يبدو أن الخادمة التي كانت تحمل الحليب لنا قد أسقطت الكوب من فوق الصينية عن طريق الخطأ.
لم تدم ملامح الارتباك على وجهها طويلاً، فبمجرد أن تلاقت نظراتنا، سارعت بالانحناء لي وبدأت تعتذر بلهفة
“آه، آنستي… أرجوكِ، لقد أخطأتُ…!”
كانت خادمة أراها للمرة الأولى.
وبينما كنتُ أراقبها وهي ترتجف وكأنها على وشك الانفجار بالبكاء، شعرتُ وكأنني شريرة العصر لا أذكر أنني قمتُ بتوبيخ أحد من قبل بهذا الشكل.
أطبقت الخادمة شفتيها بإحكام كي لا يتسرب صوت بكائها، وبدأت تلملم بقايا الزجاج المحطم بسرعة جعلتني دموعها أتردد للحظة، حينها همس بول الذي كان يقف بجانبي في أذني بصوت خافت
“ماذا علينا أن نفعل؟”
“ماذا سنفعل؟ لا شيء، دعها تذهب فحسب.”
“حاضر.”
جمعت الخادمة الكوب المحطم بسرعة وغادرت الغرفة على عجل.
وعلى الرغم من تلك الجلبة القصيرة، أعدتُ نظري إلى الكتاب وكأن شيئاً لم يكن حينها سألني رينولد
“لماذا تركتِها تذهب هكذا؟”
“لقد كان مجرد خطأ علاوة على ذلك، هي تبكي، فماذا عساي أن أقول لها؟”
بينما كنتُ أنظر إلى الكلمات المطبوعة على الورق، بدأ الخمول يتسلل إلى جسدي.
غلبني التثاؤب دون وعي، وعندما رفعتُ عينيّ تلاقت نظراتي مباشرة مع رينولد الذي كان قد ترك كتابه هو الآخر.
تسمرتُ للحظة، ثم أغلقتُ فمي بشكل طبيعي.
أدار رينولد نظره نحو الكتاب
“في الواقع، هناك شيء أود سؤالكِ عنه.”
“… ما هو؟”
“هناك جزء في تصرفاتكِ لا أستطيع استيعابه.”
“تصرفاتي أنا؟”
أومأ رينولد برأسه ببطء رداً على سؤالي وتابع
“أنتِ متناقضة جداً في أفعالكِ.”
“… لو أردتَ شتمي، لمَ لا تفعل ذلك مباشرة؟”
“أعتذر إن بدا كلامي كشتيمة، لم تكن تلك نيتي على الإطلاق.”
فقدتُ القدرة على الكلام للحظة أمام هدوء رينولد الذي بدا ألطف من ذي قبل.
استمر رينولد في حديثه ببطء
“كنتُ أظن أن سبب دفعكِ لي بعيداً هو أنني شخص غريب الأطوار، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك.”
“… ولماذا فكرتَ هكذا؟”
“لأنكِ لا تظهرين أي نفور تجاه سيريك، رغم أنه غريب الأطوار مثلي تماماً…”
تلاشى صوت رينولد في نهاية الجملة.
كنتُ قد سألتُ عن السبب الذي جعله يظن نفسه غريباً، لكن يبدو أن رينولد أخذ سؤالي في اتجاه آخر.
“… وما هو معيار غريب الأطوار بالنسبة لك؟”
“ممم… أن يمتلك الشخص أفكاراً تختلف عن عامة الناس؟”
أليس كل البشر مختلفين في الأصل؟ إيجاد شخصين متطابقين تماماً هو الأمر الأصعب.
وبينما كنتُ غارقة في أفكاري، استمر رينولد في حديثه بصمت
“في العادة، يشعر الناس بنفور فطري تجاه من يشبهونهم، أليس كذلك؟”
هل هذا صحيح؟ كنتُ أظن أن المرء ينجذب أكثر لمن يشبهه.
على أي حال، يبدو أن ما يريد رينولد سؤالي عنه هو الفرق بينه وبين سيريك.
هل لأنه لم يظهر في الرواية؟ أم لأنني أعرف أنك ستؤذيني؟
كانت هذه أسباباً منطقية جداً بالنسبة لي، لكن لسوء الحظ، لم أكن أملك الثقة لإقناع من يسمعني بها في النهاية، لم يكن أمامي سوى المراوغة في الإجابة
“… طبيعي أن تجد أشخاصاً تختلف تصرفاتهم من موقف لآخر.”
“هذا صحيح.”
أجاب رينولد بذلك، ثم تردد قليلاً قبل أن يسألني بحذر
“… وسيريك؟”
كانت هذه هي المرة الأولى التي يسأل فيها رينولد عن أحوال سيريك منذ ذلك اليوم.
“إنه… في منزله على الأرجح.”
“سأعتذر لـسيريك بشكل شخصي.”
تسمرتُ في مكاني دون وعي عند سماع قوله.
“وأنا آسف تجاهكِ أنتِ أيضاً.”
شعرتُ بوزن اعتذار رينولد ثقيلاً جداً، ولم أستطع الرد عليه بأي كلمة.
بدا الأمر وكأن طبقة من الصورة التي رسمتُها لـرينولد في ذهني قد انقشعت، لتكشف عن حقيقته أمامي.
في الواقع، أنا من كان يجب أن يعتذر.
فمن وجهة نظر رينولد، هو يتعرض للأذى مني دون أن يعرف السبب.
حتى الآن، لم أستطع العثور على الطريقة الصحيحة للتعامل مع رينولد.
عقلي يخبرني أن الابتعاد عنه هو القرار الصائب، لكن فعل ذلك مرة أو مرتين أمر ممكن، أما الاستمرار في صده بلا سبب واضح مع تكرار لقاءاتنا فقد أصبح أمراً شاقاً.
لقد كانت لوت والسيدة كولين ترغبان حقاً في أن نصبح صديقين، ويبدو أنهما تعتقدان أن كل ما أحتاجه هو الوقت فقط لكي يفتح قلبي.
***
“هل قالت السيدة كولين أن عليَّ الخروج مع رينولد؟”
سألتُ بول مرة أخرى وأنا أشير بإصبعي إلى رينولد، وكأنني أشك في سلامة سمعي أومأ بول برأسه مؤكداً
“نعم، قالت إن الجو جميل وعليكِ بالخروج للتنزه قليلاً.”
أجبته بفتور وعدم رضا
“وماذا لو حدث مكروه؟”
“يا آنستي، سيكون برفقتكما نخبة من الفرسان، فما الداعي لكل هذا القلق؟”
أجاب بول وهو يشير إلى نفسه بثقة تامة.
يبدو أنني كنت الوحيدة القلقة من هذا الموقف، فبلمحة سريعة نحو رينولد، بدا لي أنه لا يختلف عن بول في هدوئه.
بالطبع، لم يكن لدي مبرر لرفض أمر السيدة، ومن المؤكد أن لوت قد وافقت أيضاً.
في النهاية، قمنا أنا ورينولد بتبديل ملابسنا إلى ملابس العامة، وتبعنا بول لنغادر الغرفة.
ومن بعيد، رأيت السيدة كولين تقترب منا بابتسامة مشرقة، ثم سحبت يدي ويد رينولد ووضعتهما فوق بعضهما البعض.
كانت يد رينولد دافئة جداً.
حقيقة أن يد الإنسان دافئة هي أمر بديهي، لكنني لا أعرف لماذا شعرتُ أن هذا الدفء غريب وجديد عليّ في تلك اللحظة.
“اذهبا وعودا بسلام، اتفقنا؟”
قالت السيدة ذلك ثم طبعت قبلة خفيفة على جبهتي هل يا تُرى تتمنى لو كان لديها ابنة؟ حسناً، لا يبدو رينولد من النوع الذي يجيد التودد أو الدلال، والمشكلة الأكبر هي أنني أفتقر للدلال أكثر منه.
بعد ذلك، مسحت السيدة جبهتي بإصبعها؛ فبسبب تلامس شفتيها مع جبهتي، ترك أحمر شفاهها القرمزي أثراً مكاني.
نظرت السيدة إلى جبهتي وابتسمت برضا
“اللون الأحمر يليق بـداناي كثيراً، رغم أنكِ لا تزالين صغيرة جداً على وضع أحمر الشفاه.”
“لقد… سمعتُ هذا الكلام كثيراً.”
رغم أنني لم أسمع شيئاً كهذا طوال حياتي، إلا أنني قررتُ الموافقة على كلامها وحسب.
مسحت السيدة كولين على شعري مرة أخرى ثم اعتدلت في وقفتها، وأومأت برأسها لـبول ليعجل بالرحيل.
قادنا بول خارج القصر، وصعدتُ أنا ورينولد إلى العربة، وتبِعنا بول في النهاية.
منذ تلك اللحظة، خيم صمت بارد وثقيل داخل العربة.
لم نتبادل أنا ورينولد أي حديث منذ ذلك اليوم، واكتفينا بهدر الوقت في صمت مطبق بالنسبة لي، لم يكن الأمر سيئاً، لكن يبدو أن رينولد لم يعد يطيق الصمود أمام هذا الوضع.
قبض رينولد يده بقوة فوق ركبته، ثم فتح فمه
“أنا آسف.”
رفع بول، الذي كان غارقاً في أفكاره، رأسه بسرعة عند سماع الاعتذار، ونظر إلى رينولد باستغراب ثم التفت إليّ.
لكن الصدمة تملكتني أنا أيضاً؛ لم أتوقع أبداً أن يعتذر لي مرة أخرى.
رمشتُ بعينيّ بذهول، فأومأ بول الجالس بجانب رينولد برأسه نحوي بلهفة، مشجعاً إياي على قبول الاعتذار فوراً.
بالطبع، بما أنه اعتذر بهذا الشكل، لم أكن أنوي رفض اعتذاره.
فتحتُ فمي بصعوبة
“… حسناً.”
“يا له من صلح مؤثر! وبمناسبة هذا الصلح، ما رأيكما أن يعانق كل منكما الآخر…”
نظرتُ إلى بول نظرة حادة كفيلة بالقتل، فما كان منه إلا أن أطبق فمه بهدوء لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما ابتسم بخبث وتابع
“إذن أنتما صديقان منذ اليوم آه، ومعكما السيد سيريك أيضاً.”
لم أجب على كلامه هذا، فخيّم الصمت مجدداً، حتى غيّر بول مكانه وجلس بجانبي.
أخذ بول ينقر على ذراعي مراراً وتكراراً، لكنني تجاهلته تماماً وعقدتُ ذراعيّ أمام صدري ربما أبدو في نظره طفلة طائشة بلا تفكير، لكنني في الحقيقة كنتُ غارقة في هواجسي.
فكرتُ في أنه طالما لم تغير السيدة كولين ولوت رأيهما، فسأضطر للاستمرار في قضاء الوقت مع رينولد على أي حال؛ لذا تساءلتُ إن كان من الصواب أن تظل علاقتنا بهذا القدر من التوتر وعدم الارتياح.
حدقتُ في النافذة بصمت بينما كان الوقت يمضي، وسرعان ما أدركتُ المكان الذي أرسلتنا إليه السيدة كان السوق؛ سوقاً حقيقياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
بالطبع، كان هناك فرسان يحرسوننا، لكن هذا العالم يختلف عن عالمي السابق، فالأمن هنا قد يكون سيئاً ثم إن هناك طفلين من عائلات دوقية في هذه العربة؛ ماذا سيفعلون لو تعرضت العربة لهجوم؟
توقفت العربة، فأخرج رينولد ورقة صغيرة من جيبه ببطء نظر إليه بول باهتمام وسأله بنبرة ودودة
“ماذا طلبت منكِ السيدة أن تشتري؟”
“ممم… بطاطس، وتفاح، و…”
هل يعقل أنها أرسلته في مهمة للسوق لتعليمه مبادئ الاقتصاد؟ أومأ بول برأسه وهو يستمع إلى قائمة المكونات التي يمليها رينولد.
“فلننزل ونبحث عنها أوه، سيدي الصغير، لم تنسَ إحضار محفظتك، أليس كذلك؟”
“أجل، أحضرتها.”
“أحسنت صنعاً.”
أثنى بول على رينولد ثم قفز من العربة قام بحملي أنا ورينولد واحداً تلو الآخر لينزلنا من العربة، ثم أمسك بيد كل منا ومشى بنا.
شعرتُ بغصة من عدم الارتياح لأن بول بدا وكأنه والدنا نحن الاثنين؛ لو كان الأمر كذلك حقاً، لما كنتُ قلقة من الموت على يد رينولد يوماً ما.
“آه، هناك تفاح.”
أشار بول بذقنه نحو متجر للفاكهة، وما إن رآه رينولد حتى أسرع بخطواته نحو المتجر ما خطبه اليوم؟ لماذا يتصرف كالأطفال هكذا؟ حسناً، رينولد في الثامنة من عمره فقط، لذا هو طفل بالفعل؛ أما أنا التي دخلت هذا الجسد، فلستُ كذلك.
قطبتُ حاجبيّ دون وعي صراحةً، بدأتُ أشعر وكأنني شخص سيئ يضطهد طفلاً بريئاً لا ذنب له.
شعرتُ وكأنني سأفقد صوابي؛ فأنا أيضاً لا أريد الاستمرار في صده هكذا، لكنني أعرف مستقبلي جيداً، ولا يمكنني أن أنظر إليه بودٍّ خالص.
وقف رينولد، بجسده الصغير، على أطراف أصابعه وقال للبائع بصوت واثق
“أعطني تفاحة واحدة من فضلك.”
“ثمنها قطعة فضية واحدة.”
أدخل رينولد يده في جيبه وأخرج المال، ثم سلمه للبائع أخذ التفاحة ووضعها في حقيبته بحرص شديد، وكأنها كنز ثمين.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"