرخة قصيرة من الأعلى، وتحرك الرجل، وعكست قطعة معدنية حادة الضوء الخافت.
لم أستطع تحديد المكان بدقة، لكن وجود ضوء خافت يشير إلى وجود نافذة.
كنت أواجه صعوبة في شرح ما حدث في الحلم، لم أكن أعرف أي التفاصيل يجب توضيحها، هل عليّ التحذير من الدخول إلى الداخل المظلم؟
بينما كنت أفكر، أخرج الرجل منديلًا من جيبه وسأل:
“هل لديك مواعيد أخرى بعد هذا؟”
ابتسمت قليلًا، فقد كان المنديل من نفس ذلك الذي اشتريناه معًا في القرية. قدمته له، مع علمي بعدم التعلق بما فيه من لطف زائد.
الرجل كان غالبًا يبالغ في اللطف، حتى مع من يكنّ لهم الاحترام فقط، لذا كان عليّ ضبط حدودي.
أخذت أنظاري نحو المطر وأنا أمسح يدي قليلاً:
“لا شيء محدد، أفكر في زيارة الدفيئة، كما أخبرتك سابقًا، هناك زاويتي الخاصة.”
“……نعم.”
“المسؤول عن الدفيئة يروي النباتات أحيانًا، لكنني من يعتني بها فعليًا. أريد تقليم الأوراق وإعطاء التغذية اللازمة عند الحاجة.”
“إذاً، ستذهبين مباشرة إلى الدفيئة؟”
“لا، أولًا سأمر بمستودع أدوات البستانيين…”
تلك الكلمات الأخيرة خرجت متقطعة، فالمستودع في الحلم كان مشابهًا لما رأيته بالأمس.
التفت للرجل:
“لا تذهب معي إلى المستودع أو الدفيئة، رجاءً.”
“لماذا؟ لا توجد مخاطر إذا لم أذهب.”
“في الحلم، كان ذلك المكان محفوفًا بالمخاطر…”
سردت حلمي بدقة قدر الإمكان، وربطه بالمستودع الذي أريد أخذ الأدوات منه.
أجاب الرجل فور انتهاء حديثي:
“إذاً، يجب أن أرافقك أكثر من أي وقت مضى.”
“لماذا؟ إذا لم نذهب، فلن يتعرض أحد للأذى.”
“لأنك قد تتعرضين للخطر إذا لم أكن هناك.”
خفض رأسه بصمت، وتركني عاجزة عن الكلام، أشعر أن أفكاري قد تخرج عن السيطرة.
أمسكت بمظلة وقلت:
“حسنًا، إذا حدث شيء، ستكون ردة فعلك أفضل مني.”
“نعم، أتفق معك.”
“أتمنى لو كنت أملك نصف ردّ فعلك…”
سألت عن سبب رغبته في المرافقة منذ البداية، فأجاب بهدوء:
“بعد لقائي بك، أردت معرفة أين تذهبين.”
—
المستودع، مكان حفظ الأدوات، كان قديمًا ومتهالكًا أكثر من أي شيء آخر في القصر.
أبوابه الثقيلة تصدر أصواتًا مزعجة، والضوء الخافت الذي يدخل من النوافذ الصغيرة جعل المكان يبدو مألوفًا من الحلم.
حين اقتربت من السلم لأخذ صندوق الأدوات، تبعني الرجل بصمت، حذرًا من سقوط شيء أو تعرضي للخطر.
“هل يمكنك الابتعاد قليلًا؟ سأحصل على الصندوق بسرعة.”
التعليقات لهذا الفصل " 32"