6
“بما أن شخصيتيهما متشابهتان، فمن المؤكد أنهما سيشكلان ثنائياً رائعاً.”
أضافت السيدة كولين هذه الكلمات وهي تضحك بخفة.
وفي تلك اللحظة، تلاقت نظراتي مع رينولد مرة أخرى كانت هناك مشاكل كثيرة في هذا الموقف، لكن المشكلة الأكبر كانت… أن عيني رينولد اللتين تحدقان بي كانتا تشتعلان برغبة عارمة في التحدي.
لماذا بحق الخالق؟ لا يعقل أن يكون السبب طفولياً مثل: أنتِ أول فتاة لا ترغب في مصادقتي!… أليس كذلك؟
لم أستطع مضغ الطعام أو بلعه من شدة التوتر حينها، بدأت لوت تدلك كتفي بيديها
“كنت أشعر بالقلق لأن داناي فتاة مشاكسة ربما لأنها مفرطة النشاط، شعرتُ أنها تجد صعوبة في تكوين الصداقات.”
“يا إلهي، هل كنتِ تقلقين بشأن ذلك أيضاً يا سيدة؟ لكن… مما رأيته اليوم، داناي قد كونت صداقة بالفعل فكرتُ أنها تختلف عن رينولد الذي لا يملك أي أصدقاء.”
“… هل كونت داناي صديقاً؟”
كانت لوت تعلم بشكل عام أنني أتواصل مع سيريك، لكن من وجهة نظرها، بما أنه ينتمي لعائلة مجهولة، فقد اعتبرت الأمر تافهاً ولم تبدِ أي اهتمام.
يبدو أنها لم تتخيل قط أن سيريك سيصبح صديقي حقاً.
وعند سماع كلمات السيدة كولين، تحولت نظرة لوت الباردة نحوي في لمح البصر شعرتُ بالخوف يتسلل إلى قلبي، فبدأت أحرك عينيّ بارتباك قبل أن أشرح قائلة
“إنه صديق رائع جداً، قدمه لي والدي.”
لم تستطع لوت إخفاء ذهولها عند سماع كلماتي
“يا للسماء… يا داناي، يجب أن يكون الأصدقاء من نفس المستوى والمقام من أي عائلة ينحدر هذا الفتى؟”
“سيريك صديق جيد، ومزاياه لا حصر لها، فهو—”
لكن لوت قطعت حديثي بحدة
“بالطبع، لم يكن بيب ليعرفكِ على شخص لائق إنه مهمل حقاً…”
آه، لقد دُمّر كل شيء.
“بما أنكِ كونتِ صداقة بالفعل فلن أجبركِ على قطعها، لكن بدلاً من ذلك، عليكِ تكوين صداقة مع شخص آخر من مقامكِ أليس كذلك؟”
بعد سماع كلمات لوت نظرت السيدة كولين هي الأخرى إلى ابنها
“رينولد، عندما تصل لسن الرشد ستظهر لأول مرة في المجتمع… ألا تعتقد أن عليك كبح شخصيتك الجامحة تلك وتطوير مهاراتك الاجتماعية قبل ذلك؟”
“أجل، داناي ألا تعجبكِ الفكرة؟”
أضافت لوت داعمة لكلام السيدة وهي تسألني.
… لماذا تفعلون بي هذا؟
أمام عيني لوت ذوات اللون الأزرق البحري البارد، تملكني الرعب لدرجة أنني لم أستطع الرد كنت أود تلبية طلب لوت قدر الإمكان، لكن هذا الأمر كان مرفوضاً تماماً.
سأموووووت! سأموت حقاً إذا استمر هذا!
نظرتُ إلى رينولد نظرة استعطاف يائسة، آملةً أن يرفض هو على الأقل، لكنه بدلاً من ذلك ابتسم بصفاء وأجاب
“أنا موافق.”
يا إلهي، كيف يمكن لشخص أن يكون مستفزاً إلى هذا الحد؟
حينها قالت لوت وهي تبتسم
“هذا لأن داناي خجولة مع الغرباء بمجرد أن يزول التوتر، سيصبح الأطفال أصدقاء في وقت قصير.”
“هذا صحيح، لقد رأيتهما يلعبان معاً بشكل جيد في المرة السابقة أيضاً.”
أين رأيتِنا نلعب بحق السماء؟ مهما فكرتُ، لم يسبق لي أن لعبتُ مع رينولد قط!
شعرتُ وكأن وعيي يغيب عني في تلك اللحظة، أمسكت لوت بيدي بقوة تحت الطاولة كانت قبضتها قوية لدرجة أنها آلمتني، فالتفتُ إليها بجفول، لتنظر إليّ وهي تبتسم بإشراق قائلة
“أنا أثق بكِ.”
ههه، يا للسماء…
****
‘إذن، لنتفق على أن يلتقيا ثلاث مرات أسبوعياً على الأقل أعتقد أن الدراسة معاً ستكون فكرة جيدة أيضاً… آه، وما رأيكِ أن نُعرفهما على معلمي بعضهما البعض؟’
‘هذا رائع إذن، لنجعل لقاء هذا الأسبوع في قصر ليردونيا.’
تذكرتُ هذا الحوار الذي دار بين السيدة كولين ولوت فدفنتُ وجهي في الوسادة وأخذتُ أضرب السرير بقبضتيّ مراراً وتكراراً.
نظر إليّ إيدين بنظرة ملؤها الازدراء وأنا أقوم بهذه الجلبة، ثم قطب ما بين حاجبيه وسأل
“هل تكرهينه إلى هذا الحد؟”
رفعتُ رأسي بانتفاضة إثر سؤاله
“أجل ولماذا أنا بالذات؟ حتى والدي أرسلني أنا في المرة السابقة، ولم يرسلك أنت أو سيلفستر.”
سأل إيدين بفتور
“ألا تعرفين السبب حقاً وتسألين؟”
وعندما بدت على وجهي علامات المظلومية، تنهد إيدين وقال بنبرة جادة
“الكلب المجنون لا يواجهه إلا كلب مجنون مثله.”
“هل تقصد أنني كلبة مجنونة الآن؟”
أجاب إيدين وكأن الأمر بديهي
“لحسن الحظ أنكِ لستِ غبية وفهمتِ ما أقصد.”
تمتمتُ بوجه عابس تماماً
“هذا الفتى حقاً… لا يجد حرجاً في قول أي شيء لأخته “
بدا على إيدين وكأن الأمر لا يستحق الاستغراب، لكنه صمت للحظة وكأنه يفكر في شيء ما، ثم سألني بحذر
“لكن قولي لي… أنتِ…”
“ماذا؟”
“هل تكرهين الفتيان الوسيمين؟”
“ما هذا الهراء؟”
من ذا الذي قد يكره الوسيمين؟ كان سؤاله يشبه قول شخص ما إنه يكره الطعام اللذيذ.
قطبتُ حاجبيّ لا إرادياً أمام سخافة قوله، فمال إيدين برأسه متسائلاً
“لا، ليس الأمر كذلك إذا فكرتِ بالأمر، فأنا وسيم أيضاً…”
“منذ متى وأنت تتفوه بهذا الهراء بكل هذا الإتقان؟”
عندما أبديتُ فزعي من كلامه المريع، هز إيدين كتفيه
“لا، الأمر غريب أعني طريقتكِ في معاملة السيد الصغير رينولد أو سيلفستر.”
“…”
“حسناً، لنتجاوز أمر رينولد لأنكما لستما مقربين، لكن ماذا عن سيلفستر؟ هل فعل لكِ ذلك الطفل شيئاً؟”
ثم تابع متمتماً
“لا أظنكِ تفرقين بيننا الآن لأننا إخوة من أمهات مختلفات…”
بالطبع لم يكن هذا هو السبب على الإطلاق.
لو كنت أهتم بهذه الأمور، لما أصبحتُ مقربة من إيدين بهذا الشكل أصلاً كان السبب بسيطاً؛ سيلفستر شخصية محورية في هذه الرواية، ويبدو كشخص يفتقر للحس الواقعي.
الحديث مع شخصيات الرواية… كان يشبه الحديث مع شخص من واقع افتراضي لا وجود له في الحقيقة.
وهذا هو السبب في أنني كنت أرتاح فقط في التعامل مع سيريك وإيدين دون غيرهما ولكن لو قلتُ هذا الصدق اللعين الآن، لقام هذا الأخ الأحمق باستدعاء الطبيب فوراً.
أجبته بخفة على كلامه
“لا أعرف بشأن ذلك اللعين، لكنني أحب سيلفستر كثيراً.”
“…”
كانت نظرته تقول إنه لا يصدقني بتاتاً، فأضفتُ مبتسمة بتكلفة
“حقاً الأمر فقط… أنني لا أزال غير بارعة في التعامل مع أخي الصغير.”
“إذن هذا مطمئن.”
ابتسم إيدين وكأنه ارتاح لكلامي، ثم عاد ليركز في دراسته نظرتُ إلى مؤخرة رأسه الذهبي ثم أعدتُ رأسي إلى الوسادة.
“أخي… أختي…”
في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخل سيلفستر ووجهه محمر تماماً رد عليه إيدين بلطف
“هل تريد أن أقرأ لك قصة؟”
أومأ سيلفستر برأسه بحذر، وبدأ يتردد وهو يمسك بكتاب القصص الذي أحضره مد إيدين يده بلطف ليأخذ الكتاب ويقرأ له، لكن سيلفستر أخفى الكتاب خلف ظهره بسرعة.
مال إيدين برأسه مستغرباً، بينما تردد سيلفستر قليلاً ثم اقترب مني، ومد لي كتاب القصص فجأة.
قطبتُ وجهي
“… ما هذا؟”
“اقرئي لي.”
بسبب وقوفه هناك ومطالبته لي بقراءة القصة بوجه واثق، قطبتُ حاجبيّ دون وعي كانت أذنا سيلفستر ووجنتاه محمرتين.
يبدو أنه سمع كل الهراء الذي قلته قبل قليل بالخارج.
همس إيدين محركاً شفتيه من خلف سيلفستر
“اقرئي له بسرعة.”
بيننا وبين سيلفستر عام واحد فقط! أنا أيضاً في عمر يحتاج للعناية! تمنيتُ لو تظاهرتُ بأنني لا أجيد القراءة تنهدتُ بأسف على غبائي، ثم نهضتُ من السرير.
خطفتُ كتاب القصص من يد سيلفستر وربتُّ على المكان بجانبي كإشارة له ليجلس جلس سيلفستر بجانبي وهو يبتسم.
بدأتُ أقرأ الكتاب بصوت جاف وخالٍ من المشاعر، ومع ذلك، شعرتُ بشفقة غريبة تجاه سيلفستر الذي كان يستمع لقصتي باهتمام كان من الغريب أن يتحرك هذا الطفل الصغير تماماً مثلي، وكنت أتساءل إن كان بشراً حقيقياً أم لا.
كانت كل هذه تساؤلات بلا إجابات.
يقولون إن القدر يحدده الاختيار، فلماذا تحدد قدري مسبقاً رغم أنني لم أختر شيئاً؟
نظرتُ إلى جانب وجه سيلفستر دون قصد، ثم أعدتُ نظري إلى الكتاب.
شعرتُ بشعور غريب لمجرد أنه يعتبرني عائلته، ويعتبرني أخته الكبرى.
****
“ما الذي تحبه داناي أكثر من أي شيء آخر؟”
سألتني السيدة كولين وهي تجلس بجانبي وعلى وجهها ابتسامة مشرقة.
“أنا… أحب تناول الطعام بشكل عام.”
هل سبق وأن شعرتُ بهذا القدر من الاشتياق لـرينولد؟ بمجرد أن غادر رينولد مكانه للحظة، استولت السيدة على المقعد المجاور لي، وشعرتُ حينها بضيق لا يُطاق.
بالطبع، كنتُ ممتنة جداً لقلب السيدة التي تعاملني بلطف وكأنني ابنتها الحقيقية، ولكن… الحقيقة هي أنني كنتُ أشعر بعدم الارتياح.
“والحلويات؟”
“أحب الحلويات أيضاً.”
“يا له من أمر رائع! رينولد أيضاً يحب الأشياء الحلوة كثيراً.”
بدا أنها تفعل كل هذا بدافع رغبتها القوية في أن نصبح أنا و رينولد صديقين في أسرع وقت ممكن لكن الصداقة تأتي عندما تتلاقى القلوب، وليست أمراً يُفرض فرضاً بهذا الشكل.
حدقتُ في الفراغ بصمت، أنتظر قدوم رينولد أو سيريك في الواقع، كان من المفترض أن يكون هذا اليوم مخصصاً للقاء سيريك فقط، لكنني كدتُ أسقط من الصدمة عندما سمعتُ فجأة أن السيدة كولين و رينولد سيزوراننا.
“هل تحبين دمى الدببة؟ رينولد يفضل دمى الحيوانات على الدمى التي تشبه البشر.”
… واكتشفتُ شيئاً جديداً، وهو أن ذوقي وذوق رينولد متشابهان إلى حد ما فبما أنني كنتُ أخاف من الدمى البشرية، كانت غرفتي مليئة بدمى الدببة فقط.
“دمى الدببة… أحبها كثيراً.”
عند سماع إجابتي، ارتسمت على وجه السيدة ابتسامة غاية في الرضا.
“لو وُلدتِ أنتِ و رينولد كأخوين، لكانت علاقتكما رائعة بلا شك.”
مسحت السيدة كولين على شعري ببطء، وكانت لمستها تفيض بالمودة والحنان وأمام هذه المشاعر الصادقة، تجمدتُ في مكاني دون وعي.
“داناي.”
في تلك اللحظة، سمعتُ صوت رينولد فالتفتُّ نحوه يبدو أنهما التقيا في الطريق، فقد كان سيريك و رينولد يسيران معاً، وبالطبع لم تكن علامات الرضا بادية على وجه أي منهما.
نهضت السيدة كولين من مكانها فور رؤيتهما
“سأترككم الآن بمفردكم العبوا معاً جيداً ولا تتعاركوا، اتفقنا؟”
غمرتني السيدة بعناق أخير ثم غادرت المكان وما إن رحلت، حتى خيّم صمت ثقيل على الحديقة.
“…”
“…”
“… هههه.”
كانت مواجهة محرجة لدرجة تحبس الأنفاس سيريك، و رينولد، وأنا أي مزيج غريب هذا الذي اجتمع هنا؟
التعليقات لهذا الفصل " 6"