“لو ارتبطتُ به، فسأحرق أصابعي ندمًا.”
“وهل تظنين أنني سعيد بالارتباط بكِ؟”
تمتم رينولد رادًا عليّ.
في النهاية، تدخلت أديل لفض النزاع بيننا ج
“لقد فهمتُ أنكما مقربان جدًا.. أنا آسفة لأنني فتحت هذا الموضوع.”
في تلك اللحظة، بدأت الجلبة تسود المطعم.
وحين التفتُّ نحو مصدر الضجيج، رأيتُ فتيات نادي الشاي يدخلن إلى المكان.
بمجرد أن رأتهم أديل، سارعت بالاختباء تحت مفرش الطاولة.
وبما أن أعضاء النادي كانوا يتناولون الغداء جماعيًا، فيبدو أن أديل قد اختلقت عذرًا للتملص من تلك المائدة.
“داناي ، هل.. هل يمكنكِ إخفائي؟”
بسبب صوت أديل المذعور، أومأتُ برأسي دون تفكير، ثم قمتُ بتقريب الكرسي الذي أجلس عليه نحو مخبئها.
بينما كانت جوليا تمر بجانب مقعدي، سخرت مني
“كم وجبة تأكلين في المرة الواحدة؟”
استخدمت جوليا لغة راقية تليق بأميرة مثلهـا ولوت وجهها وهي تنظر إلى طبق أديل الموضوع أمامي وإلى طبقي الذي كنتُ آكل منه.
واصلتُ وضع الطعام في فمي بجمود وقلتُ لها
“امضي في طريقكِ وحسب.”
“سأفعل دون أن تقولي ذلك.”
اتخذت جوليا مجلسًا في مكان غير بعيد عنا.
“داناي، هل يمكنكِ إعطائي تفاحة؟”
قالت أديل بصوت منخفض وهي تنغزني بخفة.
ناولتُ التفاحة لأديل المختبئة.
وعندما شعرتُ بنظرة تراقبني، التفتُّ نحو رينولد لا إراديًا، فوجدتُ زوايا فمه ترتعش وكأن الموقف يثير ضحكه.
“غلوريا، هل يمكنكِ جلب بعض الماء؟”
“آه، حسنًا!”
سرعان ما انطلق صوت غلوريا المبهج.
يبدو أن هالة البطلة حقيقية، فصوتها كان مسموعًا بوضوح حتى وسط ضجيج هذا المطعم المزدحم.
كنتُ أمضغ اللحم ببطء وأنا أراقب غلوريا بهدوء.
كانت وهي تنفذ طلبات جلب الماء بابتسامة مشرقة تبدو كجرو بريء لا مثيل له.
’هل أجبروها على الانضمام لنادي الشاي فقط ليفعلوا بها هذه التصرفات الطفولية؟‘
ربما كنتُ أُحدق بها دون وعي، لأن غلوريا شعرت بنظراتي والتفتت نحوي.
اتسعت عيناها للحظة حين التقت نظراتنا، ثم ابتسمت لي بصفاء.
… ما هذا؟ لقد ابتسمت لي، وسيكون من الغريب أن أتجنب النظر إليها.
لذا، تظاهرتُ بالابتسام رادّةً عليها ببرود.
كنتُ أظن أن رصيد إعجابها بي قد نفد بعد المرة السابقة.
حشوتُ الطعام في فمي والارتباك يملأ وجهي.
“غلوريا، تفاحة من فضلكِ.”
“غلوريا، أنا آسفة ولكن هل يمكنكِ جلب الماء مجددًا؟”
“غلوريا…”
كادت أصوات فتيات نادي الشاي تسبب لي انهيارًا عصبيًا.
لو تعرض أي شخص لهذا القدر من المضايقات، لكان من حقه تمامًا أن يوجه لهم لكمة قوية.
لا أحد من الطلاب كان يجرؤ على إيقافهم ربما خوفًا من انتقام جوليا وناديها.
لم أكن أعرف ما إذا كانت الأكاديمية لا تعلم بهذا، أم أنها تتجاهل الأمر معتبرة إياه ليس تنمرًا حادًا.
“يا أنتم أليس لديكم أيدٍ؟”
توقفْتُ عن الأكل لبرهة عند سماع صوت ريان كان ريان يصرخ بوجه غاضب، وبدا أن طبعه حاد جدًا.
“افعلو ذلك بأنفسكم ولا تفتعلو المشاكل باختيار فتاة سهلة المنال لتصبو غضبكم عليها.”
لا أدري من يشبه بلسانه السليط هذا.
“…….”
ساد الصمت في المطعم فجأة.
وابتلعتُ ريقي وسط هذا السكون المطبق.
لكن سرعان ما تذكرتُ شيئًا والتفتُّ بسرعة نحو جوليا؛ كان وجهها يتغير ألوانه بين الأحمر والأزرق من شدة الغضب.
يا إلهي، هذا المدعو ريان حقًا…
للمعلومة، جوليا تكنّ مشاعر حب من طرف واحد لريان.
وربما كان هذا أحد أسباب تنمر جوليا على غلوريا.
وعلاوة على ذلك، وفقًا للرواية الأصلية، حتى شقيقها ولي العهد قد وقع في حب غلوريا، كما أن غلوريا انتزعت منها المركز الأول في قسم السحر.
مساعدة ريان لغلوريا علنًا هكذا لن تزيد الأمر إلا سوءًا، لأن تنمر جوليا سيصبح أكثر قسوة في الخفاء.
بعد ذلك، خطف ريان كأس الماء الذي كانت تمسكه غلوريا وشربه دفعة واحدة، ثم غادر المطعم ببرود.
يا له من…
“ذلك المجنون…”
تمتمتُ بشتيمة دون أن أشعر.
هل يفعل ذلك ظنًا منه أن غلوريا ستحبه؟ مسحتُ وجهي بيدي بأسى.
“يبدو أنهم لا يملكون شيئًا مفيدًا ليفعلوه.”
رينولد الذي كان يراقب الموقف معي، أبدى تذمره أيضًا فسألتُه وهو جالس بهدوء
“ألن تساعد؟”
“… ولماذا أفعل؟”
نظر إلي رينولد بتعابير مستغربة وكأن سؤالي غريب.
أجل، لا بأس.
لكنك قريبًا ستضحي بحياتك من أجل غلوريا.
بعد أن انتهت تلك الجلبة، خرجت أديل من تحت الطاولة وهي ترتب شعرها
“حقًا، ما الذي يحدث هنا؟”
… كانت هذه الجملة هي تمامًا ما أود قوله أنا.
***
في أكاديمية تيلين، كان لزامًا على الطلاب الانضمام إلى نادٍ واحد على الأقل، بل إن الأنشطة الطلابية كانت تدخل ضمن تقييم الدرجات الأكاديمية.
بالطبع، كنتُ أنوي الانضمام إلى نادٍ مع أديل، وهي أيضًا كانت ترغب في ذلك، لكن اتجاهاتنا كانت مختلفة تمامًا.
كانت أديل تطمح لنادٍ مليء بالأنشطة، مؤمنة بأن هناك الكثير لتكسبه منه، فكانت تبحث عن نادٍ مروع يتضمن جلسات دراسية مرة كل أسبوع.
أما أنا، فكنتُ أرغب في نادٍ هادئ بلا أنشطة تُذكر.
لذا في النهاية، قررنا أن يختار كل منا ما يناسبه.
بينما كانت أديل تتصفح معي منشورات الأندية، التقطت ورقة وكأنها وجدت النادي المثالي لي.
“ما رأيكِ في أرليا ؟”
“أرليا؟”
أومأت أديل برأسها بخفة وناولتني المنشور.
“إنه نادٍ صغير كما أردتِ، ومن خلال المنشور يبدو أنه غير نشط كثيرًا.”
أخذتُ المنشور من أديل وقرأت
「 النادي الثقافي – أرليا النشاط الرئيسي: تنمية القدرة على التفكير
على الطلاب المهتمين مراجعة نائبة رئيس النادي، روزي، طالبة السنة الثانية في قسم الفنون. 」
كان من الغريب أن يطلب المنشور مراجعة نائبة الرئيس لا الرئيس نفسه.
تفحصتُ الورقة من الجهتين وسألتُ أديل
“ولكن، كيف عرفتِ أنه نادٍ صغير؟”
“آه، ذلك لأن…”
خفضت أديل صوتها
“السينباي روزي هي ابنة كلاين.”
حينها فقط فهمتُ الأمر؛ فكلاين كان اسم محكوم عليه بالإعدام سيئ السمعة في السابق.
“على حد علمي، هذا النادي قد أُنشئ حديثًا لا أحد يعرف حتى الآن من هو رئيسه أو من هم أعضاؤه… هل أنتِ موافقة رغم ذلك؟”
أومأتُ برأسي.
لم أرغب في قضاء وقتي في نادٍ صاخب.
ولهذا السبب كنتُ أحاول جاهدة الانضمام لنادٍ مختلف عن رينولد لأن النادي الذي سيكون فيه سيكون صاخبًا بلا شك.
“أرجوكِ لا تخبري رينولد أنني سأنضم لنادي أرليا.”
“ثقي بي، فمي مغلق تمامًا.”
هزت أديل رأسها بخفة.
في تلك اللحظة، لمحت أديل شيئًا خارج النافذة
“أوه، يبدو أن دروس قسم الفنون قد انتهت للتو؟”
نظرتُ من النافذة دون اهتمام، فرأيتُ الطلاب يخرجون من مبنى كلية الفنون وهم يحملون أدوات الرسم الخاصة بهم.
“ربما عليكِ الذهاب الآن والبحث عن السينباي روزي.”
“معكِ حق.”
أضفتُ أنني سأشتري لها وجبات خفيفة من المتجر لاحقًا، ثم أسرعتُ بالذهاب للبحث عن السينباي روزي.
حتى لو كنتُ سأترك الأكاديمية قبل التخرج، كان عليّ أن أجتهد حتى ذلك الحين.
فإذا وصل إنذار أكاديمي إلى المنزل… مجرد التفكير في الأمر كان مروعًا.
فوالدي سيأمر ريان بالتأكيد بمراقبتي على مدار الأربع وعشرين ساعة.
والدي يهتم بمظهره أمام الناس أكثر مما يبدو.
في الواقع، إن كان يهتم بمظهره حقًا، ألم يكن من الأفضل ألا ينجب كل هؤلاء الأطفال غير الشرعيين؟
ركضتُ نحو مبنى كلية الفنون على عجل.
وكنتُ أتفحص بطاقات الأسماء للطلاب الخارجين بسرعة…. آمل ألا تكون قد عادت لمنزلها بالفعل.
دخلتُ مبنى الكلية.
كان بإمكاني البحث عنها في يوم آخر، لكن بما أنني أتيتُ بالفعل، أردتُ إنهاء إجراءات التسجيل.
علاوة على ذلك، وبالنظر إلى ذلك النشاط الرتيب، شعرتُ أنني لن أكون الوحيدة التي تظن أنه نادٍ جيد ماذا لو اكتمل العدد؟
بينما كنتُ ألهث، دخلتُ القاعة الدراسية الأولى، وكان هناك طالبة واحدة تقوم بترتيب الكتب.
اقتربتُ منها لأرى بطاقة اسمها المخفية خلف شعرها، فنظرت إليّ وهي لا تخفي نظرات الاستغراب.
“… من أنتِ؟”
“هل أنتِ… السينباي روزي؟”
عقدت حاجبيها وأومأت برأسها بخفة.
تنهدتُ بارتياح ودخلتُ في صلب الموضوع فورًا.
“مرحبًا أيتها السينباي! أنا داناي طالبة في السنة الأولى بقسم الهندسة السحرية لقد جئتُ لأنني أرغب في الانضمام لنادي أرليا الذي تديرينَه.”
نظرت إليّ السينباي روزي بنظرات غامضة ثم أمالت رأسها قليلًا.
“إذًا، أنتِ هي الابنة غير الشرعية الشهيرة لعائلة ليردونيا.”
“…….”
كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها شخصًا يذكر كوني ابنة غير شرعية في وجهي مباشرةً، باستثناء ريان وجوليا، لذا صُدمتُ قليلًا.
احتضنت السينباي روزي الكتب
“تعالي إلى مرسم الفنون الثاني في هذا المبنى يوم الاثنين القادم في الساعة الرابعة هناك تقع غرفة النادي.”
ربما بسبب ارتباكي الشديد، خرجت مني كلمة
“حاضر” دون وعي.
كان يجب أن أقول إنني لن أنضم!
لكن حين استعدتُ صوابي، كانت السينباي روزي قد غادرت المكان بالفعل.
خرجتُ من القاعة مسرعة أبحث عنها، غير أنني لم أكن أعرف شيئًا عن جدول حصصها، لذا كان من المستحيل تقريبًا العثور عليها في هذه المدرسة الفسيحة.
ظللتُ أتسكع في الأنحاء لفترة طويلة قبل أن أعود إلى مبنى كلية السحر.
مهما فكرتُ في الأمر، شعرتُ أنه ليس من الصواب الانضمام إلى نادٍ تديره نائبة رئيس تذكر كوني ابنة غير شرعية منذ اللقاء الأول.
كان عليّ أن أجد روزي بأي طريقة قبل حلول يوم الاثنين…
بينما كنتُ أمشي في الرواق بخطى واهنة، لمحتُ غلوريا عند طرف الممر وهي مبللة بالماء من رأسها حتى أخمص قدميها.
كانت غلوريا تمشي بضعف، وقد بدا الاحمرار شديدًا حول عينيها.
’… هل كانت تبكي؟‘
تلك الصورة لغلوريا وهي تبتسم وتنفذ طلبات فتيات نادي الشاي في المطعم، كانت قد اختفت تمامًا الآن.
شهقتُ لا إراديًا حين رأيتُ منظرها.
’هل يجب عليّ مواساتها؟‘
لكنني كنتُ قد قطعتُ عهدًا على نفسي ألا أتورط مع شخصيات الرواية الأصلية، وقد التزمتُ بهذا العهد بصرامة منذ صغري، لدرجة أنني كنتُ أتجنب سيلفستر أيضًا.
وبعد حيرة قصيرة، واصلتُ سيري متجاوزةً غلوريا.
لكنني لم أبتعد كثيرًا حتى توقفتُ فجأة عن المشي.
دون أن أشعر، التفتُّ إلى الخلف ونظرتُ إلى ظهر غلوريا المبتعد.
التعليقات لهذا الفصل " 33"