3 - الذكريات المفقودة (3)
كان ذلك اليوم صافياً ، وكان مثالياً لمراقبة النجوم .
قضى نهاره بالكامل إما في النظر عبر التلسكوب أو في أخذ قيلولة بالطابق الأول رلربما كان ذلك بسبب افتقاره للمانا ، أو لأن عقله كان يطوف بحثاً عن ذكرياته المفقودة ، فقد كان يغلبه النعاس باستمرار .
أحياناً كانت تأتي يارانج لتسأل بقلق عما إذا كان سيأكل ، لكنه لم يبذل جهداً في التوضيح ، فكل هذا القلق سينتهي اليوم .
باستثناء تلك اللحظات ، كانت يي رانغ تقضي معظم وقتها حبيسة المختبر ، وعندما تركز ، لم تكن تشعر به مهما أحدث من ضجيج وبفضل ذلك ، كان يتجول براحة متصفحاً كتب الفلك والفيزياء المصطفة على رفوف المختبر .
من رف صغير منعزل عن بقية المختبر ، يحتوي على كتب علم التشفير ، سحب بضع مجلدات .
داخل الكتب ، ظهرت ملاحظات مكتوبة بخط اليد يبدو أنها تعود لـيي رانغ و رئيس المختبر بدا أن هذين الشقيقين يدرسان علم التشفير بجدية تامة .
تحرك فضوله بعد غياب ، فأخذ يقلب الصفحات بسرعة وعندما فتح الكتاب الثالث ، أدرك حقيقة واحدة .
” هل هناك شيء يرغبون في فك شفرته .. “
كانت كل تلك الملاحظات الصغيرة آثاراً لمحاولات مضنية لفك تشفر محتوى واحد. أغلق الكتاب فور اكتشافه لذلك .
سيسأل يي رانغ لاحقاً ، أما الآن فسيصنع كوباً من الشوكولاتة الساخنة .. أو ربما يأخذ قيلولة أخرى .
بينما كان يفكر بتكاسل ، خطرت له فجأة فكرة غريبة ماذا لو لم تسقط زخات الشهب ، واضطر للعيش متظاهراً بأنه روائي حقاً ؟ ماذا لو استطاع الاستراحة في هذا الكوكب لعشر سنوات ..
بمجرد أن وصل تفكيره إلى هنا ، شعور مفاجئ بالرفض تملكه عاد إليه ذلك القلق الذي شعر به أول مرة عندما استيقظ في هذا الكوكب ، وأخبره حدسه أنه لا ينبغي أن يسترخي بهذا الشكل .
منذ تلك اللحظة ، لم يلمس الشوكولاتة الساخنة وظل يراقب السماء فقط المشروبات الحلوة والقيلولة كانت تجعله يسترخي أكثر من اللازم .
عندما مالت الشمس نحو الأفق ، تمتم بكلمات لم يُعرف إن كان جاداً فيها أم لا .
” .. شكراً لك . بفضلك نجوت من مصير الروائي . “
كان هناك ضوء خافت يومض في السماء ، كانت التوابع قادمة .
ذهب إلى يي رانغ .
” تشون يي رانغ . “
” …… “
” تشون يي رانغ ! “
” واه ! ها ؟ ماذا هناك ؟ “
” اصعدي إلى غرفة الرصد للحظة هل تتذكرين ما قلته بالأمس ؟ “
أجابته يي رانغ بفظاظة أكثر من المعتاد ، ربما لأن مقاطعة تركيزها أزعجتها .
” هل تقصد كلامك عن التوقف عن تمثيل دورك إذا لم يظهر شيء ؟ “
” أجل ، أجل . “
صعدت يي رانغ وهي تتماطل غير مصدقة ، ووضعت عينها على التلسكوب وبمجرد أن نظرت إلى السماء عبر العدسة ، أطلقت صرخة عالية جداً وكلمات غير مفهومة سد أذنه بيد واحدة .
ركضت يي رانغ بسرعة البرق للطابق السفلي لتشغيل الأجهزة ثم عادت للأعلى مجدداً شعر بإعجاب خالص لكون البشر يمكنهم التحرك بهذه السرعة .
فجأة ، صرخت يي رانغ في هاتفها الذي كانت تمسكه .
” آه ، أخي ! “
[ يي رانغ ! شغلي كل أجهزة الرصد ! ]
” شغلتها كلها ! “
[ إنها زخات شهب ! ذلك الرجل كان على حق ! ]
” أعلم ! “
تراجع هو خطوة للوراء وهو يكتف ذراعيه يا له من صخب .. بدأت خيوط الضوء الباهتة تزين السماء .
” .. همم ؟ “
من بين خطوط الضوء المتساقطة ، كان هناك ضوء واحد يومض باللون الأحمر بشكل مزعج .
” .. تشون يي رانغ أين وضعتِ عصاي ؟ “
” آسفة ، انتظر قليلاً ! “
” سألتكِ أين هي ! “
” لا أعرف ! ربما في خزانة الأحذية ؟ “
ترك يي رانغ تتحرك في فوضى ونزل إلى الطابق الأول كانت عصاه مختلطة مع المظلات في خزانة الأحذية تمتم بشتيمة وهو يمسك العصا ، ثم ارتدى الرداء المعلق على حبل الغسيل .
أحد توابع الساحر كان يسقط بالقرب من هذا المرصد .
خرج من المرصد وراقب النقطة الحمراء كانت تقترب بسرعة دوت صرخة أعلى من الطابق العلوي ، يبدو أن يي رانغ لاحظت الأمر أيضاً .
استجابت عصاه للـمانا مسح بإصبعه على النابين الحادين الموجودين على مقبض العصا وهمس
أجل ، سأطعمكِ قريباً .
شق طريقه وسط الثلج الذي تراكم حتى خصره وذهب إلى النقطة التي سيسقط فيها التابع كان المكان غير بعيد عن ساحة المرصد .
سمع صوت نزول يي رانغ .
داخل كتلة الـمانا الحمراء التي كادت تصطدم به ، استخدم التابع الذي اكتشف وجوده سحراً على عجل .
” إيفيرا تريكسي ! “
توقف التابع فجأة في الهواء .
وبسبب الحرارة القوية التي جلبها معه ، ذاب الثلج في محيط عشرة أمتار وتلاشى في لحظة .
استغل الفرصة وغرس أنياب عصاه داخل الـمانا تفعّل السحر المنقوش على العصا وبدأ بامتصاص مانا التابع .
انقشعت الـمانا التي كانت تحيط بالتابع وظهرت حقيقته .
كان قنفذاً عملاقاً بحجم حافلة ، يمتلك أشواكاً تتوهج باللون الأحمر .
تألق الحجر الكريم في العصا باللون الأحمر مثل مانا القنفذ .
السحر الذي وضعه في عصاه لم يكن يفلت الـمانا بمجرد البدء في امتصاصها .
يبدو أن القنفذ لم يستوعب الموقف بعد ، فكان يحرك أنفه ويتلفت حوله .
” ائـه ؟ أين لويتن .. ؟ “
” كوما ! “
صرخت يي رانغ وهي تركض خارجة من المرصد عند سماع ذلك ، نظر القنفذ إلى يي رانغ بانزعاج .
” كيف يمكن لبشري أن ينطق بتلك الكلمة .. “
” لا تشغل بالك بذلك الجانب . “
” ومن أنت ؟ لا أشعر بـمانا تجعلك ساحراً هل أنت تابع ؟ “
” .. يا لك من بليد حان الوقت لتدرك الأمر . “
أمال القنفذ رأسه بغرابة ، ثم سقط فجأة على الأرض حاول القنفذ النهوض مذعوراً لكنه سرعان ما انهار مجدداً .
” آغ ، هذا السحر ، لا يعقل .. “
” كمية الـمانا وجودتها مثيرة للشفقة لكنها أفضل من لا شيء على أي حال . “
” سـ .. كيون .. ؟ “
كانت هذه آخر كلماته قبل أن يفقد القنفذ وعيه كان ذلك بسبب فقدانه السريع للمانا تلاشى الضوء الأحمر وأصبح لون القنفذ الآن بنياً عادياً .
ضرب بعصاه على الأرض .
” يكفي لا تمتصي كل شيء يجب أن أستخرج منه معلومات . “
توقفت العصا عن امتصاص الـمانا وكأنها فهمت كلامه .
التفت لينظر إلى يي رانغ .
كانت يي رانغ تجلس مسندة ظهرها إلى جدار المرصد الخارجي ، وقد غطت فمها بكلتا يديها والذهول يملأ وجهها .
” هـ .. هل مات ؟ “
” لا ، لقد فقد وعيه فقط . “
” .. هل أحضر لحافاً له .. ؟ “
” لن يموت حتى لو تركته هكذا . “
” ولكن .. “
” إنه ضخم حقاً ستحدث مشكلة إذا أثار جلبة ما . “
أدار العصا في يده دورة واحدة الـمانا التي امتصها من القنفذ لم تكن تكفي إلا لاستخدام سحر من مستوى منخفض جداً لبضع مرات استمد الحد الأدنى من الـمانا من العصا .
” .. إيفيرا فاتو ، إيفيرا تريكسي . “
توهج حجر العصا الكريم باللون الأحمر ، وفي لمح البصر ، تقلص حجم القنفذ ليصبح بحجم كف اليد سُمع صوت شهيق يي رانغ من خلفه .
تحقق من كمية الـمانا المتبقية ثم التقط القنفذ الملقى بارتخاء بقي أثر التربة المنضغطة في المكان الذي كان يقبع فيه القنفذ .
” هكذا انتهى الأمر ، أليس كذلك ؟ هل ندخل الآن لنتحدث قليلاً ؟ “
نظرت يي رانغ إليه بذهول ، ثم أومأت برأسها ببطء .
***
وضعت يي رانغ القنفذ على وسادة وغطته بمنديل ، ولا تزال أطراف أصابعها ترتجف قليلاً .
” .. أنا آسفة لأنني لم أصدقك حتى الآن . “
” وهل تصدقينني الآن ؟ “
” أجل بصراحة ، رغم أنني رأيت الأمر بعيني إلا أنني لا أشعر بأنه حقيقي تماماً .. “
تمتمت يي رانغ بذلك وشعر هو بنوع من الحذر في نبرتها يختلف عما كان في البداية ، كان حذراً نابعاً من مواجهة مجهول مطلق .
لم يكن حذر يي رانغ يزعجه بقدر ما كان يجعله يشعر بالأسف شعر أن يي رانغ لن تتعامل معه براحة كما كانت تفعل سابقاً يا له من شعور غريب بالأسف ، هل كنت شخصاً يحب البشر ؟
” .. كوما . “
” نعم . “
” ذلك القنفذ استجاب لتلك الكلمة ، أليس كذلك ؟ “
” …… “
” ما الذي تعنيه ؟ “
لم يتوقع أن تسأل عن ذلك فوراً كانت يب رانغ هادئة مقارنة بشخص رأى للتو قنفذاً يسقط من السماء .
” إنه أمر لا داعي لمعرفته ، هل أنتِ مصرة على ذلك ؟ “
” أجل . “
” …… “
” .. تجد الأمر مزعجاً ، أليس كذلك ؟ “
” بالطبع لإفهامكِ ذلك ، يجب أن أتحدث عن تكوين العالم علاوة على ذلك .. “
” علاوة على ماذا ؟ “
” .. لا شيء . “
ابتلع كلماته التي كانت تقول أنتِ تضغطين عليّ الآن . فبينما كانت تزعجه سابقاً باستخفافها بكلامه ، أصبحت يي رانغ الآن تستمع إليه بجدية مفرطة لربما كان حالها عندما كانت مستخفة أفضل .
” .. ينقسم العالم إلى باريون و أكسيون وهي مصطلحات تُستخدم في علم الفلك أيضاً ، ومعانيها متشابهة تقريباً . “
” هل تقصد الـ باريون .. التي تشير إلى كل المواد القابلة للرصد ؟ “
” متشابهة لكنها مختلفة قليلاً نحن نسمي تجسيد الضوء والحرارة ، أصحاب الحرارة ، بـباريون السحرة والبشر جميعهم باريون . “
حركت يي رانغ شفتيها بذهول
” إذن الـأكسيون .. هل هي ما أفكر فيه ؟ “
” ربما . “
” .. المادة المظلمة ؟ الطاقة المظلمة ؟ “
عندما أومأ برأسه ، فتحت يي رانغ فمها من الدهشة ثم أسرعت بإحضار دفتر وقلم بدأت عيناها تلمعان ، فتنهد هو بصوت خافت وتابع كلامه .
” الـأكسيون هي نقيض الـباريون أصحاب البرودة ، تجسيد الظلام والجليد .. هم العدو الطبيعي للـباريون . “
” عدو طبيعي ؟ لماذا ؟ “
” لأن الظلام يتحين الفرص دائماً لابتلاع الضوء أنتم تعيشون تحت حماية النجوم لذا لا تشعرون بذلك ، لكن ظلام الـأكسيون يختلف تماماً عن مفهوم الظلام لديكم . “
” …… “
” حسناً ، يكفي هذا كل ما عليكِ معرفته هو أن الـباريون يتجنبون الـأكسيون إلى أقصى حد . “
أومأت يي رانا برأسها وهي تدون شيئاً ما بجدية .
” سحر الـباريون ينقسم إلى ثلاثة أنواع : سحر الفضاء إيفيرا ، وسحر الزمان فيرنو ، وسحر الحرارة فوتيا . “
” سحر الزمان ؟ هذا غير معقول .. إذن ما هو السحر الذي استخدمته عندما نقلت القنفذ ؟ “
” سحر الطفو إيفيرا تريكسي وسحر الضغط إيفيرا فاتو كلاهما يعتبران من الأنواع السهلة في سحر إيفيرا . “
” فهمت إذن هل كوما هي تخصصك ؟ من أي نوع هي ؟ “
هز رأسه بخفة أمام إلحاح يي رانغ في السؤال .
” .. كوما هو سحر الـأكسيون الـباريون لا يمكنهم استخدامه ، بل إن مجرد النطق باسمه يعد من المحرمات . “
” هاه ؟ إذن هل أنت أكسيون ؟ “
توقف عن الكلام للحظة .
” لا أدري كل ما أعرفه هو أن أصلي كان باريون . “
” على أي حال ، هذا يعني أنك تستطيع استخدام كليهما أنت ساحر مذهل حقاً ، أليس كذلك ؟ “
” …… “
” لكن ماذا فعلت بالضبط لتفقد ماناك وذكرياتك وتأتي إلى هنا ؟ “
ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما البعض بصمت للحظة .
” لا أعرف . “
” .. أنت مهمل قليلاً ، أليس كذلك ؟ “
” بعد كل هذا الشرح الذي قدمته .. “
أثناء حديثه مع يي رانغ ، أدرك حقيقة أنه لا يتذكر حتى الغرض أو الطريقة التي حصل بها على سحر كوما كان يخمن فقط بأنه لابد وأنه كان أمراً مهماً .
كلما زادت الأسئلة ، كان يتذكر الشخص الذي يظهر دائماً في أحلامه واشتعل فضوله .
هل يا ترى تعرف أنت إجابات كل هذه الأسئلة ؟ هل أنت موجود هنا أيضاً ؟ وإن كنت موجوداً ، فهل تبحث عني ..
***
في تلك الليلة، سمع صوت يي رانغ وهي تتحدث مع رئيس المختبر في غرفتها كان صوتها منخفضاً، لكنه كان يسمعه بوضوح تام استلقى تحت الأريكة وأرهف السمع.
< هل ستكونين بخير؟ هل أتصل بفريق الإنقاذ الجبلي؟ >
” لا ، لا أعتقد أنه سيهددني ثم يا أخي، هذه فرصة. “
< أي فرصة؟ >
” فرصة لكشف أسرار الكون! لقد تحدث بالفعل عن المادة المظلمة وسحر الزمان لا يمكنني تفويت هذه الفرصة. “
يا لها من جريئة شعر برغبة في الضحك من شدة ذهوله كان يظن أن رئيس المختبر سيمنع يي رانغ .
< .. في الحقيقة، أنا أيضاً أفكر بهذه الطريقة. >
في النهاية، لم يستطع كبح ضحكته المنفجرة، فدفن رأسه في اللحاف لقد كانا شقيقين غريبي الأطوار حقاً يرفضان فكرة الروائي مجهول الهوية، لكنهما يتقبلان فكرة الكائن الفضائي.
< بدلاً من ذلك، اتصلي بي باستمرار بمجرد أن يذوب الثلج، سآتي أنا أيضاً فوراً. >
” أنت تغار مني، أليس كذلك؟ “
< بالطبع .. >
كان كتفاه يرتجفان الآن من كثرة الضحك بدا أن الشقيقين قد فقدا صوابهما قليلاً بسبب شغف البحث والفضول كانا يحذران منه، لكنهما لم يخافا منه ولو بمقدار ذرة.
منذ تلك الليلة، تحول فجأة من مجرد غريب إلى موضوع بحث لهذين الشقيقين، وأصبح في نظرهما كائناً فضائياً ذكياً ومتطوراً للغاية .
• نهـاية الفصل •
Chapters
Comments
- 3 - الذكريات المفقودة (3) 2026-01-03
- 2 - الذكريات المفقودة (1) 2026-01-01
- 1 - تساقطت زخات الشهب 2026-01-01
التعليقات لهذا الفصل " 3"