‘كنتُ أعقّد الأمور بلا داعٍ… إن منعتها ببساطةٍ من استخدام السحر، فلن تُصاب بعد الآن بتلك الجروح. هكذا أُنقذها… من نفسها.’
‘ يجب أن نعود في أسرع وقت.‘
كانت سيرينا، تلك التي سبقت سيرينيتيا في حياته،
دائمًا تمسك بيده أينما ذهبا.
يداه، رغم كل محاولاتها، لم تدفآ يومًا.
بل كانت يدها هي التي تبرد شيئًا فشيئًا، ومع ذلك تبتسم له بحنانٍ لا يفتر.
هل كان هذا السبب؟
كان يتأمل وجهها الراقد بسلامٍ فوق كومةٍ من زهور الأقحوان البيضاء، حين خطرت بباله تلك الفكرة المفجعة.
هل سرقتُ منها دفءَها كله… حتى لم يبقَ لها شيء؟
مدّ يده ببطءٍ،
وأمسك بيديها اللتين كانتا فيما مضى أكثر ما في الدنيا دفئًا.
لكنها الآن… كانت باردةً كالجليد.
مهما قبض عليها، لم تعد تدفأ.
لقد أعطته كل ما تملك من حرارةٍ وابتسامةٍ ومحبّة…
أما هو، فلم يمنحها سوى الفراغ.
كان يتأمل وجه سيرينيتيا النائمة في سريره، وإذا بذكرياتٍ لا يريد تذكّرها تعود كالسكاكين إلى صدره.
ارتجفت يده قليلًا وهي تقترب من وجهها، لكنها توقّفت قبل أن تلمسها، كما لو أن الماضي نفسه منعه من ذلك.
ربما لأنّ صورة سيرينا تداخلت مع وجه الطفلة في تلك اللحظة…
رغم أنه يعلم أن موت سيرينا لم يكن بسببه، إلا أن خوفًا دفينًا كبّله؛ خوفٌ من أن يطفئ دفء هذه الصغيرة ببرودة يده التي لم تعرف الحياة.
* * *
حين كنتُ في الخامسة من عمري في حياتي السابقة، كنتُ أسير ممسكةً بيد أمّي، عائدتَين إلى البيت في نهاية يومٍ باردٍ من أيام الشتاء.
وفجأة، وقعت عيناي على عائلةٍ تسير أمامنا بخطواتٍ بطيئةٍ مطمئنّة،
وفي مركز تلك الصورة الهادئة، كانت هناك فتاةٌ تبدو في مثل عمري، تتدلّى من يد أبيها ضحكةٌ صغيرةٌ ومطمئنّة.
كنتُ أنا أيضًا أمسك بيد أمي اليمنى، لكن يدي اليسرى كانت فارغة… غريبةً، باهتةً، وباردةً كما لو أنها تذكّرني بشيءٍ مفقودٍ منذ الأزل.
هبت ريحُ شتاءٍ قاسية —
صوتُها كأنينٍ طويلٍ قادمٍ من آخر العالم، يتسلّل بين شقوق الملابس والمعاطف والمناشف الصوفية، فيغرس برودته في صدري كإبرةٍ من ثلجٍ تخترق القلب.
ارتجف جسدي الصغير تحت وطأة تلك النسمات، وأنا أحدّق في تلك العائلة التي بدت لي وكأنها تنتمي لعالمٍ أكثر دفئًا وطمأنينة.
ثم لم أستطع أن أُقاوِم السؤال الذي ظلّ يطرق رأسي الصغير بإلحاح.
“أمّي، أين أبي؟”
كان من الطبيعي أن تتفاجأ، أن تتلعثم، أن تهرب من السؤال،
لكنها لم تفعل.
ابتسمت ابتسامةً هادئةً، كابتسامةِ شخصٍ يُخفي خلفها جرحًا لا يندمل،
وقالت بصوتٍ دافئٍ ولطيف:
“أبوكِ بعيدٌ جدًا، يا حبيبتي.”
رفعتُ رأسي ونظرت إليها بعينين بريئتين:
“ومتى سيعود؟”
ابتسمت مجددًا، تلك الابتسامة التي كانت تُشبه وعدًا أكثر من كونها إجابة،
وقالت:
“حين تكبرين قليلًا يا داسوم، سنذهب نحن إليه.”
وكنتُ، في بساطتي الطفولية، أظنّ أن أبي يعمل في بلادٍ بعيدةٍ يجمع المال لأجلنا.
لكن لم يطل الأمر قبل أن أكتشف أن ذلك لم يكن سوى كذبةٍ جميلةٍ نسجتها أمّي لتحميني من الحقيقة.
كنتُ أقضي وقتًا طويلًا في البيت وحدي.
وحين كانت أمّي إلى جواري، كان البيت دافئًا كحضنٍ من نور، لكن حين تغادر، كان الصمتُ يصبح ثقيلًا، قاسيًا، ومخيفًا.
كنتُ أترك التلفاز يعمل طوال الوقت،
ربما لأُقنع نفسي أنني لستُ وحدي.
أشاهد الرسوم المتحرّكة تلو الأخرى، ثم حين تنتهي، أجد نفسي أتابع دراما الكبار دون أن أدري لماذا.
وفي تلك المسلسلات، كنت أرى أطفالًا يشبهونني، بعضهم كان يعيش بلا أبٍ أيضًا.
وكنتُ أتساءل كل مرة:
‘هل رحل أبي كما رحل آباؤهم؟’
لم أُصدّق ذلك منذ البداية،
لكن يوماً بعد يوم، وعامًا بعد عام، مرّت أربعة أعياد ميلادٍ متتالية، ولم يأتِ أحد.
لم تخبرني أمي حتى باسم أبي.
وحين بلغت الثامنة، بدأت أفهم.
أدركت أن أمي وأبي لم يفترقا بهدوء.
أن بينهما شيئًا انكسر، شيءٌ لا يمكن إصلاحه.
لكن لماذا؟
هل لأنّ عائلته رفضت أمي؟
أم لأنه لم يحبّها حقًا؟
أم لأنه مات؟
لو كان الموت هو السبب، لكانت تأخذني كل عام إلى قبره.
لكنها لم تفعل.
فكيف لرجلٍ أن يترك امرأةً طيبةً بهذا الجمال؟
لم أجد جوابًا مهما فكّرت، لكني أيضًا لم أسألها.
حتى لو عرفت السبب، فلن يعود.
ولم يكن في غيابه ما يمنعنا من العيش بسعادةٍ صغيرةٍ هادئة،
فقد كنا بخير، وسنظلّ بخير.
أقنعت نفسي أنني لا أحتاج إلى أبٍ، أننا نحن الاثنتان كافيتان لأن نملأ هذا العالم الفارغ بالضوء.
لكن، في بعض الأيام،
حين أرى الأطفال يركضون نحو آبائهم في الحديقة أو بين أذرعهم، ينتابني سؤالٌ خافت، ناعمٌ كهمسةٍ في أعماق قلبي:
‘يا تُرى، كيف يكون الشعور حين يكون لك أب؟’
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 41"