حدّق الإمبراطور طويلاً في الباب المغلق بإحكام، ساكنًا كتمثالٍ من رخام، قبل أن ينهار فوق أقرب أريكة إليه كأن كل ما في الدنيا أثقل كتفيه.
رفع يده العريضة إلى صدغيه يعتصر رأسه الذي ينبض بالألم، فيما كانت الأفكار تتزاحم داخله كعاصفةٍ تبحث عن مخرجٍ من ظلمةٍ لا نهاية لها.
لم يكن هناك أثرٌ لاختراق الحاجز السحري…
فتّشوا القصر الإمبراطوري بأسره، غرفةً بعد أخرى، دهليزًا بعد دهليز، ومع ذلك لم يجدوا حتى فأرًا صغيرًا.
من المستحيل أن يكون ذلك الوحش قد اقتحم القصر وحده…
لا بدّ أن أحدًا ما — بوعيٍ كامل ونيةٍ مدروسة — قد أدخله إلى هنا.
لكن من؟ ولماذا؟ وكيف تمكّن من خداع الحراس والسحر الملكي على حدّ سواء؟
كلما غاص أكثر في التفكير، ازداد العجز ضبابًا أمام عينيه.
تنفّس الإمبراطور ريتشارد بعمقٍ، وأسند ظهره إلى الأريكة الثقيلة، ثم مدّ كفه العريضة ليحجب بها عينيه كمن يحاول أن يطفئ نارًا في داخله.
‘هل كل هذا… ذنبي أنا؟‘
تلك اللعنة القديمة — لعنة الوحدة التي ورثها كل من حمل دم العائلة الإمبراطورية — كانت دائمًا ما تسرق أحبّاءهم واحدًا تلو الآخر، بصمتٍ لا يسمع له صوت.
‘لا أريد أن أفقد حتى صديقي…‘
وربما كان البرد الذي يملأ القصر ليس من الجليد الذي خلّفه كاليجو، بل من صقيعٍ آخر، أعمق، يسكن قلب الإمبراطور نفسه.
✦ ✦ ✦
في جناح الأميرة، جلست لوبيليا أمام الطاولة، تحدّق في كومة من الصور ترتّبت أمامها بإتقانٍ مريب.
كانت صور الفتيات اللواتي حضرن حفلة الشاي في وقتٍ سابق.
وبينها، مدّت يدها لتلتقط صورة سيرينيتيا.
انعكست على عيني لوبيليا الحمراوين لمعة غريبة، قاتمة وباردة، كوميض خنجرٍ تحت القمر.
✦ ✦ ✦
كنتُ راكعةً على ركبتي، رأسي منكسٌ إلى الأرض كالمجرمين في محاكمهم.
قال ريكس، بصوتٍ مهيبٍ يحمل نغمة القادة:
“ردّدي ما أقول.”
“نعم، سيدي.”
ولأنّ ذنبي كان واضحًا كالشمس، لم يكن لي إلا أن أطيع دون جدال.
“لن أرتكب مجددًا أي فعلٍ متهور.”
“لن أرتكب مجددًا أي فعلٍ متهور!”
هزّ ميمي ولوجان رأسيهما بعنفٍ من شدّة الانفعال، كأنهما يؤيدان الحكم بكل جوارحهما.
“إن حياتي ليست ملكي وحدي، بل ملك للجميع.”
“إن حياتي ليست ملكي وحدي، بل ملك للجميع!”
وفي الخلف، كان ليتي يضحك من أعماقه، مستمتع بمشهد خادمته تُوبَّخ من قِطٍّ متغطرس.
“والآن قولي: أنا حمقاء.”
“هاه؟ هذا…”
“لن تكرّري؟”
تلألأت عينا ريكس بوميضٍ حادّ جعلني أرتجف.
سأتحمّل… القتال معه الآن ليس فكرة صائبة…
“أنا حمقاء…”
“أعلى.”
“أنا حمقاء!!!”
ابتسم ابتسامة رضا وقال:
“حسنٌ، بما أنها أول مرة، سأتغاضى عن هذا القدر.”
رائع… كم هو شرفٌ عظيم أن تُوبَّخ من قِطٍّ ناطق…
ما أندرها من تجربة! هاها…
ثم دوّى صوت فتح الباب: كليك.
ظننتها ماري عائدة بالحلوى — لكن لا.
حين استدرت، كانت تلك التي تقف عند العتبة شخصًا آخر تمامًا.
“…أختي؟”
لم أتعرف عليها في البداية. كانت أديل — أختي الكبرى — وقد تغيّر شكلها لدرجةٍ لم أتصوّرها.
هل تخلط الأكاديمية شيئًا في طعامهم يجعلهم ينمون فجأة؟
كلهم هناك — زينوس، ديون، والآن أديل — عادوا أطول وأقوى وأشدّ وسامة!
لكن… لما جاءت فجأة بعد كل تلك الرسائل التي تجاهلتها؟
قبل أن أكمل التفكير، كانت أديل قد اقتربت مني، ثم انحنت حتى صارت عيناها في مستوى عينيّ، ومدّت يديها لتحتويا وجهي برقةٍ غير مألوفة.
“هل أنتِ بخير؟”
“هاه؟”
“قالوا إنك أُصبتِ بسبب الوحش…”
“…أختي، أحقًا جئتِ فقط لأنك قلقتِ عليّ؟”
“نعم.”
مستحيل…
أختي التي كانت دائمًا جامدة القلب، تقلق عليّ؟
كل جهودي إذن لم تذهب هباءً!
قفزت لأحتضنها بكل ما أوتيت من عاطفة.
“شكرًا لكِ، أختي، لأنك قلقتِ عليّ.”
شعرت بعدها بيديها تلتفّان حول رأسي بحنانٍ مهيب.
ثم همست بصوتٍ ثابتٍ لكنه مشحون بقوةٍ غامضة:
“كنتُ أنوي العودة فقط حين أصبح أقوى… لكن يبدو أن الوقت لم يعد يسمح لي بالانتظار.”
“هاه؟ ماذا تعنين؟”
“تعالي.”
أمسكت بيدي بقوةٍ وجذبَتني نحو الخارج.
“إلى أين؟”
لم نذهب بعيدًا.
قادتني إلى ساحة التدريب — الميدان الذي تملؤه رائحة الحديد والعزم.
لماذا إلى هنا؟ هل ستدرّبني لأنها سئمت من ضعفي؟
لكن ما حدث فاق كل تصوّر.
ركعت أديل فجأة على ركبةٍ واحدة أمامي، وسحبت سيفها من غمده اللامع، ثم غرزه في الأرض بيننا ببطءٍ مهيبٍ يقطّع الصمت إلى شررٍ من القداسة.
ثم رفعت نظرها نحوي وقالت بصوتٍ عميقٍ كالنداء المقدس:
“أنا، أديل وينتربيل، أقسم بسيفي هذا… ألا أركع أمام الشر، وألا أتراجع وإن انكسر نَصلي، وأن أقاتل بشجاعةٍ حتى يتوقف قلبي عن الخفقان، لأحمي سيرينيتيا روز وينتربيل حتى الرمق الأخير.”
كان ذلك هو قسم الفارس.
القسم المقدّس الذي يُؤدّى لسيّدٍ يُبذل من أجله كل ما تبقّى من حياة.
هل… هل تعني أنها تريد أن تكون فارستي؟!
تلعثمت قائلة:
“أختي، لِمَ تفعلين هذا؟ لِمَ تُقسمين لي بالولاء؟”
لم تُجب. اكتفت بمدّ يدها نحوي، بعينين لا يلين فيهما الإصرار.
ترددت للحظاتٍ طويلة، ثم أخيرًا، مدتُ يدي إليها.
وحين قبضت على يدي، انحنت أديل بخفة، وطبعت قبلة صامتة على ظاهر كفيّ.
وبيننا، كان السيف اللامع يسطع تحت ضوء القمر…
كأنه يشهد على ولادة عهدٍ لا ينكسر، ووعدٍ خالدٍ بين دمٍ واحدٍ وقلبين لا ينفصلان.
لم تترك أديل خلفها سوى وعدٍ مقتضبٍ بأنها ستعود قريبًا لجمع أمتعتها… ثم رحلت مجددًا، كما تفعل الريح حين تُداعب أوراق الخريف، لتتلاشى في صمتٍ عابرٍ لا يترك سوى أثرٍ من الحنين.
كنتُ في تلك اللحظة أستمتع بوقت الشاي داخل الدفيئة الزجاجية برفقة كاليجو.
كان هو من يحتسي الشاي بهدوءٍ متزن، أما أنا فكنتُ أُدلّل نفسي بالحلوى، أتنقّل بين الطعم الحلو والخيالات التي لا تهدأ في رأسي.
‘لكن… ما الذي كان ذلك الوحش الذي ظهر فجأة في الحديقة الخلفية؟’
كلّما غُصتُ في التفكير، تزايدت الأسئلة الغامضة كأنها شِباكٌ تُحكم قبضتها حول الحقيقة.
كيف تمكّن مخلوقٌ كهذا من التسلّل إلى القصر الإمبراطوري، المحاط بحاجزٍ سحري أشدّ إحكامًا من ذاك الذي يحيط بدوقية ديلاريك؟
ولماذا، من بين كلّ الأمكنة، ظهر تحديدًا حيث تجمّعت الأرستقراطيات اليافعات؟
‘والأغرب… أنه لم يظهر إلا بعد أن غادرت الأميرة الصغيرة مقعدها.’
تألّق وجهي بالحماسة. هذه المرّة، لن أسمح لشيءٍ أن يُعيقني.
لطالما رغبتُ في إقامة حفلةٍ له، لكن انشغاله الدائم بالحملات العسكرية كان يُبدّد الفكرة في كلّ مرة.
‘مجرد كعكةٍ في المنزل لا تكفي… أحتاج إلى شيءٍ يليق به حقًا.’
ظللتُ أفكّر، أميل برأسي بين الحين والآخر، إلى أن خطرت ببالي فكرةٌ جعلت شفتيّ ترسمان ابتسامةً مُفعمةً بالدهاء والحنان معًا.
✦ ✦ ✦
ومضت الأيام كنسمةٍ ربيعيةٍ سريعة، حتى حلّ عيد ميلاد كاليجو المنتظر.
استيقظتُ باكرًا على غير العادة، وركضتُ نحو غرفته قبل حتى أن أغسل وجهي.
وكما توقعت، كان قد سبقني إلى اليقظة، وخرج لتوّه من الحمّام، مرتديًا رداءه الأبيض الفاخر.
“أبي!”
ناديتُه وأنا ألهث، بوجهٍ منتفخٍ من أثر النوم، لكن قلبي كان يغلي فرحًا.
“عيد ميلاد سعيد!”
ربما كان غيره سيسخر من مظهري ذاك، لكن كالّيقو لم يفعل.
بل ابتسم لي، ومسح شعري برفقٍ وهو يقول بصوته العميق المليء بالطمأنينة:
“شكرًا لكِ.”
كان صباحًا مدهش الجمال، كأنّ الضوء ذاته أراد أن يُبارك ميلاده.
وربما كانت صلاتي في الليلة السابقة قد استُجيبت، حين توسّلتُ أن يكون الطقس صافياً.
فقد كانت السماء اليوم أنقى من أيّ وقتٍ مضى — دافئة، مشعة، تُذكّرني بابتسامة سيرينا الراحلة.
أخذتُ عائلتي جميعًا، وذهبنا إلى قبرها.
هناك، وسط السكون والنسيم، قررنا أن نُقيم الاحتفال.
جلسنا على بساطٍ عريضٍ فوق العشب النديّ.
كاليجو جلس إلى يساري، وأديل إلى يميني، وسييل إلى جوار كاليجو، بينما تمركز روس على غصنٍ فوقنا، ووقف ريكس خلفي كحارسٍ أمين، وجلس هاتي ومييمي أمامي كطفلين مطيعين.
كنتُ محاطةً بكلّ من أحب، فغمرتني سعادةٌ خالصةٌ جعلت ابتسامتي تتفتح دون وعي.
لكن… جسدي لم يكن بخير.
منذ الصباح وأنا أشعر بضيقٍ في صدري ودوارٍ خفيفٍ يعبث برأسي.
غير أنّني آثرت الصمت، لأنّني لم أُرد أن أُطفئ فرحة اليوم.
“حسنًا! لنغنِّ الآن!”
أشعلتُ الشموع الصغيرة على الكعكة، وصفّقتُ بحماسٍ وأنا أبدأ الأغنية:
“عيد ميلاد سعيد! عيد ميلاد سعيد!”
ثم ارتفعت أصوات الجميع من حولي، دافئةً كأجنحةٍ تحتضن قلبي:
“عيد ميلاد سعيد لأعزّ أبٍ في العالم!”
وكانت صيحتي الأخيرة، المفعمة بالبهجة، هي الختام الذي ختمت به أغنيتنا الصغيرة.
قدّمتُ له الكعكة وقلتُ بابتسامةٍ تغمرها المودة:
“هاك يا أبي، انفخ الشموع! ولا تنسَ أن تتمنى أمنية!”
أمعن النظر في الكعكة لثوانٍ، ثم نفخ بخفةٍ، لتتراقص الشموع قبل أن تنطفئ، تاركةً وراءها خيطًا من الدخان الهادئ كأنّه تنهيدةُ سعادة.
‘عزيزتي، يجب أن ترتاحي الآن.’
قال ريكس بصوتٍ مائلٍ للقلق عبر التخاطر، وأنا أتناول قطعة الكعك بصعوبةٍ ظاهرة.
‘دعني أبقى قليلًا بعد، أرجوك.’
‘سيرينيتيا… إن بقيتِ هكذا، ستسقطين.’
انضمت أصوات روس وهاتي ومييمي إلى صوته، جميعهم يحدّثونني بقلقٍ صادقٍ يثقل صدري أكثر من التعب نفسه.
كنتُ أعلم أنهم على حقّ… لكن—
‘أنا سعيدة جدًا الآن… لا أريد أن ينتهي هذا الشعور.’
أغمضتُ عينيّ للحظة، أطبع في قلبي ملامح وجوههم — عائلتي، أصدقائي، النسيم الدافئ، والسماء الصافية الممتدة بلا نهاية.
أردتُ أن أُخلّد هذه اللحظة إلى الأبد… أن أعيش فيها للأبد.
ثم فجأة—
“كُح… كُح!”
انفلت السعال من صدري، فرفعتُ يدي لأغطي فمي… لكن كفّي ابتلّت بشيءٍ دافئ.
‘…هاه؟’
حين نظرتُ، رأيتُ الدم يتسرّب من بين أصابعي، قانٍ كأحمر الغروب.
رفعتُ بصري نحو كاليجو، فرأيته يحدّق بي بعينين متسعتين، صدمةٌ عميقة ترتسم على وجهه الهادئ.
“أبي… أنا… آسفة…”
لم أُكمل جملتي.
انطفأ النور من حولي، وخيّم الصمت فوق الأصوات كلها، حتى نبضي تلاشى في الفراغ.
التعليقات لهذا الفصل " 40"