نهضتُ من مقعدي دون شعور واتجهتُ نحو جوليا، لكن بيج تدخلت بيننا لتفصلني عنها
“إذًا، هل ستنضمين؟”
“لن أفعل.”
ابتسمت جوليا بخفة وكأنها كانت تتوقع إجابتي بالفعل، بينما كان وجه غلوريا الواقفة بجانبها لا يزال عابسًا…. كان ازدراءً تامًا.
“يا له من رد مخيب للآمال لقد طلب مني أخي أن أعاملكِ بشكل جيد.”
عن أي هراء تتحدث الآن؟ إن كان شقيق جوليا، فهو ولي عهد هذه البلاد، مما يعني أنه أحد المرشحين كبطل للرواية.
رغم أننا لم نلتقِ وجهًا لوجه ولو لمرة واحدة.
أضافت جوليا كلمات وكأنها تخبرني ألا أفهم الأمر بشكل خاطئ
“يبدو أن السيدة كولين هي من طلبت منه أن يعاملكِ بلطف.”
“…….”
بما أن العائلة الإمبراطورية وعائلة كولين تربطهما صلة قرابة، فمن الممكن أن يكون لنفوذ السيدة دور في الأمر… هل هذا ممكن؟
“إن كان الأمر يؤسفكِ، فهل أضع اسمكِ فقط؟ ليس عليكِ المشاركة في الأنشطة.”
“كفى أنوي الانضمام إلى نادٍ طبيعي.”
“يا إلهي.”
تظاهرت جوليا بالاندهاش بشكل مبالغ فيه، ثم أمالت رأسها نحو مرافقيها ببرود، مشيرة إلى أن غرضها قد انتهى وحان وقت الرحيل.
شعرتُ وكأن طاقتي قد استُنزفت رغم أننا لم نتبادل سوى كلمات قليلة.
جلستُ على المقعد بتعب.
كنتُ أفتقد رينولد… أو سيريك.
أرجعتُ رأسي للخلف فوق مسند المقعد وأغمضت عينيّ.
وبينما كنتُ أستقبل أشعة الشمس لأشحن طاقتي، خاطبني أحدهم
“معذرة… هل أنتِ…”
كانت الفتاة ذات الشعر البرتقالي منذ قليل.
اعتدلتُ في جلستي بسرعة وهززتُ رأسي نافية
“من فضلكِ، لا تخبريني أن جوليا ستعود مرة أخرى.”
“طـ، طبعًا ليس الأمر كذلك.”
ترددت أديل قليلًا ثم فتحت فمها بحذر
“أنا أعلم أنكِ تكرهين أعضاء نادي الشاي، ولكن…”
“ولكن؟”
“اممم…”
جالت عينا أديل يمينًا ويسارًا ثم أغمضت عينيها بقوة
“هل يمكنني الجلوس بجانبكِ أثناء الدروس؟”
كان ما قالته أديل تاليًا شيئًا لم أتوقعه أبدًا.
“ماذا؟”
ربما ارتفعت نبرة صوتي دون أن أشعر، مما جعل أديل تجفل.
وسارعت بالحديث وكأنها تخشى ردي
“بالطبع يمكنكِ الرفض إن كنتِ لا ترغبين لكنني كنتُ أود التقرب منكِ منذ فترة طويلة…”
“لا، لا أمانع في الواقع.”
لكن ما كان يقلقني هو… نظرتُ للحظة إلى ظهر جوليا المبتعد ثم قلت بحذر
“هل سيعجب ذلك جوليا؟”
“قالت الأميرة إن الأمر لا بأس به في الأصل، انضمامي لنادي الشاي كان بسببكِ أنتِ.”
“… هاه؟”
جلست أديل بجانبي بحذر
“منذ أن رأيتكِ لأول مرة في تشيستاين، فكرتُ في أنني أريد أن نصبح صديقتين وفي العام الماضي خلال حفل ظهوركِ الأول، سمعتُ أنكِ ستلتحقين بقسم الهندسة السحرية وحاولتُ التحدث إليكِ…”
هل انتشرت مثل هذه الإشاعة في حفل الترسيم؟ في ذلك الوقت، لم أكن أعرف حتى أنني سأدخل الأكاديمية.
“حينما استجمعتُ شجاعتي، كنتِ قد رحلتِ بالفعل.”
ابتسمت أديل بحزن.
يبدو أن الوقت الذي تحدثت عنه كان هو الوقت الذي هربتُ فيه مع رينولد من القصر الإمبراطوري.
“أسمعي… من أين سمعتِ خبر التحاقي بالأكاديمية؟”
“سمعته من والدي بما أننا في سن متقاربة، يبدو أن والدي سأل سعادة الدوق عن الأمر والدي… لم يكن يحب فكرة التحاقي بقسم الهندسة السحرية، لذا يبدو أنه كان يبحث عن حالة مشابهة لحالتي بين النبلاء.”
هزت أديل كتفيها بخفة
“بما أنكِ ابنة عائلة تليق بنادي الشاي، اعتقدتُ بطبيعة الحال أنكِ ستنضمين إليه كما أن جوليا قالت إنكِ قد انضممتِ بالفعل.”
“… هل قالت ذلك الهراء حقًا؟”
أومأت أديل برأسها بحذر.
كانت إجابتها مثيرة للذهول حقًا.
“إن لم يكن لديكِ مانع، هل نصبح صديقتين؟”
بالنسبة لي، لم يكن العرض سيئًا على الإطلاق.
لم يكن لدي أصدقاء، وفكرتُ أنه سيكون من الممتع سماع قصص نادي الشاي.
علاوة على ذلك، أديل كانت صديقة لا أتذكر رؤيتها في الرواية الأصلية.
كان هذا أفضل بكثير من التشابك مع شخصيات الرواية.
رغم أنه من الممكن أنني فقط لا أتذكرها بسبب غبائي.
“حسنًا.”
عند إجابتي، ابتسمت أديل بوضوح.
***
توطدت علاقتي بـأديل بسرعة بعد ذلك.
فجدول حصصنا المتماثل وفصولنا المشتركة خلقا بيئة لم يكن لنا فيها خيار سوى أن نصبح مقربتين، حيث كنا نقضي كل وقت فراغنا معًا.
بينما كنا نسير، سألتني أديل بحذر
“أسمعي… إن لم يكن لديكِ مانع، هل يمكنكِ مساعدتي في التعرف على رينولد؟”
صدمتني فكرة اهتمام أديل بـرينولد قليلًا.
وعندما رأت تعابير وجهي، بدا أنها ظنت أن هناك سوء فهم، فهزت رأسها بسرعة موضحة
“بالطبع ليس اهتمامًا عاطفيًا، لكنني أعتقد أنه سيكون من الجيد أن أكون صديقة له أيضًا أليس من الأفضل أن نألف وجوه بعضنا البعض؟”
كان كلامها منطقيًا؛ فبعد التخرج، من المؤكد أننا سنلتقي كثيرًا في الأوساط الاجتماعية، لذا كانت فكرة التعرف مسبقًا جيدة.
علاوة على ذلك، كانت أديل تولي أهمية كبيرة لشبكة العلاقات، لدرجة جعلتني أستغرب بقاءها معي بدلًا من مرافقة فتيات نادي الشاي.
“حسنا، سأسأل رينولد وأحاول ترتيب لقاء.”
عند سماع كلماتي، قالت أديل بنبرة حازمة
“أكرر مرة أخرى، ليس لدي اهتمام عاطفي برينولد.”
“… لم أقل شيئًا بعد.”
“فقط خشيتُ أن تفهمي الأمر خطأ ليس لدي أي نية على الإطلاق للتدخل بينكما.”
… هل تعتقد أديل أنني و رينولد نتواعد؟ وقبل أن أنطق بهذا التساؤل، تابعت أديل كلامها
“على أي حال، بما أنه مقرب منكِ، فلا بد أن شخصيته رائعة.”
فكرتُ في الأمر مليًا ثم هززتُ رأسي موافقة
“شخصيته جيدة حقًا.”
“أرأيتِ؟ أنا أجيد قراءة الناس…”
توقفت أديل عن الكلام وأشارت بإصبعها نحو مكان ما
“داناي ها هو رينولد يمر من هناك!”
كانت أديل حادة الملاحظة.
وبالفعل، ظهر رينولد وهو يخرج من قاعة التدريب في تلك اللحظة.
ربتت على ظهري بإلحاح
“هذه هي الفرصة!”
“… هل أذهب وأسأله الآن؟”
“نعم! بينما لا يوجد أحد حوله!”
دفعتني أديل، فتقدمتُ نحو رينولد بخطوات مترددة.
كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها وجهه منذ يوم حفل الافتتاح، لأن تخصصاتنا كانت مختلفة وقاعات دروسنا متباعدة.
عندما شعر بوجود شخص ما، التفت رينولد نحوي.
اتسعت عيناه لحظة التقاء نظراتنا، ثم سرعان ما تقدم هو الآخر باتجاهي.
وعندما وصل إليّ، ضرب ذراعي بمزاح
“لماذا أصبح من الصعب جدًا رؤية وجهكِ هذه الأيام؟”
“هذا الكلام يجب أن أقوله أنا، أليس كذلك؟”
تنحنحتُ قليلًا، ثم أشرتُ بطرف عيني إلى أديل التي كانت تنتظرني
“أسمع، لدي صديقة تود أن تصبح مقربة منك.”
رفع رينولد زاوية فمه بابتسامة وكأنه فخور بي
“أوه، هل أصبح لديكِ أصدقاء بالفعل؟”
“بالطبع، فشخصيتي رائعة كما تعلم.”
عندما ابتسمتُ بتباهٍ، ألقى رينولد نظرة خاطفة نحو أديل ثم همس لي
“لكن، هل هي مهتمة بي…”
“هل جننت؟”
لقد كان قدر رينولد محتومًا مع شريكته الأصلية بالفعل، فكيف لي أن أوفق بينه وبين أديل؟ بدى أن رينولد قد اطمأن بعد كلماتي، فابتسم
“إذًا، لنستمتع بوجبة الغداء معًا اليوم.”
“يا، ولكن…”
“رينولد! لنذهب للعب كرة السلة!”
توقفتُ عن الكلام حين ارتفع صوت ينادي رينولد من بعيد.
“لحظة واحدة!”
لوح رينولد بيده نحوهم، ثم أعاد نظره إليّ
“ماذا كنتِ تقولين؟”
“لا شيء، كان حديثًا تافهًا.”
“ماذا… لقد حركتِ فضولي بلا داعٍ.”
“لم يكن أمرًا مهمًا، اذهب بسرعة.”
ضيق رينولد عينيه واستمر في النظر إليّ لبرهة.
وعندما رفعتُ قبضتي محذرة إياه بأن يرحل فورًا، بدأ أخيرًا في المشي مبتعدًا.
رغم تظاهره بالعكس، يبدو أن هذا الفتى قد كون صداقات هو الآخر.
في الواقع، من غير المنطقي ألا ينال رينولد إعجاب الناس.
فهو يبدو مخيفًا لكنه طيب القلب بشكل غير متوقع، والناس ينجذبون عادةً لهذا الجانب المتناقض فيه.
علاوة على ذلك، كان وسيمًا جدًا، مما جعل كسب ود الآخرين أمرًا يسيرًا.
فالبشر بطبعهم ينجذبون لكل ما هو جميل.
لكن رينولد لم يبتعد كثيرًا حتى التفت وصاح نحوي
“لنلتقِ عند الساعة الواحدة أمام المطعم!”
بعد أن رحل رينولد اقتربت مني أديل وسألتني بعينين ملتمعتين
“ماذا قال؟”
“قال لنلتقِ عند الساعة الواحدة أمام المطعم.”
ابتسمت أديل بارتياح عند سماعها للرد.
ألقيتُ نظرة خاطفة على ظهر رينولد المبتعد، ثم توجهت مع أديل نحو حصتنا التالية.
***
“ولكن، ألا تتواعدان؟”
بسبب تصريح أديل القنبلة، كدتُ أبصق اللحم الذي كنتُ أمضغه.
وعندما بدأتُ أسعل بشدة نتيجة الغصّة، سارع رينولد بسحب منديل وناوله لي بلهفة.
“ما الذي… تتحدثين عنه الآن؟”
سألتُ أديل وأنا أضرب صدري بقبضتي لعل السعلة تهدأ.
حينها بدأت أديل تمازحني قائلة إن وجهي أصبح أحمر كالطماطم.
“أليس قد مرّ على معرفتكما ببعضكما عشر سنوات بالفعل؟”
“لقد أصبحنا كالعائلة الآن تقريبًا.”
أجاب رينولد بهدوء وهو يبتسم ابتسامة ودودة.
لكن على الأرجح، كان رينولد يغلي من الداخل تمامًا مثلي.
أنا لا أزال أتذكر.. ذلك اليوم الذي سألتنا فيه السيدات عما إذا كنا سنتزوج، وكيف استشاط هذا الفتى غضبًا حينها!
أمالت أديل رأسها باستغراب
“إذًا، ألم ينظر أحدكما للآخر كجنسٍ آخر (كحبيب) ولو لمرة واحدة؟”
“أبدًا.”
أجاب رينولد بحزم.
“أفضل أن أحب حجرًا يتدحرج على الأرض على أن أحبه هو.”
زدتُ أنا على قوله.
وعندما سمع رينارد كلماتي، قال ضاحكًا
“… لستُ سيئًا إلى هذه الدرجة، أليس كذلك؟”
كان من الواضح تمامًا أنه استشاط غضبًا يا له من شخص غير صريح.
لو كنا وحدنا هنا، لارتفعت أصواتنا وبدأنا شجارًا حاميًا بالفعل.
“هذا ما يسمونه عادةً تضخم الأنا.”
رسمتُ على وجهي ابتسامة مستفزة، تمامًا كما تعلمتُ من رينارد.
نظرت أديل إليّ وإلى رينولد بالتناوب، ثم أمالت رأسها مرة أخرى بحيرة
“ومع ذلك.. كلاكُما متميزان، ومن المريب ألا ينظر أحدكما للآخر كطرف عاطفي.”
لا يوجد ما يريب في الأمر أجبتُ ببرود
“لأنني أكثر تميزًا من رينولد.”
“هاه؟”
حين أجبتُ بهذا الاعتزاز، صدرت من رينولد ضحكة ساخرة.
التفت رينولد نحو أديل
“أديل، في يوم حفل الظهور العام الماضي، هي—”
ركلتُ ساق رينولد بكل ما أوتيتُ من قوة.
وبسبب ذلك، عضّ رينولد لسانه وبدأ يتألم واضعًا يده فوق فمه.
مستحيل أن أسمح بذكر قصة حفل الظهور! قمتُ بتغيير الموضوع فورًا لأمنع رينولد من إكمال حديثه.
التعليقات لهذا الفصل " 32"