4 - الذاكرة المفقودة (3)
لم يكن هذا ما أراده؛ هكذا فكر وهو يدفع وجه يـي رانـغ التي كانت تثرثر باستمرار.
كان وجود الشقيقين مبالغاً فيه بعض الشيء، فقد ظلت يـي رانـغ تلاحقه وتنهال عليه بالأسئلة منذ لحظة استيقاظه تمنى لو استيقظ القنفذ بسرعة ليتولى الشرح بدلاً عنه، لكن القنفذ بدا غارقاً في نوم عميق ولم يستيقظ حتى حلول الظهيرة.
من ناحية أخرى، اتصل به المدير ليعتذر منه ويشكره بأدب جم ورغم أن التغير في موقف المدير وقوله استخدم الملابس أو الغرف كما يحلو لك كان أمراً مرحباً به، إلا أنه كان مبالغاً فيه أيضاً.
تذرع بتبديل ملابسه ليتخلص من يـي رانـغ مؤقتاً، واختار من خزانة المدير سروالاً قماشياً وقميصاً.
ولحسن الحظ، كانت الملابس ملائمة لمقاسه تماماً.
وبعد أن ظل يتماطل في غرفة الملابس لفترة طويلة، خرج لتستقبله يـي رانـغ بسؤال آخر.
“هذه ملابس المدير القديمة! إنها أفضل بكثير من ثياب التدريب.. لكن، ألا يمكنك إخباري بشيء واحد إضافي فقط؟”
“أشعر أن أذني ستنزف، كفي عن ذلك..”
“هذه آخر مرة، حسناً؟”
“أليست هذه هي المرة الثامنة التي تقولين فيها هذه الجملة؟”
“هل كنت تعدها؟ يا لك من بخيل!”
شعر بصداع يقترب بسبب تشتتها وإزعاجها، لكن يـي رانـغ بدأت أسئلتها دون انتظار رده.
“بخصوص سحر الوقت فيرنو، هل يمكنه عكس الزمن أيضاً؟”
“.. لا يمكنه.”
“إذاً الزمن غير قابل للانعكاس؟”
“لا أعلم..”
صعد نحو غرفة الرصد بخطوات ثقيلة، وبجانب التلسكوب كانت هناك طاولة صغيرة وضعتها يـي رانـغ، ويبدو أنها قررت الاستقرار هناك.
تنهد وهو يلمس العباءة والعصا الموضوعتين على الطاولة.
“.. لماذا تنظرين إلى هذه الأشياء؟”
“لأختار مرشحين لنجمك! كنت أبحث عن أدلة في الأبراج والعناقيد النجمية.”
“طوال اليوم وأنتِ تتحدثين عن النيازك والإشعاعات، ظننتكِ نسيتِ أمري.”
“يا إلهي! كنت أفكر في الأمر طوال الوقت!”
“حسناً يا ذكية، ماذا اكتشفتِ إذاً؟”
جلست يـي رانـغ على الكرسي بقوة
“أولاً، افترضت أن المصطلحات في العلم والسحر متشابهة حتى لو اختلفت المعاني، يبدو أن الأسماء تطلق على نفس الأشكال.”
“مثل الباريون والأكسيون؟”
“بالضبط ، كما أن هيليوس تعني الشمس في لغات أخرى.. في الواقع، هذا افتراض غير علمي بتاتاً وقد يكون خاطئاً.”
أومأ برأسه موافقاً.
“الافتراض الثاني هو أن العصا من منتجات موطنك الخاصة من الغريب أن زينة العصا والجواهر تشبه أنياب وعيون المفصليات.”
“تقصدين أنكِ بحثتِ عن أسماء مرتبطة بالمفصليات.”
“صحيح، لذا استخرجت قائمة بالعمالقة الزرق في برج العقرب.”
“برج العقرب؟ أليس من أبراج الصيف؟”
“نعم، هناك مرشحون آخرون، لكن احتمالية وجودهم ضعيفة لأنهم بعيدون جداً.”
“لحظة.”
رفع يده ليقاطع حديث يـي رانـغ، فقد شعر بحركة القنفذ في الطابق السفلي.
“لقد استيقظ تابع لويتن.”
“.. لويتن؟”
سُمع صوت خطوات تتخبط على السلالم، وقبل أن يظهر القنفذ، صرخ بصوت مليء بالقهر، مما جعل يـي رانـغ تلقي بنظرة خاطفة عليه.
“كيف! كيف يمكنك أن تفعل بي هذا!”
صرخ القنفذ وهو يضع قدمه الصغيرة على الدرجة الأخيرة
“سكيون!”
“.. نعم.”
“أعد لي قوتي السحرية!”
“لا تغضب، فاستخدامي لها أكثر كفاءة على أي حال.”
بسبب رده الوقح، ركض القنفذ نحو قدميه ونصب أشواكه بغضب، بينما كانت يـي رانـغ بجانبهما لا تتمالك نفسها من شدة إعجابها بلطافته.
“آه، وأيضاً ذاكرتي غير مكتملة حالياً.. لا أملك سوى الذكريات الأساسية أو غير الضرورية، ضع ذلك في حسبانك.”
“ماذا؟ لا عجب أن التفاهم معك كان أسهل من المعتاد..”
“أنت تتطاول علي.”
“إذاً أنت لا تعرف حتى من أكون؟”
“بما أنك تابع لويتن، فلا بد أنك غليزا.”
“.. أنت تعرف؟”
“لأنكما من النوع غير الضروري.”
استشاط غليزا غضباً، وتحدث هو و سكيون في نفس الوقت.
“كيف يمكنك أن تكون بهذا الغرور وأنت فاقد للذاكرة..!”
“قبل ذلك، هل تعرف من أين أتيت..”
في تلك اللحظة، قطعت صيحة يـي رانـغ المتحمسة حديثهما وبينما التفت هو و غليزا نحوها، كانت يـي رانـغ تمسك بقدمي غليزا الصغيرتين وتصرخ بانفعال
“النجم القزم الأحمر نجم لويتن، والكوكب الخارج عن المجموعة الشمسية غليزا؟ هل يعقل، حقاً هل يعقل، أنه غليزا 273B؟ الأرض الفائقة الشهيرة؟”
تنهد بعمق وهو يرى وجه يـي رانـغ المحمر من الحماس
“لقد بدأت من جديد..”
استغرق الأمر وقتاً طويلاً ليبعد يـي رانـغ عن غليزا ويدفعها نحو الطابق السفلي رغم قصر قامتها، كانت تملك قوة غريبة في مثل هذه المواقف ولم تهدأ إلا بعد أن حملها تقريباً وجرها إلى الأسفل.
عندما عاد وهو يدلك كتفيه من التعب، سأله غليزا بذهول
“.. من هذه؟”
“.. إنها مجرد شخص.”
“على أي حال، لماذا تسأل عن موطنك؟ هل لتستعيد سحرك؟”
“أعترف بقدرتك على عدم تفويت صلب الموضوع.. نعم، هذا صحيح.”
ضحك غليزا بسخرية وهو يحرك أنفه
“هذا مضحك حقاً سكيون العظيم يعاني لأنه لا يعرف من هو..”
“……”
“لكنني في البداية ظننتك شخصاً آخر لون شعرك وعينيك مختلف تماماً، أنت الآن تبدو.. تماماً كما كنت في القديم..”
“يا هذا، قل معلومات مفيدة فقط.”
“لا أريد لن أخبرك من أنت.”
عقد سكيون ذراعيه وهو يفكر في طريقة لتهديده، لكن يـي رانـغ عادت تتسلل للأعلى وهي تحمل طبقاً من الفواكه المجمدة المذابة.
“هل تريدون التحدث بينما تأكلون هذا؟”
“.. هل تعتقدين أنني سأهتم بوقود البشر؟”
“جرب فقط، حسناً؟”
“……”
بدأ غليزا يشم الرائحة، ثم اقترب ببطء من قطعة تفاح.
وبمجرد أن قضم منها قضمة واحدة، هدأ غضبه ونامت أشواكه الحادة استرخى غليزا تماماً وبدأ يمضغ التفاح بهدوء ، راقبه سكيون بصمت ثم قال بصوت خافت
“كنتِ تتحدثين عن الأرض الفائقة وغيرها، وفجأة تعاملينه كقنفذ أليف.”
“لكن الأمر نجح، تماماً كما حدث معك.”
قطب حاجبيه بشدة، بينما لم يعد يُسمع في الغرفة سوى صوت غليزا وهو يقرمش التفاح.
“هل كنت أنا هكذا حقاً؟”
تمتم سكيون في نفسه.
***
“أيها الإنسان، سأخبركِ ببعض الأشياء التي تثير فضولكِ، ولكن القليل منها فقط أما ما يخص سكيون، فهذا ممنوع.”
قال غليزا ذلك وهو يجهز على طبقه الثاني.
كان الثلاثة قد نزلوا إلى المطبخ في الطابق الأول، حيث جلس غليزا على طاولة الطعام ممسكاً بحبة فراولة بكلتا يديه وهو يمضغها.
“إذا استعاد سكيون قواه السحرية، فسيصبح الإمساك به أمراً شاقاً، أليس كذلك؟”
“ماذا؟ هل جئت للإمساك بي؟”
“بالطبع! لقد انتهكت المحرمات! هذه المرة لا تهرب، واذهب إلى مجلس الشيوخ بهدوء.”
“.. هل أرسلك مجلس الشيوخ؟ إذاً، لا بد أن نجوم الحماية في هذه المجرة قد وصلوا أيضاً.”
“لقد وصل منهم عدد قليل.”
تنهد سكيون بعمق؛ فالموقف كان أسوأ مما تخيل.
كان نجوم الحماية هم الأبطال الذين يحمون المجرة من الأكسيون، وهم بمثابة قادة المجرة من السحرة وسواء كانوا من فئة النجوم العملاقة أو الأقزام، فإن السحرة الذين يحملون لقب حماية لم يكونوا خصوماً يستهان بهم.
“لكن.. لماذا لا يزال أولئك العجائز يطاردون سحر الغيبوبة الخاص بي؟ ألم ينتهِ ذلك الأمر بالفعل؟”
فوجئ غليزا بذكر كلمة غيبوبة، ثم حدق فيه بعينيه السوداوين الصغيرتين بغضب.
“هذه المرة ليس بسبب ذلك السحر! هل نسيت أن هذه المنطقة محظورة على السحرة؟”
“هل كانت كذلك؟ ولماذا؟”
عندما سأل سكيون، شعر غليزا بالضيق وحرك أرنبة أنفه بغضب قائلاً
“لا جدوى من الحديث معك! من حسن حظك أنك في منطقة جبلية معزولة لا تلمس أحداً قدر الإمكان، وغادر هذا المكان بهدوء عندما يصل السحرة مفهوم؟”
“.. يا للصداع..”
بدأ سكيون يجد صعوبة في تخمين السبب الحقيقي الذي جاء به إلى هنا.
ربما كان شعوره المستمر بالقلق ناتجاً عن كونه مطارداً ومع ذلك، لم تكن لديه أدنى رغبة في العودة بهدوء؛ فمهما كان الأمر، وجب عليه رؤية النهاية.
“.. قريباً سيصل لويتن.”
“أجل، سيتتبع الأثر السحري ليجدني.”
“حتى لو كان سحراً رديء الجودة، فإنه سيكون مفيداً إذا كان وفيراً.”
“ماذا قلت..؟”
تغير لون وجه غليزا وشحب، وترك حبة الفراولة من يده وهو يسأل بصوت مرتجف
“هل ستقتل لويتن؟”
“كنت أنوي سلب قوته السحرية فقط.. لكن، إذا لزم الأمر، سأضع القتل في الحسبان.”
“.. إذاً كانت الشائعات التي تقول بأنك خنتنا صحيحة؟”
“عن ماذا تتحدث أيضاً..؟”
“لقد وثق بك لويتن رغم كل شيء..! أيها الخائن، حتى لو قتلتني، فلن أقول لك كلمة واحدة!”
صرخ غليزا بشدة، فشعر سكيون في تلك اللحظة بموجة من الغضب تفوق الموقف لم تكن ذاكرته هي من تخبره، بل مشاعره؛ حقيقة أنه كان يكره ليس فقط الأكسيون بل معظم السحرة أيضاً، التوت شفتاه بابتسامة ساخرة
“حقاً؟ إذاً سيرى لويتن جثتك.”
مد سكيون يده نحو غليزا، الذي ظل واقفاً مكانه يرتجف رعباً وقبل أن يقبض عليه، أمسكت يـي رانـغ بذراعه بقوة.
“لماذا تهدده..! من سيساعدك إذا فعلت ذلك!”
“……”
“أنت لا تقصد حقاً قتله، أليس كذلك؟”
“.. أنا جاد.”
انقبضت ملامح يـي رانـغ، واصطبغ وجهها بمزيج من الخوف والخيبة.
أثار ذلك المنظر شعوراً غريباً لدى سكيون، وكأنه رآه من قبل، وشعر باضطراب في معدته.
“آخ..”
“كوما؟”
داهمه صداع حاد كأن شخصاً ما يخدش دماغه من الداخل.
طفت إلى سطحه أفكار مبعثرة، حتى إنه شك في كونها تخصه انحنى جسده من الألم.
لا تستسلم! بل استسلم! كانت كل تلك الصرخات المشوهة صوته هو.
دارت الدنيا من حوله، وفقد وعيه وسقط في مكانه.
***
لنرِحل معًا.
ولكن إلى أين؟ هل هو هذا المكان؟
حتى بعد أن نسيتُك، لم أستطع نسيان ذلك الوعد وحده.
من أنتِ بحق الخالق؟ وأين أنتِ الآن؟
“انتظري…”
تمتم نحو ذلك السراب وهو يرفع جفنيه الثقيلين وقع نظره على سقف غرفة المعيشة المظلم، وكان جسده غارقاً في عرق بارد.
تناهى إلى مسامعه صوت حديث يـي رانـغ و غليزا.
كان صوت غليزا قد أصبح أكثر ليونة وهدوءاً كانت هذه هي المرة الثانية التي يستلقي فيها في هذا المكان ويتصنت على حوارهما.
“لماذا تساعدين سكيون ؟ أهو مجرد فضول أكاديمي؟”
“هذا جزء من الأمر.. ولكن حتى لو لم يكن كذلك، لكنتُ ساعدتُه فالبقاء وحيداً دون ذاكرة أو قوة هو أمر مرعب للغاية.”
” سكيون هو أسوأ مجرم في تاريخ الكون، وساحر خطر جداً لا تشفقي عليه.”
“.. في تاريخ الكون؟ ما الخطأ الذي ارتكبه تحديداً؟”
“لا أستطيع إخباركِ بالتفاصيل لا يُفترض بنا التدخل في شؤون البشر، وتقديم المعلومات يُعد نوعاً من التدخل..”
“ما هذا الكلام؟ ليس الأمر وكأنها نظرية مؤامرة فضائية..”
تنهد الاثنان في وقت واحد.
“اكبتي فضولكِ قليلاً سحر سكيون قد يغير مسار قدركِ.”
“.. علمياً؟ أم سحرياً؟ ولماذا؟ هل تنبعث جسيمات مضادة من أصوات السحرة مثلاً؟ ألا ينطبق الأمر عليك؟”
“قلتُ لكِ اكبتي فضولكِ!”
كانت يـي رانـغ ثابتة على حالها حقاً لسبب ما، شعورها بالثبات جعله يطمئن، فأطلق ضحكة خافتة وأغمض عينيه.
كما حدث في المرة السابقة، الاستلقاء هكذا والاستماع إلى أصوات حديثهما أثار في نفسه حنيناً غامضاً؛ تذكر موطنه الذي لا يعرف مكانه.
وكأن يـي رانـغ قرأت أفكاره، قالت فجأه
“صحيح، وبخصوص المكان الذي يوجد فيه نجم كوما.”
“أرجوكِ.. لا تنادي سكيون بهذا الاسم.. إنه مرعب..”
“آه، آسفة سأحذر على أي حال، المرشحان اللذان فكرتُ فيهما هما مكانان.”
“.. أنتِ حقاً مندفعة ولا تهابين شيئاً.”
“أحدهما هو برج العقرب ما رأيك؟ هل هو صحيح؟”
ساد صمت قصير، ثم ضحكت يـي رانـغ بخفة.
“ليس هو، أليس كذلك؟”
“لا.. لا أعلم.”
“بالطبع، لو كان نجماً لا يمكن رؤيته الآن لكنتَ أخبرتني.”
“……”
“.. إنه في سحابة ماجلان الكبرى، صح؟”
شهق غليزا من المفاجأة.
“لا تسألي…!”
“في سديم الرتيلاء، داخل سحابة ماجلان الكبرى.”
أصيب غليزا بالحازوقة من شدة الصدمة.
أما هو، فقد ظل هادئاً.
لم تكن هناك ذكريات تومض فجأة، ولا صدمة تضرب رأسه في الأصل، كان هذا محتوى قرأه هو أيضاً عشرات المرات أثناء بحثه في مكتبة يـي رانـغ.
ومع ذلك، رفع يده ليلمس القرط المرصع بالجوهرة الزرقاء في شحمة أذنه، والأقراط السوداء الثلاثة المثبتة فوقها تذكر أن الأقراط الثمانية كانت ربما رمزاً لموطنه.
سديم الرتيلاء.
ردد الاسم في عقله.
قيل إن هذا السديم يمكن رصده من نصف الكرة الجنوبي عندما يأتي السحرة، سيسلبهم قواهم السحرية ويتجه نحو الجنوب.
لكن في اليوم التالي، والذي يليه أيضاً، لم يأتِ لويتن.
Chapters
Comments
- 4 - الذاكرة المفقودة (3) منذ 14 ساعة
- 3 - الذكريات المفقودة (2) 2026-01-03
- 2 - الذكريات المفقودة (1) 2026-01-01
- 1 - تساقطت زخات الشهب 2026-01-01
التعليقات لهذا الفصل " 4"