كانت محطة ديلنيا التالية هي مكتب البريد في وسط الساحة.
كان يوم أحد، لذا كان المكتب شبه خالٍ. كان عامل البريد الوحيد يتحرك بنشاط أمام جدار الرسائل والبريد، بينما يصطف الزبائن أمامه.
اتجهت ديلنيا إلى منطقة صغيرة مخصصة لكتابة الرسائل الفورية، حيث كانت هناك طاولات خشبية طويلة للوقوف، وتفوح رائحة الورق والحبر الداكن في المكان.
توجهت إلى الموظف المسؤول وسألته:
“أريد أن أكتب رسالة، هل يمكنني الحصول على بعض الورق والحبر؟”
أجابها:
“الورق يكلف قطعتين نحاسيتين لكل ورقة، والحبر قطعة واحدة، وإذا أردت استعارة قلم ريشة، فلدينا هنا.”
كان السعر مناسباً مقارنة بتكلفة ركوب العربة.
بعد أن دفعت، أخذت ديلنيا الورق والحبر والقلم وجلست على الطاولة، وبدأت الكتابة. كتبت اسم صوفي، بخط أنيق ومرتب، يملأ الصفحة الفارغة رغم بساطة الديكور الرث.
كانت الرسالة بسيطة: أخبرت صوفي أنها بخير، وسألت عن حال والدتها وعنها، ثم كررت أملها في العودة إلى بلفور مع بعض التعديلات الطفيفة على الصياغة.
وعندما كانت على وشك وضع الطابع ووعدها بانتظار الرد، توقفت فجأة.
أين يُفترض أن يرسلوا الرد؟
اتسعت عيناها من الدهشة أمام سؤال لم يخطر ببالها من قبل.
حتى الآن، لم تتطلب رسائلها عنواناً محدداً؛ مجرد كتابة “ديلنيا إيبرن من بلفور” كانت كافية.
لكن الآن، كانت تقيم في قصر بارتيز. هل هذا منزلها حقاً؟
وحتى لو كتبت صوفي إلى قصر بارتيز، فهل ستصل الرسالة إليها بصفتها جارية؟
لم تستطع الإجابة على أي من هذين السؤالين.
أدركت ديلنيا مرة أخرى ما فقدته: لم يكن مجرد فقدان اسم العائلة، بل اقتلعت من جذورها، حتى الأمور البسيطة لم تعد مسلمات.
تسرب الحبر من طرف القلم، فشكلت بقعة سوداء على الورقة.
“إيبرن؟”
انتفضت كتفها عند سماع المكالمة المفاجئة.
أول ما خطر في ذهنها كان الخوف من أن يتعرف عليها أحدهم، لكنها لم تستطع التراجع. الاسم الذي نادت به طوال حياتها ظل مرتبطاً بها.
أدارت رأسها بحذر، ورفعت عينيها.
ابتسم الغريب لها، ثم اقترب بسرعة:
“إذن أنتِ كنتِ أنتِ!”
صرخ الرجل بصوت مليء بالإثارة، غير قادر على كبح فرحته، لكن ديلنيا بقيت حذرة.
“ألا تعرف من أنا؟”
سأل وهو يهز رأسه عندما أدرك أنها لم تتعرف عليه.
ركزت ديلنيا على الرجل، وتأملت سلوكه:
كان ودود المظهر، شعره فضي لامع، عيناه رماديتان داكنتان قليلاً، ولونه الشاحب وبنيته النحيلة ذكّرها بشجرة في الشتاء مغطاة بالثلوج.
لكنها لم تتذكره على الفور، فهزت رأسها بخفة.
ومع ذلك، لم يُظهر الرجل أي خيبة أمل، بل ابتسم ابتسامة مشرقة وكشف عن هويته:
“أنا مارسيل.”
“…مارسيل؟ مارسيل فابرون؟”
رمشت بدهشة، مرددة الاسم مراراً، وأومأ الرجل موافقاً.
التعليقات لهذا الفصل " 23"