تضاءل عدد الساحرات في العصر الحاضر، وحتّى القلّة اللواتي ما زلن موجودات، تفرّقن في أصقاع الأرض يعشن في الخفاء.
كان من المعروف أنّ الساحرات يولدن منحوسات، لكن كارين كانت ـــ من بينهنّ جميعًا ـــ الأسوأ حظًّا.
وُلدت ساحرةً رغم أنّ لا أحد في عائلتها يحمل دم الساحرات، ثمّ فقدت والديها حادثًا عندما كانت صغيرة، إذ خرجا إلى القرية وتركوا الطفلة وحيدةً في المنزل، ووقع الحادث الذي أدى إلى رحيلهما عن حياتها.
تمكّنت كارين، بفضل قدرات الساحرات، من النجاة وتجنب الكثير من المخاطر بمفردها، لكنّ الأمور التي لا يمكن حلّها بالقوى كانت دائمًا تنقصها شيئًا ما.
من أبرز ذلك، المال الذي لا يجمعه العمل قصير الأمد، وبراءة الطفلة التي لم يوجّهها أحد بالغ بالشكل الصحيح.
لأن شخصيتها خائفة ومتهوّرة، كانت كارين ترتكب الأخطاء عند البحث عن عمل، فتُطرد سريعًا بعد فترة قصيرة.
وهكذا، بعد انتقالها من مكان لآخر، وجدت فرصةً أخيرًا في بيت الدوق أديلهايت، حيث تُقدّر الخبرة أكثر من المنصب.
ساعدتها خبرتها المكتسبة من تنقّلاتها السابقة.
بالطبع، عند المقابلة تساءلوا عن سبب طردها المتكرر في فترات قصيرة، لكنّهم ركّزوا على تعدد مهاراتها، ويبدو أنّهم كانوا بحاجة ماسّة لتعيين موظّفين جدد.
العمل كخادمة في بيت الدوق لم يكن سهلاً.
كان يتطلب حفظ الكثير من التفاصيل، والدقة والمثابرة كانا من الصفات الضرورية.
لكن كارين لم تكن تحفظ جيدًا، ولم تكن دقيقة أو مثابرة.
عندما تدخل خادمات جدد، يجرّبن في مهام مختلفة لتحديد مهاراتهن، وكارين لم تُنجز شيئًا خلال أسبوع، مكتفية بتنظيفٍ غير ماهر.
في يومٍ هدّدتها الخادمة المشرفة قائلةً: “إن كسرتِ طبقًا أو مزهرية مرةً أخرى، سأبلغ مديرة الخدم حقًا”.
دخلت كارين الغرفة المكلفة بتنظيفها ذلك اليوم بحزن.
ظنّت أنّ الغرفة فارغة، لكنها فوجئت بوجود شخص فيها.
“آه، مرحبًا. هل جئتِ للتنظيف؟”
“أ، نعم، نعم.”
كانت وقت الغداء، وأشعة الشمس تتسلّل إلى الداخل، فتلمع شعيرات شعر المرأة كالأمواج الفضية.
ابتسمت المرأة عند رؤية كارين، وشرحت بهدوء سبب وجودها في الغرفة رغم أنّه من المفترض أن تكون فارغة.
“عادةً نحن نساعد في معالجة أوراق الدوق في المكتب، لكن اليوم خرج فجأة، فجئتُ مبكرًا ولم أفكر في وقت التنظيف. أعتذر.”
“آه، لا! لا داعي للاعتذار.”
“هل يمكن أن نبقى في الغرفة أثناء تنظيفك؟ لن نعيق عملك.”
أومأت كارين برأسها بقوة، معبرةً عن أنّه لا بأس.
ابتسمت المرأة شكرًا مرةً أخرى، وعمّ الهدوء مع صوت الأقلام وحركة كارين.
‘إذًا، هذا هو مكتب السكرتارية. لم أفهم سبب القول بعدم لمس شيء سوى الأرض والنوافذ.’
كارين شعرت بالرضا لمجرّد تذكّر تعليمات أخرى، وكانت تتسلّل لإلقاء نظرة على المرأة بين الحين والآخر.
لم يكن جمالها أو أجواؤها الملفتة، لكنّه كان شعورًا قوّيًا بالقوّة الساحرية ينبعث منها.
لم تكن المرأة ساحرةً بالضرورة، لكن شيئًا ما فيها أو في أدواتها يوحي بأنّها صنعت بواسطة ساحرة ماهرة.
‘لابد أنّها تمتلك شيئًا صنعته ساحرة.’
كانت هناك أحيانًا مثل هؤلاء الناس، يبدون ماهرين لكنهم يبيعون أشياء مصنوعة بسحرٍ حقيقي.
لا يزال يُنظر إلى الساحرات بعين الريبة، لكنّ بعضهنّ يستخدم قوتهن بسرّية دون لفت الانتباه.
إذا حصل شخص عادي على أشياء من صنع ساحرة، يمكن الشعور بطاقة الساحرة حتى تزول من الشيء.
الطاقة التي شعرت بها كارين كانت قوية، ولم يكن من المستغرب أن تتعلق بالأشياء المصنوعة بسحرٍ ساحر.
‘لو أنّ لدي القدرة على صنع وبيع الأشياء، لكان رائعًا.’
أثناء انشغالها بالتفكير، اصطدمت كارين بشيء بكوعها.
تحرّكت المزهرية على الحافة المشمسة، فحاولت الإمساك بها لكنّها انكسرت بصوت مدوٍ.
لم يمض وقت طويل على دخولها لتنظيف الغرفة، وقد وقعت الفوضى.
كانت كارين عاجزة عن تحديد أولويتها بين تنظيف التراب أو جمع شظايا المزهرية أو الاعتذار للمرأة.
‘إذا كسرت شيئًا آخر، ستخبر مديرة الخدم…’
قد يُطردها فورًا، فتتحوّل أحلامها في راتب الخادمة إلى سراب.
على الرغم من مظهرها الحزين، لم تبكِ؛ فبينما كانت تحاول استيعاب الموقف، دخلت امرأة أخرى الغرفة.
“سينثيا، أليس ألبرت…؟ ماذا تفعل هناك؟”
نظرت امرأة متوسطة العمر نحو كارين بحدة، فتجمدت كارين.
لم تكن تعرف أنّها من سيُسأل، لكنّها شعرت بالخوف الشديد.
حدّقت المرأة في المشهد، فأدركت كارين أنّ المرأة الرمادية الجلست على المكتب جاءت إلى قرب المزهرية المكسورة.
استدارت المرأة الشابة وأخبرت بطريقة هادئة:
“آسفة يا أوفيليا، أنا كسرت المزهرية وكنت سأساعد الخادمة في جمع الشظايا.”
كارين دهشت ولم تستطع إخفاء ملامحها.
أوفيليا أجابت باستغراب:
“لماذا تكسرين المزهرية فجأة؟”
“أردت مساعدتك، فحاولت نقل المزهرية أثناء تنظيفك، لكن انزلقت يدي وأسقطتها.”
كان صوتها سلسًا كأنّها تروي الحدث فعليًا.
كارين شعرت بالحيرة، لكن المرأة المتوسطة العمر اقتنعت وسمحت لها بالاستمرار.
“على أيّ حال، المزهرية لك، لا داعي للاعتذار لي. جمع الشظايا ستحسنون من تدبيركم، لكن إن أردت المساعدة، افعلي قليلاً ثم عودي لعملك.”
“نعم.”
عرفت كارين أنّ المرأة التي ساعدتها كانت صاحبة المزهرية، وأرسلت إليها نظرة شكر وامتنان.
أعادتها إلى وعيها، وأصبحت تحمل شظايا المزهرية مع التراب، بجانب المرأة التي كانت تحمي جذور النباتات بحذر.
استعاد كارين رباطة جأشها تدريجيًا، لكنّها لم تعرف ماذا تقول أولًا.
تساءلت بين الاعتذار والشكر، أو لماذا كذبت لحمايتها.
اختارت كارين الخيار الأخير:
“لماذا… ساعدتِني؟”
كانت المرأة التي بدت واثقة أثناء الكذب تبدو الآن متوترة قليلًا.
“ربما شعرت بالحاجة لحمايتك، لأنّك كنت ستتعرضين للتوبيخ.”
كارين شعرت بمزيج من الامتنان والاعتذار، وهدّأتها المرأة بلطف، فكان من الطبيعي أن تتطور علاقة ودّية بين كارين وسينثيا.
عرفت كارين أنّ سينثيا شابة ماهرة تعمل كسكرتيرة في بيت الدوق، ومع كرمها ولطفها، زادت إعجاب كارين بها بلا حدود.
لكنّ طبيعتها الخجولة منعتها من المبادرة.
لذلك، عندما سمعت كارين سينثيا تتحدث مع رجل، وعرفت أنّ ما تسمعه لا يمكن إخفاؤه، كانت فرصة لا تعوّض.
التعليقات لهذا الفصل " 29"