حين رفعتُ جفوني المثقلة بثقلِ سباتٍ طويل، أبصرتُ السقف المألوف الذي لطالما كان أول ما تراه عيناي حين أستيقظ.
‘كم نمتُ يا تُرى، حتى أشعر بهذا الانتعاش الغريب يسري في كل خلية من جسدي؟’
يا لسخرية القدر… أن أنهارَ بالدماء في أول حفلة عيد ميلادٍ يقيمها كاليجو.
ماذا لو قرّر في العام القادم ألا يحتفل بعد الآن؟
‘لكن… لم آكل شيئًا فاسدًا، فلماذا إذن تقيّأت دمًا؟’
هل لأنني أفرطتُ في الطعام؟
بينما كنتُ أغرق في تلك التأملات السخيفة،
انفتح الباب بصوتٍ معدنيٍّ هادئ — تْشَك.
ورأيت كاليجو يدخل بخطواتٍ حازمةٍ وقلقة.
“أبي!”
ابتسمتُ له ابتسامةً مشرقة، متعمّدةً أن أبدو بخيرٍ لأطمئنه.
اقترب منّي بخطواتٍ واسعة، وفي عينيه ظلّ الخوف الذي لم يزل بعد.
جلس على حافة السرير، ثم مدّ يده الكبيرة ببطءٍ حتى لامست وجهي.
كانت أصابعه دافئة، تتحرك برفقٍ كأنها تخشى أن تجرح النسيم.
لم يقل شيئًا… فقط ظلّ يُمرّر كفّه على وجنتي بصمتٍ يقطر حنانًا وألمًا دفينًا.
شعرت بدغدغةٍ طفيفة، ثم بحرارةٍ تتسلّل إلى صدري، وراحت عيناي تهربان هنا وهناك من خجلٍ مباغتٍ لم أستطع تفسيره. وفجأة، دون سابق إنذار، ضمّني كاليجو إلى صدره.
تجمّد الهواء.
توقّف الزمن للحظة.
نسيتُ كيف يُؤخذ النفس وكيف يُردّ.
كانت يداه تلتفّان حول رأسي، تحيط بي كأنّ العالم بأسره قد انكمش في تلك اللحظة إلى حضنه فقط.
دَق… دَق… دَق…
في صمت الغرفة، كان صدى نبض قلبه يتردّد ببطءٍ مهيب،
نغمةٌ عميقةٌ تشبه صوت المطر حين يهمس على زجاجٍ باردٍ في ليلةٍ بعيدة.
كان قلبه ينبض كعادته — هادئًا، ثابتًا، مطمئنًا.
ومع ذلك، حين أنصتُّ أكثر، أحسستُ أنه يخفق بخوفٍ لم يُعبّر عنه.
‘لابد أنه خاف كثيرًا.’
مددتُ يدي الصغيرة، ورحتُ أربّت على ظهره كما كانت تفعل أمي لي حين أبكي.
“أنا بخير الآن، أبي.”
لكنه لم يجب.
وظلّ يعانقني طويلًا، كأنّه لا يثق بعدُ بعينيه أنني ما زلتُ هنا، بين يديه.
“آه…”
“آآه~”
فتحت فمي لتلقّي الملعقة التي ناولني إياها كاليجو، دون تردّدٍ ولا اعتراض.
“هل أعجبكِ الطعم؟”
ابتسمتُ ابتسامةً واسعةً تفيض طفولةً وامتنانًا.
“نعم! لأنك أنت مَن قدّمه لي، صار أطيب من أي شيء!”
لم يقل شيئًا، اكتفى بأن مسح بأنامله ما تبقّى من الحساء عند طرف شفتيّ.
كنتُ قد شُفيت تمامًا بفضل العلاج في المعبد، بل كنتُ أشعر بطاقةٍ تكاد تنفجر في عروقي،
ومع ذلك، ما زال كاليجو يتعامل معي كما لو أنني مريضةٌ هشة.
في البداية كان ذلك يحرجني،
لكن مع الوقت… وجدتُ في اهتمامه ذاك دفئًا يُغري القلب، فاستسلمتُ له برضا، مستمتعةً بدلالٍ لم أعرفه من قبل.
‘لكن ما السبب الحقيقي لتقيّؤي الدم؟’
بحسب ما قاله كاليجو،
يبدو أنني حاولتُ استخدام سحرٍ شيطانيٍّ في جسدٍ يخلو من المانا، فارتدّ السحر عليّ وتسبّب في انهياري.
لكنني لم أستخدم سوى سحر مشاركة الرؤية مع روس، وذلك على فتراتٍ متباعدةٍ جدًا.
حتى روس نفسه قال إنّ الأمر لا يرهقني، لأن المانا التي تُستهلك تكون من طاقته هو لا من جسدي.
‘فما الذي حدث إذن؟’
ليت في هذا العالم ما يشبه فحوصات الجسد.
لكن الطبّ هنا لم يتطوّر قطّ، لأن الناس اعتمدوا على السحر بدلًا منه.
“يدكِ.”
توقّف تفكيري عند صوت كاليجو العميق.
مدّ يده نحوي بهدوءٍ وقال:
“أعطِني يدكِ.”
رمشتُ بدهشةٍ خفيفة، ثم مددتُ يدي اليمنى دون تفكير.
قبض على يدي بلطفٍ، ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا، ووضعه في راحة كفّي.
كانت علبةً صغيرةً من المخمل الأبيض،
ناعمةً كأنها قطعةٌ من سحاب.
رفعتُ نظري إليه بعينين متسائلتين، ثم فتحت العلبة بحذر.
بداخلها، تألّقت حلقةٌ فضيةٌ تُشبه تمامًا خاتم الزواج الذي يضعه هو في إصبعه.
“أبي… هذا…”
“نعم، إنه خاتم أمّكِ.”
لم يكن خاتمًا عاديًا.
بل ذاك الذي يتبادله العاشقان حين يُقسمان أن يبقيا معًا إلى الأبد.
“ولِمَ تعطيني إياه؟”
“لقد أضفتُ إليه تعويذةً تحجب المانا. سيناسبكِ تمامًا مهما تغيّر حجم يدك، فارتديه حيث تشائين.”
هل أعطاني إيّاه خشية أن أستخدم السحر مجددًا وأسقط مرةً أخرى؟
لكن… كان بإمكانه أن يختار أي شيءٍ آخر،
لماذا بالذات خاتم الزواج؟
“لكن هذا الخاتم ثمين جدًا بالنسبة إليك، أليس كذلك؟ هل يحقّ لي أن آخذه؟”
“سيرينا ظهرت لي في الحلم، وقالت إن عليّ أن أُعطيه لكِ.”
تسارعت أنفاسي للحظة.
أن يرى كاليجو حلمًا كهذا… كان أمرًا يفوق الخيال.
‘سيرينا… لا بد أنها ملاك.’
وإلا، فكيف لامرأةٍ راحلةٍ أن تحمي فتاةً ليست من دمها حتى في أحلام السماء؟
‘شكرًا لكِ، سيرينا.’
دعوتُ في صمتٍ أن تصل كلماتي إلى العالم الذي تسكنه.
ثم ابتسمتُ لكاليجو ابتسامةً مشرقةً تمزج الامتنان بالحبّ والوفاء.
“شكرًا لك يا أبي… سأحتفظ به طوال حياتي.”
* * *
في قاعة العرش، التي تضاهي عظمة الإمبراطورية ذاتها،
امتدّ المشهد كلوحةٍ مقدّسةٍ مُفعمةٍ بهيبة التاريخ ووقار الضوء.
الجدران العالية كانت تُزَيَّن بنوافذٍ من الزجاج الملوّن، تحكي على صفائحها الزجاجية حكاية الإمبراطورية منذ فجرها.
تتسرّب عبرها أضواءٌ زاهيةٌ كأنها أنفاسُ الآلهة،
فتغمر القاعة بضوءٍ ذهبيٍّ أخّاذ، يزيد مراسم التنصيب قداسةً وجلالًا.
وفي نهاية السجّادة الحمراء الممتدة من البوّابة حتى قلب القاعة،
وقف العرش الوحيد، عرشٌ ذهبيٌّ تُظلّله قُبّةٌ زجاجيةٌ شفّافة تسكب أشعة الشمس على ملكها.
عادةً ما تُمنح ألقاب الفروسية في حفلات تخرّج الأكاديمية، لكن أولئك الذين يتخرّجون في الصدارة يُمنحون شرف التتويج على يد الإمبراطور نفسه.
وكان ذلك شرفًا لا يُضاهى.
صعد زينوس الدرجات بخطواتٍ ثابتةٍ،
تتطاير عند كتفه عباءةٌ سوداء تُخفي صدى المعارك التي اجتازها.
وحين بلغ العرش، جثا على ركبةٍ واحدةٍ بانحناءةٍ مهيبة.
وقف الإمبراطور ريتشارد،
ونظر إليه نظرةً باردةً كأنها تُزنُ العالم بأكمله.
ثم مدّ يده، فتقدّم كبير الخدم بخضوعٍ وقدّم سيف الإمبراطورية.
أمسك ريتشارد بالسيف،
ورفع صوته المهيب الذي دوّى كالرعد في فضاء القاعة:
“أيها الفارس… لا تتراجع أمام الشر، ولا تخشَ الموت.
وإن انكسر سيفك وانحنى قلبك، فلتُشعل الشجاعةُ فيك نورَ النهوض من جديد.”
لقد أسرع في الخروج ليهرب من لقائها، لكن القدر كان أسرع منه.
أخفيا امتعاضهما بانحناءةٍ رسميةٍ مهذبة.
“صاحبة السمو.”
ابتسمت الإمبراطورة وقالت بنغمةٍ ناعمةٍ مريبة:
“أهنّئك بلقب الفروسية يا اللورد زينوس… أو لعلّ عليّ أن أناديك الآن بالفارس زينوس؟”
انعكست في عينيها البنفسجيتين لمعةُ خبثٍ لا تخطئها العين.
“أشكركِ، جلالتك”
أجابها بصوتٍ هادئٍ،
لكن في أعماق نظرته كانت نصلًا من جليدٍ صامتٍ حادّ.
قالت وهي تبتسم ببرود:
“شابٌ يافعٌ يتخرّج في قمة الأكاديمية، ويتقن فنون السحر أيضًا… المستقبل مفتوح أمامك يا فارسنا.”
“…أنتِ تبالغين في لطفكِ.”
قبض زينوس على قبضته بقوةٍ،
محاولًا أن يُخفي الغليان الذي كان يشتعل في صدره.
لاحظت إيزابيل ذلك — واستمتعت به.
ثم أومأت لخادمتها الواقفة بجانبها،
فأقدمت الأخيرة وقدّمت له صندوقًا صغيرًا.
قالت الإمبراطورة بابتسامةٍ كأنها تنحتها من السمّ:
“هديتي المتواضعة إليك، لا ترفضها.”
كانت ابتسامتها إهانةً مغلفةً بالذهب.
ولو أراد زينوس، لكان في مقدوره أن يقطع عنقها في تلك اللحظة بسيفٍ واحد.
لكن لا —
الموت نعمةٌ لا تستحقها تلك المرأة.
انتهى اللقاء المشحون الذي كاد الهواء نفسه أن يتجمد فيه من حدّة التوتر، وبعد خروجهما من القصر الإمبراطوري، قرر زينوس وديون المرور على الحيّ التجاري قبل العودة إلى الدوقية الكبرى.
كان ذلك من أجل شراء بعض الحلوى لسيرينيتيا.
وبينما كانا يسيران على مهلٍ في شوارع المدينة المضيئة بأنوار المساء، توقّف بصر زينوس فجأة عند واجهةٍ تغمرها ألوانٌ لا تُعدّ ولا تُحصى — متجرٍ صغيرٍ للزهور يفيض بالحياة والعطر.
توقّف زينوس دون قصد، وكأن قدميه جمدتا في مكانهما، وأخذ يحدّق بصمتٍ في الزهور التي تتماوج تحت ضوء الغروب.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، شفافة كأنها وُلدت من الحنين.
راقبه ديون عن قرب، متسائلًا بنظرةٍ يغمرها الغموض:
“ما بك؟”
فأجاب زينوس، وصوته يخفت حتى كاد يهمس:
“ألا ترى أن هذه الزهرة… تشبه سيرينيتيا؟”
وأشار بأصابعه الطويلة نحو زهرةٍ ورديّةٍ باهتة، كانت كأنها رُسمت بفرشاةٍ غمرها الحلم — زهرة الرانونكيولس، بلونها الوردي الناعم كأنها تستحي من ضوء النهار.
تأملها ديون بدوره، ولم يلبث أن انفرجت شفتاه بابتسامةٍ خفيفة.
“حقًّا، إنها تُشبهها.”
لم يضف شيئًا بعد ذلك، لكنه أدرك في قرارة نفسه أن سيرينيتيا فعلًا تملك ذات النقاء، وذات الرقة، وذات اللمسة التي تجعل العالم يبدو أقل قسوة.
‘أشتاق إليها… أريد أن أراها الآن.’
راود زينوس ذلك الخاطر فجأة، وفي ذهنه تومض صورة سيرينيتيا وهي تحتضن باقة الزهور، تبتسم بخجلٍ مشرق، وعيناها تبرقان كما لو كانتا تُضيئان له العالم بأسره.
تلوّن وجهه بحمرةٍ خفيفة، ابتسامةٌ حييةٌ انبعثت من قلبٍ عاشقٍ حتى النخاع.
وفي النهاية، اشترى زينوس تلك الباقة التي لم تكن ضمن خططه مطلقًا.
غير أن اندفاعه لم يتوقف هناك — بل كان ذلك مجرد بدايةٍ صغيرة لانفجارٍ من الحماسة والحنين.
فجأة، أعلن أنه يريد أن يحيك وشاحًا لها بيديه، وراح يشتري الصوف والإبر من متجرٍ مجاور.
ثم خطر بباله أن يُطرّز لها منديلًا خاصًا، فاقتنى قماشًا فاخرًا وخيوطًا ملونةً من أفخر الأنواع، وكأن كل لونٍ يروي قصيدة عن حبه لها.
ولم يكتفِ بذلك.
بل قرر شراء كل ما رآه في متجر الحلويات، مدّعيًا أن سيرينيتيا ستحبّ كل قطعةٍ منها — واحدةً تلو الأخرى.
عندها فقط، حين امتلأت ذراعا ديون بالأكياس حتى كادت تخفي وجهه، انتهت جولة تسوق زينوس التي لم يعرف منها الاقتصاد طريقًا.
في الماضي، لم يكن زينوس قادرًا على تقديم أي هديةٍ تليق بسيرينيتيا.
ورغم أن الدوقية كانت تمنحه مخصّصاتٍ مالية سخية، إلا أنّ سيرينيتيا كانت ترفض دائمًا أن يُنفق ماله عليها، وكان هو يحترم ذلك في صمتٍ يليق بنقاء قلبها.
لكن هذه المرة كانت مختلفة — فقد كسب أمواله بنفسه.
كانت أول ثروةٍ حقيقيةٍ يجنيها بعرق جبينه، جائزة الفوز الكبرى في مهرجان “إيوس”.
‘ومع ذلك… ربما تماديت قليلًا.’
تنهد ديون بخفوتٍ، محاولًا إخفاء دهشته أمام حجم المشتريات الذي كانا يحملانه معًا.
كان كلٌّ منهما غارقًا في أكياسٍ من الزهور والحلوى والخيوط، حتى كاد وجههما يختفي خلفها.
“يا لك من مجنونٍ بحق…” تمتم ديون، محدّقًا بصديقه نظرةً نصفها عتبٌ ونصفها إعجاب.
لكن زينوس لم يردّ سوى بابتسامةٍ خفيفة، عينيه تنضحان بدفءٍ عميقٍ وكأنه يعترف دون كلمات:
“أعلم، أعلم… لقد أصبت بداءٍ لا شفاء منه.”
ثم همس ساخرًا من نفسه، وملامحه يغمرها الحياء والحبّ في آنٍ واحد:
التعليقات لهذا الفصل " 42"