9
ربت رينولد على حقيبته بتعبير يملؤه الفخر، ثم عاد ليمسك بيد بول مجدداً.
كانت ملامح بول قد لانت تماماً وهو ينظر إليه، والمشكلة هي أن شعوري لم يكن يختلف عن شعور بول في تلك اللحظة.
… بدا لي لطيفاً بعض الشيء.
إنه شعور لم يسبق لي أن جربته تجاه رينولد أبداً.
ربما لأنني تلقيتُ ثلاثة اعتذارات من شخص لم أكن أتوقع منه اعتذاراً واحداً، بدأ شعور هائل بالذنب يضغط على قلبي.
نبضات قلبي التي كانت تتسارع منذ البداية، أصبحت الآن تخفق بقلق أكبر ألن تُحل المشكلة ببساطة إذا لم أذهب أنا إلى الأكاديمية؟ أجل، أعتقد أن هذا سيفي بالغرض … حقاً، ألا يمكنني فعل ذلك؟
كانت الطلبات التي كلفته بها السيدة تناسب تماماً ما يمكن لطفل في عمره حمله؛ حبة بطاطس واحدة، حزمة من البصل الأخضر… أشياء من هذا القبيل يبدو أنها اختارت هذه المهام ليظهر بمظهر لطيف، وقد نجحت خطتها تماماً.
لقد كان رينولد لطيفاً لدرجة تجعلني أفقد صوابي.
الأطفال بطبيعتهم لطاف، فما بالك بطفل وسيم يرتدي حقيبة منتفخة ويتحرك حولك مثل جرو صغير؟ هذا يضاعف اللطافة مرتين.
عضضتُ على اسناني لأتمالك نفسي لا تنخدعي يا داناي، أنتِ في عداد الموتى أجل، إذا كنتِ لا تريدين الموت، فاستعيدي رشدكِ فوراً.
تجولنا في السوق بهمة عالية، ثم اخترنا طاولة في شرفة مقهى قريب وجلسنا طلبتُ عصير فراولة، وطلب رينولد ماءً بارداً، بينما طلب بول القهوة.
أما بالنسبة للحلويات، فقد طلبنا كعكة الشوكولاتة، وكعكة الكريب، ومجموعة متنوعة من الماكارون.
كنتُ أرشف عصير الفراولة بالمصاصة وأنا أراقب رينولد بتمعن، ويبدو أن نظراتي جعلته يشعر بالارتباك، فبدأ يتجنب التواصل البصري معي بجدية تُرى، هل هذا المظهر الطفولي ليس سوى قناع من الدخان الأسود؟ أجل، لماذا تتصرف بغرابة فجأة؟ في يومنا الأول قمتَ بدفعي نحو البحيرة أنت تتظاهر باللطافة الآن، أليس كذلك؟
أليس من الغريب أن يكون الشخص طبيعياً في طفولته ثم يتحول فجأة إلى شرير خفي؟ منطقياً، يجب أن يكون معقداً منذ صغره ليكون للأمر سياق درامي ولكن، من أين سيأتي المنطق في تلك الرواية المأساوية المبتذلة على أي حال!
“سأذهب إلى غرفة الاستراحة قليلاً.”
في تلك اللحظة، نهض بول من مكانه وأعطى إشارة بعينيه للفرسان الذين يحرسوننا بالخفاء ليتبادلوا الأدوار أومأتُ برأسي بخفة، ثم لففتُ قطعة من كعكة الكريب بشوكتي ووضعتها في فمي كان طعم كريمة الكاسترد الحلوة رائعاً حقاً.
لكن على عكسي، لم يلمس رينولد أي نوع من الحلويات.
هل يكره الأشياء الحلوة؟ لكن السيدة كولين قالت بوضوح إنه يحبها وبينما كنتُ أراقبه، فتحتُ فمي دون وعي
“أنت، هل لا تزال حقاً ترغب في مصادقتي؟”
ارتبك رينولد قليلاً عند سؤالي، لكنه سرعان ما أومأ برأسه ببطء فسألته مجدداً
“لماذا؟”
بدا رينولد وكأنه لم يفهم مغزى سؤالي، فرمش بعينيه بذهول فقلتُ له بوجه جاد
“أنا لا أحبكِ كثيراً، بل وأتجنبكِ علانية، لذا من الغريب أن تصر على مصادقتي من طرف واحد.”
“… هل كنتِ تتجنبينني؟”
“كان هذا مجرد هراء.”
يا للهول، لقد خرجت حقيقتي دون قصد.
تراجعتُ عن كلماتي بسرعة ولففتُ قطعة أخرى من الكريب ووضعتها في فمي.
بدأ رينولد، الذي كان يراقبني بصمت، يعبث بكوب الماء الذي غطته قطرات الندى، وفجأة… انهمرت دموعه كالمطر.
بمجرد رؤية تلك الدموع، تجمدتُ في مكاني تماماً، وتوقف عقلي عن التفكير مسح رينولد دموعه بظهر يده وقال بنبرة حزينة
“… إذن أنتِ تكرهينني.”
“آه، لا، ليس الأمر كذلك…”
“حسناً، لو كنتُ مكانكِ لكرهتُ نفسي أيضاً فالأطفال الآخرون كانوا يلقبونني بالوحش ويشيرون إليّ بأصابعهم، ولهذا…”
اختنق صوت رينولد في نهاية جملته من شدة الحزن.
تسمرتُ تماماً في مكاني أيها الكاتب، لم تقل أبداً أن رينولد يملك جرحاً كهذا! رغم أنني أنا من لم أحاول معرفة ذلك بصدق.
وبينما كنتُ أعمل عقلي للبحث عن مخرج، كان رينولد يستمر في البكاء أمامي … أجل، أنا التي فقدتُ عقلي.
ما الذي أفعله كشخص بالغ وأنا أتصرف بطفولية تجاه طفل صغير كهذا؟
راجعتُ تصرفاتي السابقة بهدوء، وأدركتُ كم كنتُ حثالة واو، هل حقاً تصرفتُ بتلك الطريقة الطفولية مع طفل في الثامنة؟ بمجرد أن وصلتُ لهذا الاستنتاج، تملكني شعور بالخزي لا يوصف بالكلمات.
لقد خذلتُ نفسي في أمور كثيرة.
“لـ، لنكن، صـ، صديقين!”
في النهاية، نهضتُ من مكاني فجأة وصرختُ بذلك بعد أن هزمني شعور الذنب رفع رينولد رأسه بعينين دامعتين، وبمجرد أن واجهتُ وجهه المحمر تماماً، شعرتُ وكأنني أكبر حثالة في هذا الكون.
أجل، أجل، أنا هي الحثالة.
ما الذنب الذي ارتكبه هذا الطفل الصغير؟ كل ما عليّ فعله هو تجنب دخول الأكاديمية بأي ثمن، أليس كذلك؟ لا يزال هناك وقت طويل قبل الدخول في أحداث الرواية الأصلية، وستكون هناك مفترقات طرق كثيرة تمكنني من الهروب من قدري.
حاولتُ إقناع نفسي بهذه الأفكار الإيجابية.
“… حقاً؟ إذن لن تكرهيني بعد الآن؟”
سألني رينولد وهو يحدق بي.
أمام صوته المرتجف، أومأتُ برأسي بسرعة.
لم يعد بإمكاني فعل هذه الأمور القاسية لطفل صغير قلتُ وأنا أحاول رسم ابتسامة على وجهي
“أجل، سأفعل.”
“حقاً؟”
“أعد… كِ.”
ما إن أنهيتُ كلماتي حتى نزل رينولد من الكرسي واندفع نحوي ليرتمي في حضني بقوة أخذتُ أمسح على شعره الأسود بتلقائية وأنا أراجع ما فعلته للتو.
ممم، إذن لقد تصرفتُ وفقاً للرواية رغم علمي بأنني سأموت؟ يبدو أن مقولة المرء يجلب الشقاء لنفسه تنطبق عليَّ تماماً.
***
بعد مرور ثلاثة أيام على ذلك، قدم رينولد اعتذاره لـسيريك الذي جاء لزيارة منزلنا.
“أنا آسف على ما حدث في ذلك اليوم.”
رغم أنني لم أشك في أن رينولد سيعتذر، إلا أنني أدركتُ مجدداً أن حقيقته تختلف كثيراً عن الانطباع الأول الذي رسمتُه له في مخيلتي.
“… حـ، حسناً.”
ويبدو أن سيريك كان يشاركنني التفكير ذاته؛ فقد بدا عليه الذهول التام وكأنه لم يتوقع هذا الاعتذار أبداً، وظل يرمقني بنظرات متواصلة وهو يقبل اعتذاره.
في الحقيقة، شعرتُ وكأنه يراقب رد فعلي بحذر، رغم أنني لا أذكر أنني ضيقتُ عليه الخناق يوماً، بل على العكس، كان رينولد هو من يعاني من معاملتي القاسية طوال الفترة الماضية.
عندما راجعتُ تصرفاتي السابقة، وجدتُ أن تاريخي حافل بالأفعال السيئة تجاهه لذا، اقتربتُ من رينولد بنية الاعتذار له أنا أيضاً، فبدت على وجهه علامات الحيرة.
“أنا آسفة أيضاً.”
“… هه؟”
كان تعبير وجهه يقول إنه لم يتخيل قط أنني قد أعتذر له.
لكن سرعان ما ارتسمت على شفتي رينولد ابتسامة خفيفة ورؤية تلك الابتسامة جعلتني أشعر براحة كبيرة تملأ قلبي.
أجل، هكذا إذن، لم يعد بيننا أي ضغينة، أليس كذلك؟ لا تعد بعد فترة وتقول كلاماً مغايراً، اتفقنا؟ ولا أريدك أن تبتسم ابتسامة الأشرار العظماء من خلف ظهري عندما ألتفت!
ألقيتُ بكل هذه الأسئلة التي لن تجد جواباً على رينولد المستقبلي في مخيلتي، ثم انتقلتُ إلى المرحلة الأخيرة من الصلح.
اندفعتُ نحو رينولد وعانقتُه بقوة.
وبما أن طولنا كان متقارباً، فمن الأدق القول إننا تعانقنا بدلاً من قولي إنني عانقتُه.
رفعتُ يدي وأخذتُ أمسح على رأس رينولد الصغير بلطف، فتجمد هو في مكانه تماماً حينها قال سيريك، الذي كان يراقبنا بصمت، وهو يقطب وجهه فجأة
“أرخِ ملامح وجهك قليلاً، لا تجعل داناي تشعر بالإحراج من تصرفها.”
بما أنني لم أكن أرى وجه رينولد، لم يكن لدي أي فكرة عن التعبير الذي يرتسم عليه آه، هل اقتربتُ منه أكثر من اللازم بلا مراعاة؟ قد يكون هناك أطفال يكرهون التلامس الجسدي المفاجئ.
بمجرد سماع كلمات سيريك، ابتعدتُ عن رينولد بسرعة، وبدأتُ فوراً في إلقاء خطاب اعتذاري الثاني.
أخذتُ أسرد الأعذار تلو الأخرى، مؤكدة أنني لم أكن أعلم أبداً أنه يكره العناق، لكن رينولد كان يقف بذهول ولم يكن يستمع لكلمة واحدة مما أقول.
في تلك اللحظة، أمسك سيريك ذراعه فجأة وقطب وجهه من الألم؛ كانت هي الذراع ذاتها التي سكب عليها رينولد الشاي.
هل انفجرت البثور الناتجة عن الحرق؟ تملكني الذعر وأخذتُ سيريك وركضتُ به نحو طبيب القصر، بينما ظل رينولد واقفاً في مكانه بتلك الملامح المذهولة.
****
بعد ذلك، حين عاد كل من سيريك ورينولد إلى منزليهما، وقف بول يراقب العربات وهي تبتعد، ثم اقترب مني وهمس بحذر
“آنستي.”
“نعم؟”
“بخصوص… ذلك اليوم الذي أُصيب فيه السيد سيريك.”
أومأتُ برأسي أحثه على مواصلة الحديث، فتردد بول للحظة قبل أن يكمل
“الخادمات اللواتي كنَّ يقفن بالقرب من السادة الصغار في ذلك الوقت، قلنَ إن…”
“…؟”
“قلنَ إنهن يعتقدن أن السيد رينولد ليس هو من سكب الشاي على السيد سيريك.”
“ماااذا؟”
ارتفع صوتي دون وعي، فسارع بول لإضافة المزيد بارتباك
“بـ، بالطبع، ربما أخطأت الخادمات في الرؤية لأنهن كنَّ يقفن بعيداً.”
“إذن يا بول، هل تريد إقناعي بأن كوب الشاي انقلب من تلقاء نفسه بينما كان الجميع واقفاً في مكانه؟”
“وهل يعقل أن يحدث ذلك؟”
رمقني بول بنظرة يملؤها الازدراء، ثم حك مؤخرة رأسه وتابع كلامه
“على كل حال، هناك شيء مريب في الأمر.”
“يا إلهي، هل تقصد أن سيريك سكب الشاي على ذراعه بنفسه؟ وما الذي قد يجنيه سيريك من فعلة كهذه؟”
“هذا صحيح، معكِ حق.”
هز بول كتفيه بخفة وبالتفكير في شخصية رينولد، لم يكن ليقف صامتاً لو حدث ذلك أمام عينيه، بل إنه ذهب أبعد من ذلك واعتذر لسيريك بنفسه.
… أم أن هذا هو تحديداً ما كان رينولد يحاول إخباري به في ذلك اليوم؟
أغمضتُ عينيّ بقوة.
يبدو أن أمنيتي في الموت بسلام قد ذهبت أدراج الرياح.
****
مرّت أربع سنوات منذ ذلك الحين، وأصبحتُ الآن في الثانية عشرة من عمري.
لقد تغيرتُ كثيراً خلال هذه المدة، ووضعتُ لنفسي قواعد صارمة كان عليّ الالتزام بها.
وأهم قاعدة على الإطلاق هي: التظاهر بالغباء بكل ما أوتيتُ من قوة.
كانت هذه وسيلتي الوحيدة لتجنب دخول الأكاديمية.
ففي النهاية، كانت نهاية قصتي أنا ورينولد هي في يوم حفل تخرج الأكاديمية، يقتل رينولد كولين صديقة طفولته داناي ليردونيا.
وبما أن محاولتي لقطع علاقتي بـرينولد قد باءت بالفشل، كان عليّ على الأقل التأكد من عدم تحقق الشروط الأخرى للنبوءة.
في الإمبراطورية، تُعتبر الأكاديمية نسخة مصغرة من المجتمع المخملي؛ والسبب في ذلك هو أن كل الروابط والعلاقات الاجتماعية تتشكل وتتصل هناك.
وكان من المعتاد، خاصة لأبناء العائلات الذين لن يرثوا الألقاب، أن يلتحقوا بالأكاديمية لترسيخ قواعدهم ومستقبلهم.
وحتى بعيداً عن هذا السبب، كان هناك الكثير من الطلاب الذين يطمحون لدخول الأكاديمية لأن مؤسسات خاصة مثل برج السحر تقوم باستقطاب السحرة مباشرة من بين الخريجين.
لكن الأمر المؤكد والوحيد هو أن الفشل في دخول الأكاديمية يُعد عاراً كبيراً يلحق بسمعة العائلة.
التعليقات لهذا الفصل " 9"