انعكست صورة سيرينيتيا المنهارة في عيني كاليجو الداكنتين، كأن الحزن ذاته وجد فيهما مرآةً يسكنها.
وساد صمتٌ خاطف، صمتٌ ثقيل كالسكون الذي يسبق العاصفة، كأن العالم حبس أنفاسه في انتظار القرار القادم.
لكن كاليجو لم يحتج سوى لحظةٍ واحدةٍ ليقرر.
في طرفة عين، ضمّها إلى صدره بقوةٍ كمن يخشى أن يختطفها القدر، واستدعى سحر الانتقال الآني.
وفي ومضةٍ من الضوء، تبخّر المكان من حولهما، وانتقلا إلى المعبد الأعظم القابع في قلب القارّة، حيث تلتقي الأرواح بالسكون الأبدي.
غير أن آثار السحر العنيف سرعان ما ارتدت عليه، إذ ترنّح جسده القوي للحظة، ثم جثا على ركبةٍ واحدةٍ محاولًا استعادة توازنه.
كان سحر الانتقال الآني يلتهم طاقة الساحر كما تلتهم النار وقودها، تتضاعف كلفته مع المسافة وعدد المرافقين.
ولهذا لم يجرؤ أحد على استخدامه إلا في أشدّ الظروف قسوةً، حين تكون التضحية هي الخيار الوحيد.
لكن كاليجو… كان استثناءً خُلِق ليحطم القيود.
امتلك من الطاقة ما يعادل مئات الرجال، ولولا ذلك لما استطاع خوض هذه المغامرة المستحيلة.
ورغم ذلك، فقد استُنزفت طاقته الجبارة كلها في تلك المرة الواحدة، حتى بدت أنفاسه أثقل من الحديد.
انبعثت أعمدةٌ من الضوء حوله، تحيط به كقفصٍ من نقاءٍ قاتل، إذ اعتبره الحاجز المقدّس دخيلًا وأغلق عليه دوائر الحماية.
وفي لحظاتٍ معدودة، هرع فرسان المعبد من كل صوب، تحفّهم هيبةُ الطقوس وصمتُ الخشوع، وسيوفهم تعكس لهيب الشموع المقدسة.
رفع كاليجو بصره عبر صفوفهم، فرأى البابا ينزل ببطءٍ على درجات الرخام البيضاء، ووجهه يشعّ وقارًا وسلامًا.
تراجع الفرسان ليفسحوا له الطريق، كأن المهابة نفسها قد عبرت بينهم.
قال كاليجو بانحناءةٍ خفيفة وصوتٍ مبحوحٍ أثقلته المسافات:
“أعتذر لقدومي المفاجئ بلا إخطارٍ مسبق، يا قداسة البابا.”
ورغم أن جسده كان يوشك على الانهيار، بقي صوته ثابتًا، يحمل صلابةً لا تهتز، كأن الضعف لا يعرف طريقًا إليه.
ثم أضاف بصوتٍ هادئٍ ووقورٍ، كأنه يعترف بخطيئةٍ تخصّ السماء:
“سأتقبّل أي عقوبةٍ ترونها عادلة، فقط… أرجو أن تعتني بهذه الطفلة.”
اتجهت نظرات البابا نحو سيرينيتيا، ولم يحتج إلى فحصٍ دقيقٍ ليدرك أنها بين الحياة والموت.
فآثار الدماء الجافة على شفتيها كانت شهادةً على معاناةٍ لا تُروى.
أما وجه كاليجو فبقي خاليًا من أي تعبيرٍ، وصوته حين نطق كان كصدىٍ يتردد في كهفٍ مظلم.
‘يا له من لعنٍ قاسٍ… أن يُحرَم المرء من البكاء حين يحزن، ومن الابتسام حين يفرح… أيُعقل أن يُسمّى مثل هذا الكائن إنسانًا؟’
‘لكن تلك المشاعر التي لم يُعبّر عنها، لا بدّ أنها تراكمت في أعماقه كأمواجٍ تنتظر لحظة الانفجار.’
‘حتى وإن لم يُفكّ سحر اللعنة يومًا، فستأتي ساعةٌ تنقلب فيها تلك المشاعر عليه كطوفانٍ لا يُقاوَم… ليت قلبه لا يتحطم حين يحين ذلك اليوم…’
تمتم البابا بصلاةٍ قصيرةٍ في سرّه، ثم رسم ابتسامةً وديعةً على وجهه المضيء بالسكينة.
وقال بنبرةٍ مطمئنةٍ تشبه دفءَ الفجر:
“يبدو أن العناية المقدسة رافقتك، يا بُنيّ… لقد جئت في وقتٍ من الفراغ النادر.”
كان المعبد الأعظم مزدحمًا دومًا بالمرضى، وأصوات الدعاء تملأ أرجاءه.
أما العامة فكانوا يصطفّون في طوابيرٍ طويلةٍ لا يعلم أحد متى تنتهي، وبعضهم يعود خائبًا إن لم يحالفه الحظ.
بينما النبلاء، فبمجرد اتصالٍ مسبقٍ، يُفتح لهم الباب متى أرادوا.
إذ يُموَّل المعبد بتبرعاتهم السخيّة، فيُمنحون مقابلها امتياز الدخول، ويُتاح للفقراء بفضلهم علاجٌ مجانيّ.
كان المعبد الأعظم المكان الوحيد في الإمبراطورية الذي تجسّد فيه مبدأ “نبل الالتزام” حقًا.
لكن حتى النبلاء، إن جاؤوا بلا إخطار، انتظروا كباقي الناس.
غير أن اليوم كان استثناءً.
كأن العناية المقدسة مهّدت الطريق، فكان عدد المرضى أقل من المعتاد.
تنفّس كاليجو بعمقٍ حين أدرك أن سيرينيتيا ستتلقى العلاج، ثم ما لبث أن فقد وعيه، هوى جسده أرضًا كدميةٍ انقطعت خيوطها، وسقط الصمت عليه كستارٍ ثقيل.
…
لا أحد يعلم كم من الوقت مرّ.
وحين فتح كاليجو عينيه أخيرًا، كانت أول فكرةٍ تسللت إلى ذهنه اسمها… سيرينيتيا.
وقبل أن تستعيد عيناه وضوح الرؤية، كان قد نهض متعجلًا، يبحث عنها بلهفةٍ تشبه الرجاء، كمن فقد نصف روحه.
ثم لمحها — جسدًا صغيرًا ممدّدًا على سريرٍ أبيضٍ يفيض هدوءًا.
وجهها الذي كان قبل قليلٍ شاحبًا ومنطفئًا بدا الآن ناعمًا كالنوم، ساكنًا، كأن الألم غادرها أخيرًا.
دخل أحد الكهنة الغرفة بخطى هادئةٍ، يحمل صينيةً عليها إبريق ماءٍ وكأس.
قال بابتسامةٍ رقيقةٍ:
“استيقظت، يا سيدي.”
ثم وضع الصينية برفقٍ على الطاولة واقترب منه قائلًا:
“لم تتعافَ قوتك بعد، فعليك أن ترتاح قليلًا.”
لكن كاليجو تجاهل نصيحته وسأل بصوتٍ فيه مزيجٌ من القلق والرجاء:
“كيف حال الطفلة؟”
“الآنسة الصغيرة بخير، الحمد للرب.”
قالها الكاهن بابتسامةٍ مطمئنة، لكنها لم تُطفئ اضطراب قلبه.
رفع كاليجو رأسه قليلًا، ونظر إليه بنظرةٍ صارمةٍ خافتةٍ تشبه نصلًا في الظلام:
“أريد أن أعرف السبب وراء نزفها الدم بهذا الشكل.”
أجاب الكاهن بعد لحظة صمتٍ مترددة:
“قال الكاهن الأعلى إنها أُصيبت بجروحٍ داخلية نتيجة الإفراط في استخدام السحر.”
تضيّقت عيناه، وغرِق المكان في صمتٍ ثقيلٍ كأنه يعصر الهواء نفسه.
سيرينيتيا؟ التي لا تملك ذرةً من الطاقة السحرية؟ أن تُصاب بالإفراط في استخدامها؟
كلامٌ لا يقبله منطق ولا روح.
‘هل امتصّت طاقة الوحوش التي تعاقدت معهم؟’
لقد عقدت اتفاقًا مع ثلاثة وحوشٍ سحرية دفعةً واحدة.
وإن كان ظنّه صحيحًا، فالأمر أخطر مما يتخيله أحد.
فالعقد مع الوحوش يمكن فسخه، لكن بثمنٍ باهظ — نصف القوة السحرية، أي نصف الحياة ذاتها.
أما هي، فلا تملك شيئًا من تلك القوة، فإن حاولت الفسخ، فستدفع حياتها ثمنًا.
‘حتى لو لم تُفسخ العقود… لا بدّ من طريقةٍ لعزل تلك الطاقة عن جسدها…’
وفجأةً، لمعت عيناه، كأن بارقةَ فكرةٍ اخترقت الظلام.
‘كنتُ أعقّد الأمور بلا داعٍ… إن منعتها ببساطةٍ من استخدام السحر، فلن تُصاب بعد الآن بتلك الجروح. هكذا أُنقذها… من نفسها.’
‘ يجب أن نعود في أسرع وقت.‘
كانت سيرينا، تلك التي سبقت سيرينيتيا في حياته،
دائمًا تمسك بيده أينما ذهبا.
يداه، رغم كل محاولاتها، لم تدفآ يومًا.
بل كانت يدها هي التي تبرد شيئًا فشيئًا، ومع ذلك تبتسم له بحنانٍ لا يفتر.
هل كان هذا السبب؟
كان يتأمل وجهها الراقد بسلامٍ فوق كومةٍ من زهور الأقحوان البيضاء، حين خطرت بباله تلك الفكرة المفجعة.
هل سرقتُ منها دفءَها كله… حتى لم يبقَ لها شيء؟
مدّ يده ببطءٍ،
وأمسك بيديها اللتين كانتا فيما مضى أكثر ما في الدنيا دفئًا.
لكنها الآن… كانت باردةً كالجليد.
مهما قبض عليها، لم تعد تدفأ.
لقد أعطته كل ما تملك من حرارةٍ وابتسامةٍ ومحبّة…
أما هو، فلم يمنحها سوى الفراغ.
كان يتأمل وجه سيرينيتيا النائمة في سريره، وإذا بذكرياتٍ لا يريد تذكّرها تعود كالسكاكين إلى صدره.
ارتجفت يده قليلًا وهي تقترب من وجهها، لكنها توقّفت قبل أن تلمسها، كما لو أن الماضي نفسه منعه من ذلك.
ربما لأنّ صورة سيرينا تداخلت مع وجه الطفلة في تلك اللحظة…
رغم أنه يعلم أن موت سيرينا لم يكن بسببه، إلا أن خوفًا دفينًا كبّله؛ خوفٌ من أن يطفئ دفء هذه الصغيرة ببرودة يده التي لم تعرف الحياة.
* * *
حين كنتُ في الخامسة من عمري في حياتي السابقة، كنتُ أسير ممسكةً بيد أمّي، عائدتَين إلى البيت في نهاية يومٍ باردٍ من أيام الشتاء.
وفجأة، وقعت عيناي على عائلةٍ تسير أمامنا بخطواتٍ بطيئةٍ مطمئنّة،
وفي مركز تلك الصورة الهادئة، كانت هناك فتاةٌ تبدو في مثل عمري، تتدلّى من يد أبيها ضحكةٌ صغيرةٌ ومطمئنّة.
كنتُ أنا أيضًا أمسك بيد أمي اليمنى، لكن يدي اليسرى كانت فارغة… غريبةً، باهتةً، وباردةً كما لو أنها تذكّرني بشيءٍ مفقودٍ منذ الأزل.
هبت ريحُ شتاءٍ قاسية —
صوتُها كأنينٍ طويلٍ قادمٍ من آخر العالم، يتسلّل بين شقوق الملابس والمعاطف والمناشف الصوفية، فيغرس برودته في صدري كإبرةٍ من ثلجٍ تخترق القلب.
ارتجف جسدي الصغير تحت وطأة تلك النسمات، وأنا أحدّق في تلك العائلة التي بدت لي وكأنها تنتمي لعالمٍ أكثر دفئًا وطمأنينة.
ثم لم أستطع أن أُقاوِم السؤال الذي ظلّ يطرق رأسي الصغير بإلحاح.
“أمّي، أين أبي؟”
كان من الطبيعي أن تتفاجأ، أن تتلعثم، أن تهرب من السؤال،
لكنها لم تفعل.
ابتسمت ابتسامةً هادئةً، كابتسامةِ شخصٍ يُخفي خلفها جرحًا لا يندمل،
وقالت بصوتٍ دافئٍ ولطيف:
“أبوكِ بعيدٌ جدًا، يا حبيبتي.”
رفعتُ رأسي ونظرت إليها بعينين بريئتين:
“ومتى سيعود؟”
ابتسمت مجددًا، تلك الابتسامة التي كانت تُشبه وعدًا أكثر من كونها إجابة،
وقالت:
“حين تكبرين قليلًا يا داسوم، سنذهب نحن إليه.”
وكنتُ، في بساطتي الطفولية، أظنّ أن أبي يعمل في بلادٍ بعيدةٍ يجمع المال لأجلنا.
لكن لم يطل الأمر قبل أن أكتشف أن ذلك لم يكن سوى كذبةٍ جميلةٍ نسجتها أمّي لتحميني من الحقيقة.
كنتُ أقضي وقتًا طويلًا في البيت وحدي.
وحين كانت أمّي إلى جواري، كان البيت دافئًا كحضنٍ من نور، لكن حين تغادر، كان الصمتُ يصبح ثقيلًا، قاسيًا، ومخيفًا.
كنتُ أترك التلفاز يعمل طوال الوقت،
ربما لأُقنع نفسي أنني لستُ وحدي.
أشاهد الرسوم المتحرّكة تلو الأخرى، ثم حين تنتهي، أجد نفسي أتابع دراما الكبار دون أن أدري لماذا.
وفي تلك المسلسلات، كنت أرى أطفالًا يشبهونني، بعضهم كان يعيش بلا أبٍ أيضًا.
وكنتُ أتساءل كل مرة:
‘هل رحل أبي كما رحل آباؤهم؟’
لم أُصدّق ذلك منذ البداية،
لكن يوماً بعد يوم، وعامًا بعد عام، مرّت أربعة أعياد ميلادٍ متتالية، ولم يأتِ أحد.
لم تخبرني أمي حتى باسم أبي.
وحين بلغت الثامنة، بدأت أفهم.
أدركت أن أمي وأبي لم يفترقا بهدوء.
أن بينهما شيئًا انكسر، شيءٌ لا يمكن إصلاحه.
لكن لماذا؟
هل لأنّ عائلته رفضت أمي؟
أم لأنه لم يحبّها حقًا؟
أم لأنه مات؟
لو كان الموت هو السبب، لكانت تأخذني كل عام إلى قبره.
لكنها لم تفعل.
فكيف لرجلٍ أن يترك امرأةً طيبةً بهذا الجمال؟
لم أجد جوابًا مهما فكّرت، لكني أيضًا لم أسألها.
حتى لو عرفت السبب، فلن يعود.
ولم يكن في غيابه ما يمنعنا من العيش بسعادةٍ صغيرةٍ هادئة،
فقد كنا بخير، وسنظلّ بخير.
أقنعت نفسي أنني لا أحتاج إلى أبٍ، أننا نحن الاثنتان كافيتان لأن نملأ هذا العالم الفارغ بالضوء.
لكن، في بعض الأيام،
حين أرى الأطفال يركضون نحو آبائهم في الحديقة أو بين أذرعهم، ينتابني سؤالٌ خافت، ناعمٌ كهمسةٍ في أعماق قلبي:
‘يا تُرى، كيف يكون الشعور حين يكون لك أب؟’
التعليقات لهذا الفصل " 41"