1 - تساقطت زخات الشهب
هطلت زخات من الشهب.
لقد كانت ظاهرة ف
لكية شوهدت في جميع أنحاء العالم، في اليوم والساعة ذاتهما ومن بينها، كانت هناك شهب ساطعة لدرجة أن ضوء الشمس لم يتمكن من حجبها.
سُحر الجميع بذلك المشهد الغريب والجميل، ووقفوا مذهولين أمام عظمته.
من بين تلك الشهب التي عبرت السماء، سقط بعضها على الأ
رض.
ولكن، لم تكن تلك مجرد نيازك صخرية.
بل كانوا… سحرة.
***
وقف رجلٌ أمام طريقٍ مقطوع، يتأمل بجزعٍ الجبلَ الذي غطته الثلوج ومع كل زفيرٍ يخرج من فمه، كان يتصاعد بخارٌ كثيفٌ يملأ الهواء البارد.
كان يرتدي رداءً أسود طويلاً، ويمسك في يده عصاً سوداء وبشعره وعينيه اللذين يكتسيان بالسواد التام، كان يبدو من بعيد وكأن قطرة حبرٍ قد سقطت وسط جبلٍ من الثلج.
أخرج الرجل، الذي كانت تتدلى من أذنه
قطعة من المجوهرات الزرقاء الطويلة، قصاصة ورقٍ مجعدة من الجيب الداخلي لرداءه.
تمتم قائلاً
“مقاطعة غانغوون، يونغ وول… طريق جبل بونغلي هذا هو المكان الصحيح، لكن الأمر غريب.”
كانت المنطقة المحيطة مقفرة، خالية تماماً من أي مساكن بشرية وعلى عكس ما قيل له عن وجود مرصدٍ فلكي عند قمة الجبل، لم يكن هناك أي طريقٍ ممهد أو مسارٍ للتسلق يؤدي إلى هناك.
في هذه الأثناء، بدأت الشمس تغيب خلف حواف الجبل، مما أدى إلى انخفاض درجات الحرارة بشكل حاد ومفاجئ.
غرس عصاه في الأرض ليتفحص العمق، فتبين له أن الثلوج قد تراكمت حتى وصلت إلى مستوى فخذيه.
تنهد
“… لا حيلة لي إذن.”
خطا خطوته الأولى وسط الثلوج الكثيفة وبينما كان يتوكأ على عصاه التي رُصع مقبضها بثمانية أحجار كريمة زرقاء، بدأ يشعر بالاستياء
.
لم يستطع منع نفسه من التذمر؛ فلو كانت قواه مكتملة ولو قليلاً، لتمكن من صعود هذا الجبل في لمحة بصر باستخدام سحره.
لقد كان هذا الرجل ساحراً.
***
وصل إلى القمة بعد مسيرة ساعتين.
كانت هناك قبة فلكية صغيرة مكونة من ثلاثة طوابق لولا تلك القبة الزجاجية المستقرة على السطح، لظن المرء أنها مجرد كوخ جبلي متواضع.
لم ينل منه التعب رغم وعورة الطريق، لكنه كان يشعر بالبرد لغياب طاقته السحرية التي كانت تحيط به دائماً كان شعوراً غريباً عليه؛ فهو لم يختبر البرد قط في حياته فرك يديه المتصلبتين بغرابة، ثم أمسك بمقبض الباب.
انفتح باب المرصد بسلاسة، وفور دخوله، لفتحه نسمة هواء دافئة بدأ الثلج العالق بساقيه ورداءه بالذوبان.
تمتم الرجل بكلمات تدل على حنقه
“… إنه منزل عادي، تباً…”
غلاية ماء فوق موقد حراري، أريكة صغيرة وطاولة، وملابس ملقاة على الكراسي… مهما حاول تجميل الصورة، لم يكن هذا المشهد لمركز أبحاث أو قاعة عرض.
تنهد بعمق وهو يشعر أن رحلته ذهبت سدى، وكان العودة تبدو أمراً شاقاً بينما جسده المتصلب لم يسترخِ بعد.
في تلك اللحظة، نزلت امرأة ذات شعر أسود قصير من الدرج الخشبي، مرتدية ثياب نوم وفوقها رداء من الصوف ما إن
رأته حتى جمدت في مكانها من الصدمة، وكادت تسقط كوباً كانت تحمله.
سألت بتلعثم
“من أنت؟ وكيف…؟”
“وجدته مفتوحاً ،هل دخولي ممنوع؟”
“يا إلهي، هل أنت بخير؟ انتظر لحظة، سأحضر لك منشفة! آه، واخلع حذاءك قبل الدخول!”
نزلت الدرج بضجة وعجلة حاول الرفض لكنها كانت مصرة ولا تستمع.
أجبرته على تبديل ملابسه ببدلة رياضية، ثم شرعت فوراً في غسل ردائه وثيابه ووضعت الدبابيس (البروشات) التي كانت تزين رداءه في صف واحد فوق الطاولة.
كانت تلك البدلة الرياضية، التي تعود لمدير المرصد، ضيقة عليه قليلاً.
“لماذا أنتِ وحدك هنا؟ أين المدير؟”
“لقد ذهب في رحلة عمل أيّهما تفضل، الشوكولاتة الساخنة أم البابونج؟”
“… لم أجرب أياً منهما من قبل.”
“ماذا؟ أوه… حسناً، سأعد لك مثل ما أشرب.”
قدمت له الشوكولاتة الساخنة، وعليها قطعتان من المارشميلو تطفوان على السطح جذبت الرائحة الحلوة والمرة حواسه، فارتشف منها رشفة.
كان طعماً كفيلاً بتهدئة أي غضب ومع الدفء اللطيف الذي سرى في أطراف أصابعه ومعدته، بدأ عبوسه يختفي ببطء.
بسبب وجود أريكة واحدة فقط، جلسا جنباً إلى جنب.
ضمت المرأة ركبتيها إلى صدرها، بينما كان خفّها المنزلي ملقىً على الأرض بغير ترتيب.
“إذن، بتوصية من
جئت إلى هنا؟”
“سؤالكِ جاء متأخراً نوعاً ما.”
“يكفيني أنك لست لصاً أو مجرماً في مثل هذا الجو، لا يمكنني طرد أحد من الباب.”
لقد أغفلت ذكر أنها فتشت أمتعته بحجة الغسيل لم يعلق على ذلك، بل اكتفى برشفة أخرى بدت له في ظاهرها مهملة، لكنها كانت في الواقع دقيقة ومنتبهة لكل شيء.
“أخبروني في مرصد هواتشون أن آتي إلى هنا قيل لي إن بإمكاني الرصد دون حجز مسبق حتى في هذا الوقت.”
“المراصد تزداد شعبيتها في الشتاء… خاصة في شهر فبراير.”
تحدثت معه بلهجة غير رسمية وببساطة.
لم يكلف نفسه عناء إخبارها بأن بطاقة الشخص الذي رشح له المكان موجودة في ردائه، فهو يدرك أنها رأتها بالفعل.
“لماذا وجهك مدير ذلك المرصد إلى هنا؟ نحن لا نستقبل السياح أصلاً.”
“إذن، هذا المكان مرصد فلكي حقاً…”
شعر براحة حقيقية كانت هي تراقبه بطرف عينها بين الحين والآخر.
“ماذا؟ هل أبدو مشبوهاً؟”
“هاه؟ لا، ليس الأمر كذلك…”
“بالتأكيد سأبدو مشبوهاً فلا مال معي ولا بطاقة هوية.”
هزت رأسها موافقة بعد صمت قصير، وقالت بصوت خافت
“هذه أول مرة أرى فيها شخصاً يتجول دون هاتف محمول.”
وضع الكوب على الطاولة؛ لقد فرغ تماماً.
“أنا نجم أو كما تطلقون عليّ في لغتكم، ساحر “
“نجم؟ ساحر؟”
“نعم ، أتيت إلى هنا في ذلك اليوم الذي تساقطت فيه الشهب قبل عدة أيام.”
“آه~ لهذا كنت
ترتدي مجرد رداء واحد في عز الشتاء؟ لأنك ساحر ؟”
“… إنه ليس مجرد رداء، بل عباءة سحرية.”
“سيان.”
ضحكت بخفة وبدأت حواجز حذرها تنهار عقد هو ذراعيه بضيق أمام رد فعلها العابث، بينما تابعت هي بحماس
“عرفت! أنت كاتب طموح، أليس كذلك؟ جئت لتسأل عن معلومات لروايتك؟ يأتي أمثالك إلى هنا أحياناً.”
“أنتِ لا تصدقينني.”
“أي عالم فلك سيصدق كلاماً كهذا؟ أرني دليلاً إذن، استخدم السحر.”
“لا يمكنني استخدامه الآن.”
عندما أشاح بنظره بعيداً، هزت رأسها وكأنها توقعت هذا الرد.
“ولماذا لا يمكنك؟”
“… يبدو أن حادثاً وقع أثناء انتقالي حين استعدت وعيي، كنت في سفوح جبال غانغوون، وكان اتصالي بـالجسد الرئيسي قد انقطع.”
“الجسد، هههه، الرئيسي…”
“بسبب تبعات ذلك، ذاكرتي وقواي السحرية ليست مكتملة لهذا لا أعرف اسمي، ولا الهدف من مجيئي إلى هنا.”
وصل بها الضحك إلى حد التصفيق بيديها فكر الرجل بجدية في صفعها والرحيل.
“فقدان ذاكرة؟ يا صاح، هذه حبكة مستهلكة جداً!”
“… لا تزالين لا تصدقين.”
“لماذا تؤدي هذا الدور ببراعة؟ هل لتنغمس في كتابتك؟”
“كفي عن هذا.”
عندما قطب جبينه بحدة، حاولت تهدئة ضحكها بصعوبة.
“أوه، لا تغضب حسناً، سأصدقك وكيف ستعيد ذلك الاتصال المنقطع ؟”
“عليّ أن أقوم بالرصد عندما يتعرف الجسد الرئيسي وأنا على بعضنا البعض، سيعود الاتصال لهذا جئت إلى المرصد.”
“مثل اقتران البلوتوث ؟”
“ما هذا؟”
“
يا لك من متقن لدورك…”
ارتشفت رشفة من شوكولاتها الساخنة ثم سألت
“وكيف تنوي العثور على نجمك؟ هل ستفحص جميع النجوم في السماء واحداً تلو الآخر؟”
“سأفعل ذلك.”
“واو، أنت مضحك حقاً!”
فجأة، مدت يدها نحوه صافحها ببرود وهو يشعر بالضيق
“أنا تشون يي رانغ نادني يي رانغ وأنت، بماذا أناديك؟ أعطني على الأقل مسمى نجمك.”
“… ألم أقل لكِ إنني أنا النجم؟ لقد نسيت اسمي!”
“آه، فهمت.. لم تقرر بعد أي نجم ستختار لشخصيتك؟”
“يا هذه!”
هزت يي رانغ يدها الممسكة بيده وهي تضحك بخفة بدا أن فضولها واهتمامها قد غلبا حذرها، بينما كان هو يشعر باستياء حقيقي. وبينما كان يهمّ بالرد، قدمت يي رانغ عرضاً غير متوقع
“هل أساعدك؟”
“ماذا؟”
“لا بد أنك وضعت تصوراً أو إعدادات معينة لقصتك سأبحث لك عن نجم يناسب تلك الأوصاف لقد جاء عرضك في وقته، فأنا أشعر بالملل على أي حال.”
“اسمعي، أنتِ تتمادين في هذا… أنا ساحر حقيقي.”
“فهمت، فهمت~”
تمتم في نفسه بضيق
“ماذا فهمتِ؟ أنتِ لا تفهمين شيئاً…”
قرر في النهاية التخلي عن محاولة إفهامها لا يهمه إن أساءت فهمه أم لا، فكل ما يحتاجه هو العثور على نجمه وبما أن هناك شخصاً خبيراً بالنجوم عرض مساعدته طوعاً، فلا يوجد سبب للرفض.
“… على أي حال، سأكون ممتناً لمساعدتك أنا أعتمد عليكِ.”
“اتفقنا! وأنا أيضاً، أرجو أن ننسجم معاً خلال هذا الشهر.”
“شهر؟”
“الثلوج ستهطل مجدداً الليلة، وسينقطع ال
طريق تماماً لن يذوب الثلج إلا في نهاية الشهر.”
“يا للهول…”
“ابقَ هنا حتى ذلك الحين، واكتب قصتك! وبالنسبة لتكاليف الإقامة والطعام، يمكنك إرسالها لي حين تعود.”
“… حسناً.”
فكر في نفسه أنه سيغادر فور استعادة قواه السحرية على أي حال ثم حاول تذكر شيء يمكنها مناداته به بدلاً من اسمه المفقود.
“… ناديني كوما سكيون”
“ماذا؟ إذن أنت تعرف اسمك!”
“ليس اسماً… بل هو لقب كان يطلقه الآخرون عليّ.”
“وما معناه؟ هل هو عنقود نجمي؟ أم سديم؟”
تردد وهو يمرر لسانه على شفتيه؛ لقد بدأ يشعر بما سيحدث الآن.
“ماسح الظلال.”
شعر أنها ستسخر منه، وبالفعل، دوى صدى ضحكاتها في أرجاء المنزل الصغير.
صبت يي رانغ المزيد من الشوكولاتة الساخنة في كوبِه كان هذا هو الشيء الوحيد الذي نال إعجابه من بين كل تصرفاتها.
وهكذا، بدأت قصة تعايش غريبة بين ساحرٍ فقد بريقه وأصبح عادياً، وعالمة فلك غير عادية.
• نهـاية الفصل •
Chapters
Comments
- 2 - الذكريات المفقودة (1) منذ 22 ساعة
- 1 - تساقطت زخات الشهب منذ 22 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 1"