بدا أن السنيور أوسكار لم يعجبه تصرف السنيورة روزي، لكنه لم ينبس ببنت شفة.
“هيا! علينا إنهاء التنظيف بسرعة لنضع خطة النادي.”
رغم أنني فُتنت بوسامة وجهه للحظة، إلا أنني لم أستطع الاستمرار في هذا النادي على هذا النحو.
“أنا آسفة يا سنيور……، لكنني كنتُ سأذهب إلى……”
وعند سماع كلماتي، اتجهت نظرة السنيورة روزي الحادة نحوي على الفور، مما جعلني أتوقف عن الكلام تحت وطأة نظراتها.
“إلى ماذا؟”
“إن كنتِ ستتحدثين عن الانضمام إلى نادي آخر، فالأفضل لكِ أن تتوقفي.”
أخذ السنيور أوسكار القماش الأبيض من يد السنيورة روزي بخفة، ولفه حول جسده ثم نهض من مكانه.
“لأننا إن فقدناكِ، فلن يتمكن النادي نفسه من الاستمرار.”
“……”
اللعنة.
بالكاد استطعتُ كبح الشتيمة التي كادت تخرج من فمي.
“با، بالطبع لم أكن أنوي قول شيء كهذا!”
رسمتُ ابتسامة مشرقة على وجهي أولاً.
“كنتُ سأسأل فقط عما إذا كان هناك…… غرفة أخرى للنادي.”
حينها فقط لانت ملامح السنيورة روزي وأجابت
“لا يوجد فنحن نادٍ يضم الحد الأدنى من الأعضاء فقط.”
بدأت السنيورة روزي بغسل خرقة وتنظيف الطاولة، بينما وضع السنيور أوسكار خرقة تحت قدمه وبدأ يمسح بها الأرض.
.. إن كان الحد الأدنى لاستمرار النادي هو أربعة أشخاص.
“إذاً، أين العضو الرابع؟”
توقفت يد السنيورة روزي عن مسح الطاولة عند سماع سؤالي.
لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ هزت رأسها يميناً وشمالاً
“اعتبريه غير موجود فنحن الثلاثة من سندير نادي أرليا.”
“…… إذاً، هل السنيور أوسكار هو رئيس النادي؟”
جالت عينا السنيور أوسكار بحيرة بعد سماع كلامي، لكنه سرعان ما هز كتفيه بخفة.
“يمكنكِ اعتبار الأمر كذلك، لا بأس.”
.. هل يعقل أن رئيس النادي قد هرب؟
لقد كان نادياً غامضاً من جوانب عدة.
***
كان الجو مشرقاً.
استندتُ إلى المقعد وبسطتُ ذراعيّ بقوة؛ لو لم يكن هناك حصص دراسية لكان يوماً مثالياً تماماً، وهذا ما جعلني أشعر بقليل من الأسف.
وكأن أديل تشاركني الأفكار ذاتها، إذ تمتمت
“أريد أن أذهب للتنزه……”
“وأنا أيضاً.”
فتحتُ غلاف المثلجات؛ كان لونها الأصفر الزاهي يتناغم تماماً مع طقس اليوم.
أديل التي كانت تستلقي بضعف على ظهر المقعد، بدت وكأن فكرة جيدة قد خطرت ببالها، فعدلت جلستها والتفتت نحوي.
“أنتِ، ليس لديكِ ما تفعلينه في عطلة الصيف القادمة، أليس كذلك؟”
قضمتُ قمة المثلجات وأومأتُ برأسي إيجاباً.
حينها ارتسمت على وجه أديل ابتسامة مشرقة وكأنها وجدت ضالتها.
“جدتي تدير مزرعة في الريف لنذهب معاً هناك في العطلة الصيفية، ونقيم حفلة بيجاما في الليل أيضاً!”
اتسعت عيناي تدريجياً عند سماع كلماتها.
شعرتُ بالإثارة لمجرد التفكير في الأمر.
وسارعتُ بالرد خشية أن تتراجع أديل عن كلامها
“بالطبع، يسعدني ذلك كثيراً!”
“حسناً، سأكتب رسالة إلى جدتي فوراً أخبرها أنني سأحضر صديقتي معي، لذا إياكِ والتراجع، اتفقنا؟”
“بل إياكِ أنتِ.”
أومأت أديل برأسها مؤكدة على تحذيري، ثم اقتربت من أذني وهمست بصوت خافت
“في الحقيقة، هذه هي المرة الأولى التي سأقيم فيها حفلة بيجاما مع فتاة.”
أوه، كان هذا مفاجئاً حقاً.
فبناءً على شخصية أديل الاجتماعية، ظننتُ أن لديها الكثير من الصديقات وأنها أقامت عشرات الحفلات من هذا النوع.
لم أرد أن أكون أقل منها، فهمستُ بدوري في أذنها
“في الحقيقة، وأنا أيضاً.”
ضحكت أديل ضحكة خفيفة
“الخوخ الذي تزرعه جدتي حلو المذاق حقاً لنصنع منه فطائر ونأكلها معاً.”
بدت وجنتا أديل محمرتين من الحماس، وكأنها تنتظر عطلة الصيف بفارغ الصبر.
“لنضع خطة للعطلة بينما نتناول الغداء فاليوم لا يوجد اجتماع لنادي الشاي.”
“اتفقنا.”
قطعتُ وعداً غليظاً مع أديل.
كان اليوم هو موعد الحصة المشتركة مع قسم السحر.
بمجرد أن دخلتُ القاعة مع أديل، وجدنا كالعادة حشداً كبيراً من الطلاب يلتفون حول كاريس.
‘مجرد النظر إليهم يشعرني بنقص في الأكسجين.’
كانت هذه الحصة من أكثر الحصص التي أبغضها؛ فالمشكلة تكمن في الازدحام الشديد داخل القاعة بسبب اجتماع طلاب قسم السحر وقسم الهندسة السحرية معاً.
“هيا بنا بسرعة يا داناي.”
تمتمت أديل بذلك وهي تشد ذراعي وتتجه بخطوات واسعة نحو كاريس.
بصراحة، كنتُ أشعر بعدم الارتياح تجاه كاريس.
ربما يعود السبب في ذلك إلى قناعتي بأنه شخص لا أحتاج للتقرب منه.
حاولتُ سحب ذراعي من قبضة أديل بخفية، لكنها أصرت على ضرورة إلقاء التحية في مثل هذه المواقف، وجرتني معها نحو كاريس.
بسبب الزحام لم ألحظ وجود جوليا التي كانت تجلس بجانب كاريس. بدت جوليا منتشية وسعيدة للغاية بوجودها رفقة أخيها الأكبر.. بالطبع، تغيرت تعابير وجهها تماماً وظهر عليها الانزعاج بمجرد أن التقت عيناها بعيني.
“مرحباً، أيها السنيور!”
ألقت أديل التحية بوجه بشوش كعادتها.
أما أنا، فاكتفيتُ بإيماءة بسيطة برأسي مكملةً تحية أديل.
تابعت أديل حديثها مع كاريس بطلاقة، أما أنا، فلم أكن أملك الشجاعة ولا الرغبة في خوض حديث معه، فاكتفيتُ بالوقوف هناك في مكان غريب ومرتبك.
“أنتِ هناك!”
في تلك اللحظة، شق أحد الطلاب طريقه وسط الحشد واقترب مني ممسكاً بذراعي.
سحبتُ ذراعي بجفلة، فرفع يده التي أمسكتني عالياً كأنه يعتذر ولم يقصد إخافتي.
كان هناك الكثير من الطلاب لدرجة أنني لم أستطع رؤية بطاقة اسمه بوضوح، لكن بما أن لون بطاقته كان أسود مثل بطاقتي، فمن الواضح أنه طالب في السنة الأولى.
“أنتِ داناي، أليس كذلك؟”
“…… هل تعرفني؟”
من هذا الفتى؟ سألتُه بنبرة حادة دون وعي مني، لكنه لم يبدُ مكترثاً بذلك على الإطلاق.
“لدي أمر أود سؤالكِ عنه.”
“……؟”
“هل أنتِ وليونارد تتواعدان؟”
كان صوته مرتفعاً بما يكفي لجذب انتباه أديل التي كانت تتحدث مع كاريس، فالتفتت نحونا هي والآخرون.
عقدت أديل حاجبيها وصرخت فيه بدلاً مني، بينما كنتُ أنا في حالة ذهول
“لماذا تسأل عن أمر كهذا وأنت لست قريباً منها حتى؟”
حينها تدخلت جوليا بابتسامة مشرقة وهي تستمع لحديثنا
“لا بد أنهما يتواعدان حقاً، أليس كذلك؟ لقد كانا متلازمين طوال الوقت منذ صغرهما.”
كتمتُ رغبتي الشديدة في توجيه لكمة إلى وجهها وفتحتُ فمي لأتحدث
“أنا وليونارد مجرد صديقين.”
“إيه، يبدو أنكِ تكذبين!”
قال الفتى بصوت عابث وهو يبتسم بلؤم
“لقد انتشرت الشائعات حولكما بالفعل.”
شائعة بأنني أواعد ليونارد؟
قطبتُ حاجبي دون إرادة مني عند سماع كلماته.
‘أنا وليونارد……؟’
صحيح أننا كنا نلقي التحية أو نتناول الغداء معاً في المدرسة، لكن أديل كانت معنا دائماً.
لذا لم أتخيل قط أن تنتشر شائعة كهذه طوال هذا الوقت.
…… هل تعرف غلوريا أيضاً بهذا الخبر؟
هل يعقل أن تتسبب هذه الشائعة في قطع حبال الوصل بين غلوريا و ليونارد تماماً؟
شعرتُ بوخز الضمير لفكرة أنني قد أفسدتُ المساعي العاطفية لصديقي.
ربما كانت ملامح وجهي الغارقة في التفكير حادة وقاسية، مما جعل ذلك الفتى يجفل مكانه.
لم تفوت أديل تلك اللحظة وانقضت عليه توبخه
“أين ذهب أدبك؟ إذا قالت لك صاحبة الشأن إن الأمر ليس كذلك، فهو ليس كذلك كيف تجرؤ على الوقوف أمامها والثرثرة حول الشائعات وما شابه؟”
“لا، لقد سألتُ بالنيابة عن بقية الطلاب لأنهم يشعرون بالفضول، هذا كل ما في الأمر.”
يا لها من ذريعة واهية.
قلتُ له بملامح منقبضة
“استمر في تصرفاتك هذه، إذا كنت ترغب في أن تكون أنت بطل الشائعة القادمة.”
“لقد سألتُ فحسب، لكنكِ حساسة بشكل مبالغ فيه.”
تقدمتُ نحوه خطوة دون وعي مني، فجفل وتراجع للخلف.
“هل قلتَ للتو إنني حساسة؟”
ولكن في تلك اللحظة، فُتح الباب الأمامي للقاعة، وتردد صدى صوت البروفيسوره يوريان، المسؤوله عن هذه الحصة، وهي تصرخ
“أنتم هناك، ماذا تفعلون الآن؟”
ما إن سمع صوت البروفيسوره حتى لاذ ذلك المزعج بالفرار. يا له من وغد، لقد هرب قبل أن أتمكن حتى من معرفة اسمه.
حاولتُ تهدئة غضبي والعودة إلى مقعدي، حينها استوقفني كاريس وسألني بلطف
“هل أنتِ بخير؟”
لم يخطر ببالي قط أن كاريس، الذي لم يسبق لي تبادل الحديث معه فعلياً، سيطمئن على حالي.
“آه…… أنا بخير.”
ما هذا؟ إن شخصيته مهذبة للغاية مقارنة بجوليا.
“سأقوم بتوجيه تحذير لألين.”
…… هل سيذهب إلى هذا الحد؟
حسناً، من الجيد أنني لن أضطر للقيام بأي شيء بنفسي. أومأتُ برأسي بحذر
“شكراً لاهتمامك.”
عندها رسم كاريس ابتسامة بدت عليها علامات الرضا ثم تركني لحالي.
…… هل لأنني التقيتُ ببطل حقيقي ومهذب بعد وقت طويل؟
شعرتُ بشعور غريب حقاً.
بدأتُ أفهم نوعاً ما لماذا كانت غلوريا تحبه.
أما أديل، فقد أخذت تثير جلبة بجانبي معتبرة أن ما حدث أمر رائع.
‘لكن لماذا؟ علاقتي بجوليا سيئة للغاية.’
كانت هناك نقاط تثير الحيرة، لكني توقفتُ عن التفكير في أي شيء آخر وركزتُ على كلمات البروفيسوره
“يفترض أن الجميع يعلم أن الهيكل الأساسي للدوائر السحرية هو الدائرة.”
رسمت البروفيسوره يوريان دائرة صغيرة على السبورة.
“تبدأ كل أنواع السحر من هذه الدائرة الصغيرة، وهذه الدائرة هي ما نسميه الحلقة السحرية.”
تابعت البروفيسوره يوريان حديثها ورسمت دائرة أخرى تحيط بالدائرة الصغيرة، بحيث احتوت الدائرة الكبرى تلك التي تصغرها.
“السحر المتقدم لا يتجلى بمفرده أبداً، بل يتحقق دائماً من خلال التناغم مع أنواع أخرى من السحر فالسحر العظيم ينبثق من سحر بسيط واحد وعندما تتشكل دائرتان بهذا الشكل، نطلق على هذا المخطط السحري اسم المخطط ذو الحلقتين.”
استمرت في رسم دوائر إضافية تحيط بتلك الدوائر، وكان حجمها يزداد تدريجياً.
ولم تتوقف عن الرسم إلا عندما وصل عدد الدوائر إلى تسع.
“تقول الروايات إن كبار السحرة القدامى استطاعوا رسم مخططات سحرية تصل إلى تسع حلقات لكن هذا مجرد أسطورة، ففي الوقت الحالي، أقصى ما يمكن تحقيقه هو رسم مخطط مكون من سبع حلقات.”
كانت الفراغات بين المنحنيات المكونة للدوائر خالية، فبدأت البروفيسوره يوريان بملء تلك الأجزاء برسم نجوم وأشكال هندسية متنوعة.
“علينا ملء هذه الفراغات بين الحلقات بالمعادلات السحرية ولهذا السبب، كلما زاد عدد الحلقات، زادت صعوبة الحفاظ على استقرار المخطط السحري وهذا هو السبب أيضاً في تصنيف الهندسة السحرية ضمن التخصصات السحرية؛ إذ لا يمكن للمهندسين السحريين أبداً صنع الأدوات السحرية بمفردهم.”
رسمت البروفيسوره يوريان مخططاً سحرياً جديداً يتداخل مع المخطط ذي الحلقات التسع.
“المهندس السحري والساحر يشكلان دائماً فريقاً واحداً غالباً ما يُشبه الساحر بالطاهي الذي يعد الطعام، بينما يُشبه المهندس السحري بالشخص الذي يصنع الأطباق لتقديم ذلك الطعام ولكي يمتزج سحر الساحر مع أداة المهندس السحري، يجب أن تتداخل المخططات السحرية في نقاط الربط بشكل متقن تماماً.”
…… بدأ ينتابني شعور بالقلق شيئاً فشيئاً.
ولم يسبق لحدسي السيئ أن أخطأ أبداً.
“سيكون تكليفكم القادم عملاً جماعياً أريد من مهندسي وسحرة المستقبل أن يشكلوا فرقاً ليصنعوا أدوات سحرية رائعة.”
تعالت صيحات التأفف والتحسر من كل حدب وصوب.
“سأقوم بتقييم ثلاثة جوانب أساسية في مشروعكم: الجمالية، والعملية……”
“لا يعقل أن يكون الجانب الثالث هو روح التعاون أو ما شابه؟”
تمتمت أديل بذلك، ويبدو أن حدسها السيئ بدأ يراودها هي الأخرى.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 36"