بطل الرواية وشريرها الخفي، الضحية الثانوية التي ستلقى حتفها على يده، وشخصية لم يرد ذكرها في الرواية قط.
في تلك اللحظة، شد سيريك، الذي كان يكتفي بتحريك عينيه يمننن ويساره بجانبي، طرف ثوبي بخفة عندما ملتُ بجسدي نحوه قليلاً، همس في أذني بصوت خافت
“ألم نتفق على أن نلتقي بمفردنا؟”
“أنا آسفة لكن هذه أوامر والدتي…”
لقد مر يومان فقط منذ أن أخبرت سيريك أننا سنكون أصدقاء بمفردنا، فبدا الأمر وكأنني كذبتُ عليه تماماً احمر وجهي خجلاً من الإحراج، لكن سيريك، الذي يتفهم ظروف قصر الدوق، ابتسم لي وكأن الأمر لا بأس به.
كان سيريك واسع الصدر حقاً.
في تلك اللحظة، أمال رينولد رأسه جانباً بغرور وهو يراقبنا بصمت
“ألم أقل لكِ؟”
يبدو أن رينولد كان يعلم أننا سنلتقي بهذا الشكل، سواء شئنا أم أبينا أما سيريك، الذي لم يفهم مغزى كلمات رينولد، فقد اكتفى بإمالة رأسه باستغراب.
حاولتُ جاهدة إخفاء استيائي وأجبته ببرود
“أنا آسفة، لكنني لم أفتح قلبي لك بعد.”
“آه، حقاً؟”
رد رينولد بوقاحة جعلتني أشعر برغبة شديدة في ضربه قدرته على إثارة غضب الشخص بدلاً من إخافته بذلك الوجه المرعب كانت بالتأكيد موهبة فطرية.
“لكنني أشعر بالشيء نفسه تجاهكِ أيضاً.”
إذن لماذا أتيت إلى هنا أصلاً!
كتمتُ تنهيدة الغيظ بصعوبة
“هل شخصيتك هكذا دائماً؟”
“شخصيتي؟”
“وقحة أكثر مما تبدو عليه.”
رسم رينولد ابتسامة خفيفة على وجهه لا أدري لماذا، ولكن كلما تبادلتُ معه الحديث، شعرتُ وكأنني أنا من أقع في فخه.
“… هل أنتما مقربان جداً؟”
سأل سيريك بحذر وهو يستمع لحديثنا.
“لا!”
أجبتُ بشكل تلقائي، بينما اختار رينولد الصمت ولأنني خشيت أن يساء فهمي، تابعتُ بسرعة
“أبداً، لسنا مقربين على الإطلاق.”
ستكون كارثة لو انتشرت شاعة بأنني مقربة من ذلك الفتى الإشاعات تنتشر بسرعة، وإذا حدث ذلك، فقد يرسخ في أذهان الجميع أن رينولد و داناي صديقان مقربان.
رمش سيريك بعينيه لبرهة أمام ردي المتسرع، ثم أومأ برأسه بارتباك وهو يحاول الابتسام.
حقاً، ماذا عليّ أن أفعل؟
هل يجب أن أذهب للدوق اليوم؟ بما أن الدوق لم يبدِ أي ترحيب بـرينولد، فربما إذا عبرتُ عن رفضي مرة أخرى، قد ينهي هذه اللقاءات.
شعرتُ بألم خفيف في معدتي، ربما بسبب التوتر الزائد في النهاية، نهضتُ من مكاني فجأة.
اتجهت أنظار رينولد نحوي على الفور
“إلى أين؟”
“إلى المرحاض.”
عادة ما يستخدم نبلاء الإمبراطورية تعبيرات ملتوية لوصف الذهاب للمرحاض، كقولهم إنهم ذاهبون لغرفة الاستراحة مثلاً.
لذا، يبدو أن رينولد لم يتوقع أن تخرج كلمة المرحاض مباشرة من فم نبيلة مثلي.
“… هل تتلفظين بكلمات كهذه علانية؟”
بدا رينولد مصدوماً بعض الشيء كان منظره مختلفاً تماماً عن سيريك الهادئ الذي اعتاد على أسلوبي في الكلام.
أرأيت؟ أنت وأنا لا نتفق أبداً.
قلتُ بوجه يملؤه الفخر
“عليك أن تعتبر نفسك محظوظاً لأنني لم أتحدث بشكل أكثر سوقية من هذا.”
“…”
قطب رينولد وجهه تماماً.
ورؤية وجهه العابس جعلتني أشعر بنوع من الانتصار والراحة.
ذهبتُ إلى أبعد مرحاض ممكن؛ رغبةً مني في كسب الوقت وفي طريق عودتي، كنتُ أمشي ببطء شديد، أتدخل في شؤون الخدم المشغولين، وأنفخ على بذور الهندباء كلما وجدتها.
وبينما كنتُ أتسكع هكذا، رأيتُ بول يبحث عني من بعيد وما إن رآني حتى ركض نحوي مسرعاً
“آنسة! أين كنتِ؟”
“في المرحاض هل حدث شيء؟”
كان منظر بول، وهو يتصبب عرقاً، غريباً ومقلقاً.
“بينما كنتِ غائبة، تشاجر صديقاكِ!”
ماذا يقول بول؟ لماذا قد يتشاجر صديقي سيريك البريء مع رينولد؟ وحتى لو حاول رينولد افتعال شجار، فمن المؤكد أن سيريك لن ينجر إليه.
أجبته ببرود
“توقف عن الكذب.”
“كذب؟! أي كذب!”
“أن يتشاجر الاثنان، هذا مستحيـ…”
قبل أن أكمل استخفافي بالأمر، خطرت لي فكرة مرعبة الخصم هو رينولد، الشرير الخفي.
تحركت قدماي قبل أن يفكر عقلي صرخ بول خلفي معاتباً لأنني لم أصدقه، لكنني لم أسمع شيئاً.
وصلتُ إلى المكان وأنا ألهث، فصُدمتُ بمشهد الشاي الساخن المسكوب على ذراع سيريك.
“…”
وكان رينولد يقف هناك وهو يتنفس بهدوء، يراقب سيريك ببرود.
شعرتُ بدمي يتجمد في عروقي لرؤية هذا المنظر اندفعتُ نحو سيريك المصاب بسرعة، بينما ذُعر بول الذي تبعني، وغادر مسرعاً لإحضار الطبيب.
“سيريك، هل أنت بخير؟”
أغمض سيريك عينيه وأومأ برأسه خفة رداً على سؤالي، لكن شفتيه كانتا ترتجفان بوضوح.
يا إلهي، يا بول، ألم تقل إن شجارهما قد انتهى بالفعل؟ ما الذي حدث هنا بحق السماء؟
هرعت الخادمات نحونا وهن يحملن مقصاً لقطع الملابس المبللة وماءً بارداً قامت إحدى الخادمات ببراعة بقص كم قميص سيريك المبتل بالشاي، وعندما رأيت ذراعه أخيراً، كانت محمرة بشدة نتيجة الحرق.
قطبتُ وجهي تلقائياً وشعرت بوخز الضمير؛ لم يكن يجدر بي ترك مكاني كالحمقاء بطريقة ما، أنا من جعلت سيريك، الذي لا يمثل شيئاً في هذا العالم، ينغمس في أحداث الرواية الأصلية.
في اللحظة التي رأيت فيها جرح سيريك، بدأ الخوف يتسلل إلى قلبي أيضاً.
شعرت وكأن وعاءً من الماء البارد قد سُكب فوق رأسي فجأة.
تذكرت مجدداً أن هذا العالم ليس سوى رواية، وأن ذلك الفتى رينولد سيقتلني حتماً في المستقبل وإذا متُّ هنا، فربما لن أتمكن من العودة إلى منزلي أبداً.
رأيت بول من بعيد وهو يحضر طبيب القصر.
اقترب الطبيب من سيريك بسرعة وبدأ في معالجته، ثم طمأننا قائلاً إن الحرق ليس خطيراً جداً، وإذا استمر العلاج بانتظام فلن يترك أثراً ومع ذلك، شعرت بجفاف شديد في حلقي.
التفتُّ دون وعي نحو رينولد، فوجدته يعقد حاجبيه بملامح غامضة نظرتُ إليه لبرهة ثم أدرتُ وجهي، لكن في تلك اللحظة، أمسك رينولد بمعصمي بسرعة.
نظرتُ إلى يده التي تقبض على معصمي، ثم أملتُ رأسي نحوه كإشارة ليعطيني تفسيراً لما حدث تردد رينولد قليلاً، ثم بدأ يتحدث بتلعثم
“أسمعي…”
“…”
“صحيح أنه أصيب بسببي، ولكن…”
في تلك اللحظة، قاطع سيريك كلام رينولد ونهض من مكانه
“داناي، سأعود إلى منزلي الآن.”
ترددتُ للحظة؛ هل يجب أن أستمع لبقية كلام رينولد؟ لكن، ويا للسخرية، الفكرة التي خطرت ببالي في تلك اللحظة هي أن هذه فرصة
لقد خُلق لي الآن مبرر لرسم الحدود مع رينولد.
في الوقت الحالي، كان سيريك هو الأهم بالنسبة لي، وليس كلمات الشخص الذي سيقتلني مستقبلاً.
أبعدتُ يد رينولد التي كانت تقبض على معصمي.
أجل، لنرسم الحدود هنا والآن.
مهما فكرتُ في الأمر، فإن الحفاظ على علاقة معه لن يجلب الخير لي ولا له.
لم أفكر يوماً في التقرب من رينولد لأحاول تغيير شخصيته المختلة؛ فأنا أعرف نفسي جيداً، ولستُ بتلك الشخصية العظيمة التي تملك القدرة على تغيير الآخرين.
تغيير البشر ليس بالأمر السهل أبداً؛ فتغيير الذات بحد ذاته أمر شاق، فما بالك بتغيير شخص آخر؟
هذا الفتى سيصبح شخصاً لا أطيق التعامل معه، وهناك احتمال كبير أن ألقى حتفي على يده يوماً ما.
ورغم معرفتي بالمستقبل، إلا أنني لا أملك روح المغامرة التي تدفعني للحاق به.
قد يبدو الانصراف عنه ببرود تصرفاً قاسياً تجاه طفل في الثامنة، لكن لحسن الحظ، أنا الآن أبدو في الثامنة مثله تماماً، ومن المعروف أن أصدقاء الطفولة يُنسون بسرعة.
في النهاية، كان خياري هو الهروب.
تركتُ رينولد الذي كان يحاول قول شيء ما، ومشيتُ مبتعدة مع سيريك.
فكرتُ في نفسي أنني بعد كل ما فعلته، سيكون من الغريب حقاً أن نتورط معاً مرة أخرى.
****
لكن في هذا العالم، لم يكن هناك شيء يسير كما أشتهي.
بالتفكير في الأمر، هل حدث شيء واحد فقط كما أردت منذ وصولي إلى هنا؟ حتى سقوطي في هذا العالم اللعين لم يكن باختياري أصلاً.
كان رينولد لا يزال يراقب ردود فعلي بحذر.
لم يكن من النوع الذي يكترث لنظرات الآخرين، لكن رؤيته يتصرف هكذا جعلتني أتأكد أن رينولد الحالي ليس سوى طفل صغير لا حول له ولا قوة ومع ذلك، فتحتُ كتابي دون أن أنطق بكلمة واحدة تجاهه.
كان سيريك يأخذ قسطاً من الراحة في قصر عائلته الآن.
وقد أرسلت السيدة كولين كميات كبيرة من الأدوية الثمينة إلى عائلة ديتوين كنوع من الاعتذار، لكنها في المقابل لم تكن تنوي إنهاء مشروع تكوين الصداقة بيني وبين رينولد.
يبدو أنها تعتقد أنه لا توجد مشكلة حقيقية بيننا.
مهما أعملتُ عقلي، لم أفهم لماذا تصر السيدة كولين ولوتي على تزويج… أقصد، على ربطي بعلاقة صداقة مع رينولد بهذا الشكل.
هل هذا بسبب الإعدادات المسبقة للرواية؟ إن كان الأمر كذلك، فهو بحد ذاته يبعث على القشعريرة.
سألني رينولد الجالس أمامي بحذر
“هل أنتِ… غاضبة؟”
“لا.”
حرك رينولد شفتيه وكأنه يملك الكثير ليقوله، لكنه سرعان ما أطبق فمه بإحكام، وأمسك بالكتاب الموضوع أمامه هو الآخر.
كنتُ أبحث عن مخرج بكل جوارحي ذهبتُ بالأمس لمقابلة لوت وحاولتُ بكل ما أوتيتُ من قوة إقناعها بأنني لا أتفق مع رينولد، لكنها رفضت كلامي ببساطة، متذرعةً بأنني أفتقر للمهارات الاجتماعية.
حتى أنني استشهدتُ بحديثي السابق مع الدوق، لكن ذلك لم يجدِ نفعاً معها؛ فقد اكتفت بالقول إنني ورينولد سنصبح صديقين متوافقين تماماً.
عند هذا الحد، بدأتُ أشعر أن المشكلة تكمن في هذا العالم نفسه.
أنا من يرفض، وأنا من سيبني العلاقة مع رينولد، فلماذا لا يتم وضع إرادتي في الاعتبار ولو لمرة واحدة؟ هل سينتهي بي الأمر بالتقرب منه لدرجة دخول تلك الأكاديمية اللعينة معه أيضاً؟
“طرااااخ!”
في تلك اللحظة، دوى صوت تحطم زجاج
انتشلتني الضوضاء من دوامة أفكاري، فالتفتُّ بسرعة نحو مصدر الصوت.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"