كانت لافينيا تجلس بهدوء خلف مكتبها، وأمامها رجل ذو شعر بني يقف بوقار ممسكاً بحقيبة.
كان الرجل على وشك فتح الحقيبة حين سمع صوت السكرتير، فالتفت نحو الباب، وحدقت عيناه الأرجوانيتان به بحدة.
ابتلع السكرتير ريقه لا إرادياً.
في هذه الأثناء، سألت لافينيا السكرتير بوجه بدا عليه الارتباك:
“لماذا أنت هنا… ألم تغادر العمل بعد؟”
“هذا…”
لم يجد السكرتير عذراً مناسباً، فظل ينظر بتردد بين الرجل ولافينيا وهو يتلعثم في كلامه. حينها، ضحك الرجل ذو الشعر البني بسخرية خفيفة وقال:
“يبدو أنه كان يشك في طبيعة العلاقة بيني وبين الآنسة.”
“شك؟ عما تتحدث؟”
استجوبت لافينيا السكرتير بنظرات حادة، فتصبب العرق البارد على ظهره. أحنى رأسه بسرعة واعتذر مراراً:
“أنا… أنا آسف جداً! لقد سمعت ترهات الخادمات واندفعت بتهور… هذا خطئي!”
تابع الرجل حديثه بنبرة هادئة:
“لم يكن يقصد سوءاً على الأرجح. ربما فعل ذلك بدافع القلق عليكِ بصفتكِ سيدته.”
هدأت ملامح لافينيا وتنهدت بعمق إثر كلماته:
“هذا صحيح، فأي نقطة ضعف صغيرة قد تهوي بي إلى القاع، خاصة في الأوساط السياسية بالعاصمة.”
أضافت بابتسامة ساخرة:
“ومن وجهة نظر طرف ثالث، قد يبدو وضعنا هذا مريباً بالفعل.”
ثم أمرت السكرتير الذي كان لا يزال يحني رأسه:
“ارفع رأسك.”
عندما رفع السكرتير رأسه ببطء، قالت:
“اسمع، علاقتي بـ يوسار ليست علاقة غير لائقة كما تخشى.”
اتسعت عينا السكرتير ونظر إلى الرجل متسائلاً:
“هل أنت السيد يوسار؟ الذي يدير أعمال الشراء بالوكالة لمسؤولي فرز القرابين في القصر الإمبراطوري؟”
“هذا صحيح.”
“أعتذر، لم أعرفك بسبب تغير لون شعرك…”
أجاب يوسار ببعض الحرج:
“لقد صبغت شعري مؤخراً؛ شعرت أن اللون الفضي يبدو طائشاً بعض الشيء.”
كانت أعمال الشراء بالوكالة التي يديرها يوسار مع لينوكس والموجهة للنبلاء تحقق نجاحاً مستمراً، وزادت لقاءاته مع الطبقة الراقية في الإمبراطورية. لذا رأى أن المظهر الرصين أفضل عند مقابلة النبلاء المحافظين، فقرر صبغ شعره الفضي الملفت، وقد ناسبه اللون الجديد تماماً.
شعر السكرتير بالارتياح في داخله؛ فبقدر علمه، كانت العلاقة بين سيدته لافينيا ويوسار علاقة عمل بحتة، بدأت حتى قبل أن تصبح لافينيا وريثة الدوق. كان احتمال وجود علاقة غير لائقة بينهما ضئيلاً للغاية.
لكن الشكوك ظلت تراوده؛ لماذا يلتقيان سراً في هذا الوقت المتأخر؟ وماذا كان ذلك التوسل الذي سمعه من سيدته قبل قليل؟
وقعت نظرات السكرتير على الحقيبة التي يحملها يوسار.
“سيد يوسار، اعذرني على التطفل، ولكن ماذا يوجد في تلك الحقيبة؟”
تصلبت ملامح لافينيا قليلاً عند سؤاله الحذر، لكن يوسار أجاب بسرعة بابتسامة لطيفة:
“مجرد خردوات لا قيمة لها تبقت بعد البيع للنبلاء، لا تشغل بالك بها.”
لكن السكرتير لم يتراجع:
“حقاً؟ أنا أحب الخردوات، أود إلقاء نظرة عليها.”
ارتبكت نظرات يوسار قليلاً، حينها قالت لافينيا بصوت بارد:
“اذهب الآن، لقد تأخر الوقت.”
“ولكن…”
“هذا أمر.”
لمعت عيناها بحدة، فتراجع السكرتير في النهاية:
“…حاضر، فهمت.”
بعد أن أمرته بالمغادرة، خرجت لافينيا من خلف مكتبها وفتحت الباب بنفسها، ثم نظرت إلى السكرتير بجمود كإشارة واضحة للمغادرة.
“رافقتك السلامة، نلتقي صباحاً…”
تلاشت نبرة صوتها فجأة، وانقلبت عيناها الذهبيتان إلى الخلف. ترنح جسدها ثم انهارت وسقطت كأنها فقدت كل قواها.
“سيدتي!”
صرخ السكرتير بذعر، لكن يوسار هرع بسرعة وأمسك بـ لافينيا قبل أن ترتطم بالأرض. ربت بخفة على وجهها وهي بين ذراعيه، لكنها لم تبدِ أي حراك، فازدادت ملامحه جدية.
حملها يوسار بين ذراعيه ووضعها على أريكة جانبية، ثم صرخ بوجه السكرتير المذهول:
“أحضر الحقيبة إلى هنا، بسرعة!”
أحضر السكرتير الحقيبة على عجل، ففتحها يوسار بمهارة. لم تكن هناك خردوات بالداخل، بل زجاجات صغيرة من الجرعات مصفوفة بانتظام.
ارتبك السكرتير وفكر:
‘هل كانت هذه هي الأشياء التي توسلت لافينيا من أجلها؟’
أخرج يوسار جرعة وفتحها وسكبها في فم لافينيا ببطء، لكن السائل تسرب من شفتيها دون أن تبتلعه.
“تباً، ليس لديها قوة حتى للبلع.”
تمتم يوسار بضيق، ثم أخرج بسرعة حقنة وشريطاً مطاطياً من زاوية الحقيبة. شمر عن كم لافينيا وربط ذراعها بإحكام، ثم ملأ الحقنة بالدواء وغرس الإبرة بمهارة في عرقها المزرق.
دخل الدواء إلى جسدها ببطء، فتنفس يوسار الصعداء. سأل السكرتير بوجه شاحب:
“ما كل هذا…؟”
عرض يوسار الأدوية وشرح له:
“منشطات، جرعات للتعافي من الإرهاق، مكملات غذائية، وهذه للتعافي من آثار الإرهاق الشديد.”
“ماذا؟”
“كلها بطلب من الآنسة. إنها بالكاد تصمد في عملها بفضل هذه الأشياء.”
تنهد يوسار بعمق وأشار إلى معصم لافينيا النحيل. اتسعت عينا السكرتير عندما رأى آثار حقن أخرى واضحة ومستمرة. سأله يوسار:
“ألم تشعر بشيء غريب مؤخراً؟ كيف تبدو بخير تماماً وتعمل بهذا الشكل المفرط دون تعب ظاهر؟”
تنهد السكرتير بأسى، وتذكر صورة لافينيا وهي تسهر لأيام متواصلة في المكتب.
“ظننت فقط أن قدرتها على التحمل استثنائية…”
“مستحيل. حتى الشاب القوي لا يمكنه الصمود بهذا الرتم.”
هز يوسار رأسه بابتسامة مريرة، فسأل السكرتير بقلق:
“ألا يضر الجسم تناول كل هذه الأدوية بهذا الشكل؟”
“بلى، لقد وصلت لمرحلة لم يعد جسدها يتحملها. الأمر أصبح خطيراً جداً.”
أومأ يوسار ونظر إلى لافينيا بشفقة:
“أخبرتها مراراً أنها في خطر، لكنها لا تتزحزح عن رأيها. يبدو أن العمل أهم عندها من صحتها. بل، في هذه المرحلة…”
غارت عيناه الأرجوانيتان وأضاف:
“…يمكن تسمية هذا بالإدمان.”
حينها فقط فهم السكرتير الحوار الذي سمعه خلف الباب قبل قليل:
‘أرجوك… لم أعد أحتمل أكثر. بالكاد صمدت اليوم.’
‘إلى متى ستستمرين هكذا؟ هذا الوضع خطر.’
‘لا زلت بخير، أليس كذلك؟’
أغلق يوسار الحقيبة وقال للسكرتير:
“سأبقى هنا بجانبها، يمكنك المغادرة الآن.”
“شكراً لك، أرجوك اعتني بها. اتصل بي فور حدوث أي طارئ.”
هز يوسار رأسه موافقاً، فغادر السكرتير بقلب مثقل بالهموم. أما يوسار فقد جلس على الأرض بجانب الأريكة، يراقب بصمت وجه لافينيا الغارقة في نوم عميق.
لم تكن لافينيا في الآونة الأخيرة تشبه تلك المرأة التي عهدها من قبل.
فقد تلاشت صورتها المعتادة التي تتسم بالرصانة والحزم، وبدت على غير العادة في غاية الوهن والضعف.
تنهد يوسار بعمق وهو يزيح خصلات شعرها الوردية المنسدلة على جبينها.
•
“يوسار؟”
فتح يوسار عينيه على صوت لافينيا وهي تنادي اسمه.
‘هل غلبني النوم دون أن أشعر وأنا أحرسها؟’
أجابها بسرعة:
“هل ناديتِني؟ هل استعدتِ وعيكِ؟”
أومأت لافينيا برأسها رداً على سؤاله.
“كم مضى من الوقت وأنا غائبة عن الوعي؟”
“نحو ثلاث أو أربع ساعات. من فضلكِ، خذي قسطاً إضافياً من النوم.”
لكن لافينيا نزعت إبرة الحقنة من يدها واستجمعت قواها لتنهض.
“لا، أنا بخير الآن. شكراً لاهتمامك، يمكنك الانصراف الآن.”
وبمجرد أن وقفت، كانت وجهتها هي الجلوس أمام مكتبها من جديد.
لم يعد بإمكان يوسار الاحتمال أكثر من ذلك، فأمسك بمعصمها بقوة.
“كفى، توقفي عن هذا.”
أمرته لافينيا بنبرة باردة:
“يوسار، اترك يدي.”
لكنه لم يمتثل لأمرها، بل أحكم قبضته أكثر على معصمها بينما كانت تحاول الإفلات منه، وقال:
التعليقات لهذا الفصل " 151"