ما إن تلاقت نظراتنا، حتى ارتسمت على وجه رينولد ابتسامة عذبة وجهها إليّ.
وكأنه كان يهمس لي قائلاً: ‘أرأيتِ؟ لقد كان قولي على حق’.
تذكرتُ حينها كلمات رينولد المستفزة عندما ادعى بثقة أنه سيكون المتفوق الأول عند التحاقه بالأكاديمية.
حاولتُ جاهدةً أن أرسمَ ابتسامةً على وجهي لأردَّ بها عليه، وأنا أبذلُ وسعي لإخفاءِ ذلك الارتباكِ الذي يَعصفُ بصدري، تماماً كما كُنتُ أفعلُ دائماً
لقد كانت تلك اللحظة، بكل ما فيها، هي البداية الفعلية لأحداث الرواية الأصلية.
***
“كيف كنتُ اليوم؟”
رَمقتُ رينولد ، الذي كان يحمل بين ذراعيه باقة ضخمة من الزهور، بنظرة خاطفة ثم هززتُ كتفيَّ بخفة.
“الزيُّ المدرسيُّ يليقُ بكَ كثيراً.”
“…… ذهبنا معاً لتفصيلِ هذا الزي، فما هذا الردُ البعيدُ عن مرادي؟”
“أقصدُ أنه يبدو أكثرَ ملاءمةً لكَ اليومَ بشكلٍ خاص.”
“ألا يوجدُ شيءٌ آخر؟”
لمعت عينا رينولد ببريقٍ من الحماس وهو يرمقني بنظراتٍ مُلحّة، منتظراً مني أن أكمل حديثي وأثني عليه
عدتُ ونظرتُ إليه مجدداً؛ كان من الواضح تماماً ما هي الإجابة التي ينتظرها.
لكنني لم أمنحه إياها، بل غيرتُ مسار الحديث.
“تلك الفتاة التي كانت تقف بجانبك، كانت جميلة للغاية.”
“ماذا؟ هل كنتِ تراقبين من تقف بجانبي بدلاً من مراقبتي أنا؟”
“بالطبع رأيتُك أنتَ أيضاً.”
بدا رينولد مذهولاً من كلامي، ولكن سرعان ما تبدل تعبيره إلى الحيرة
“بالمناسبة، تلك الفتاة ذات الشعر الوردي.”
“…….”
“هل سبق وأن رأيناها من قبل؟”
بالنسبة لي، لم أرها قط.
سألتُه وأنا أتظاهر باللامبالاة
“هل هي من معارفك؟”
تنهد رينولد تنهيدة خفيفة
“ليس الأمر كذلك، ولكنني أشعر وكأنني رأيتها في مكانٍ ما أنتِ لم تريها من قبل، أليس كذلك؟”
“…… أنا لم أرها.”
“إذاً، لابد أنها غريبة عني أنا أيضاً.”
أجاب رينولد وكأن الأمر لا يهمه، لكنني أدركتُ بغريزتي أن رينولد وغلوريا قد التقيا من قبل بالفعل.
آه، يبدو أن أحداث الرواية الأصلية كانت تمضي قدماً منذ زمن بعيد دون علمي.
تمتم رينولد وهو يبتسم ابتسامة خفيفة
“سيكون الأمر ممتعاً.”
“…… وما هو الممتع؟”
“أصبح بإمكاني الآن مرافقتكِ طوال الوقت كما فعلنا دائماً.”
رسمتُ ابتسامةً مصطنعةً على شفتيَّ وأنا أقابل ابتسامته، بينما كان عقلي يضج بالأفكار المعقدة.
فكرتُ قليلاً؛ هل كان رينولد يعلم حقاً أنني كنتُ حبيسة غرفتي حتى يوم حفل الافتتاح؟ بالطبع، حتى لو كان يعلم، لم يكن ليغير ذلك من الأمر شيئاً، فهذا شأن يخص عائلتي.
لذا، حتى لو كان على علمٍ بذلك، فلن أشعر بالاستياء منه.
حقاً.
ولكن، لسببٍ ما، كنتُ أكره أن أسأله عن ذلك الأمر.
فلو أجاب بأنه كان يعلم، فبماذا عساي أن أرد عليه حينها؟ في النهاية، كان خياري هو الهرب مرة أخرى؛ خيارٌ لم يتغير أبداً عما كنتُ أفعله في الماضي.
“هيا، ادخلي.”
توقف رينولد فجأة أمام سكن الطالبات.
لوحتُ له بيدي بخفة
“آه، وبالمناسبة، كنتَ تبدو رائعاً حقاً اليوم.”
“ماذا قلتِ؟”
بدت ملامحه مستفزة وهو يتظاهر بأنه لم يسمعني.
رمقتُه بنظرة ساخطة
“قلتُ إنك كنتَ رائعاً لم تكن سيئاً أبداً.”
“…….”
كان وجه رينولد ينم عن صدمة وكأنه سمع شيئاً لا يُصدق.
لوحتُ له بيدي مرة أخرى، ثم أسرعتُ بالدخول إلى مبنى السكن.
****
حاولتُ جاهدةً أن أتمسك بالأفكار الإيجابية؛ فموعدُ موتي ليس وشيكاً بعد، ولا يزالُ هناك متسعٌ من الوقتِ لأعيشَهُ بدلاً من قضائهِ بوجهٍ عابس.
ربما يشفقُ عليَّ أحدُهم ويغيرُ قدري، مَن يدري؟
صفعتُ وجنتيَّ بيديَّ ثم رسمتُ ابتسامةً على شفتيَّ.
بالمناسبة، مَن ستكون شريكتي في الغرفة؟ سيكونُ من الممتعِ حقاً أن نصادقَ بعضنا، ونقيمَ حفلاتِ المبيتِ ليلاً، ونتشاركُ الأطعمةَ اللذيذة.
وبينما كنتُ أغرقُ في هذه التخيلاتِ السعيدة، فتحتُ الباب.
“مرحباً بكِ!”
تطايرَ غبارٌ سحريٌ ملونٌ وسقطَ برقةٍ فوق رأسي.
ولكن، ما إن رأيتُ وجهَ الشخصِ الذي أهداني هذا السحر، حتى انكمشت ملامحُ وجهي من شدة الانزعاج.
كما أن وجهها هي الأخرى استحالَ إلى تعبيرٍ يوحي بالاشمئزازِ الشديد.
“…… ما خطبُكِ؟ لا تقولي لي إنكِ أنتِ شريكتي في الغرفة؟”
قطبت جوليا حاجبيها بغضبٍ شديدٍ والتفتت بسرعة تتفحصُ ما خلفي، وعندما تأكدت من عدم وجودِ أحدٍ سواي، مسحت على وجهها بذهول.
أما أنا، فقد فقدتُ الأمل وتمتمتُ دون وعي
“يا الحاكم……”
“كيف تمكنتِ من دخولِ الأكاديميةِ بمستواكِ هذا؟”
سألتني جوليا بصوتٍ حاد، فأجبتها دون تراجع
“هل كنتِ تظنين أنني لن أنجحَ في دخولِ مدرسةٍ نجحتِ أنتِ بالالتحاقِ بها؟”
“أنتِ حقاً!”
رفعت جوليا يدها وكأنها ستعتدي عليَّ، لكنها تنهدت بعمقٍ ثم أنزلتها.
…… للحقيقة، كانت جوليا هي الأميرةُ الصغرى لإمبراطورية أورفيديا.
وعلاوةً على ذلك، كانت علاقتنا سيئةً للغاية؛ بسببِ تصادمٍ حدثَ بيننا في حفلِ الظهورِ الأولِ العام الماضي.
حينها فكرتُ في أنني يجبُ أن أتجنبَ هذه الأميرةَ مهما حدث.
“ابتعدي عن طريقي!”
صرخت جوليا بحدة ثم صدمت كتفي وهي تندفعُ خارجةً من الغرفة.
…… حقاً، كيف ستمضي حياتي المدرسيةُ الآن؟
***
كانت أكاديمية تيلين ترتكز على ثلاث قواعد مدرسية جوهرية:
الأولى: أن تُحدد علاقة الزمالة بناءً على السنة الدراسية حصراً، بغض النظر عن العمر.
الثانية: الالتزام بالمساواة التامة في التعامل طوال فترة الدراسة، دون اعتبار للرتب الطبقية.
وهذه القاعدة الثانية تعني في جوهرها منع أي شخص من استغلال نفوذ عائلته للتنمر على الآخرين، وكانت تُعد القاعدة الأهم في الأكاديمية على الإطلاق.
الثالثة: وجوب العيش داخل السكن الطلابي أما بقية القواعد التفصيلية، فكانت تندرج تحت بند البديهيات التي يجب على أي إنسان سوي الالتزام بها.
كان أكثر من نصف الطلاب في أكاديمية تيلين من عامة الشعب؛ وهذا أمر منطقي، إذ إن عدد العائلات النبيلة في الإمبراطورية لا يتجاوز المئة عائلة، وبالتبيعة فإن عدد أبناء النبلاء الملتحقين سنوياً يكون قليلاً جداً.
ومع ذلك، كانت هناك محاولات متكررة من قِبل الأقلية التي تقبع في قمة الهرم الطبقي لبسط سيطرتها على البقية، وكانت الأكاديمية تبذل جهوداً مضنية لمنع ذلك.
وبفضل هذه القواعد، كان بإمكاني التعامل بأريحية مع الأميرة جوليا، ولم يكن لزاماً على ابنة بارون أن تستخدم معي صيغ التبجيل الرسمية.
لكن، وبالرغم من كل شيء، ظل النبلاء والعامة كزيتٍ وماء لا يختلطان؛ كان هناك دائماً خط فاصل غير مرئي بينهما.
ولم يكن قسم هندسة الأدوات السحرية الذي أدرسه استثناءً من ذلك.
بما أن مهنة مهندس الأدوات السحرية تُعد مهنة تخصصية مرموقة، والالتحاق ببرج السحر بعدها يعني فعلياً ارتقاءً في المكانة الاجتماعية، فقد كان القسم وجهة مفضلة لعامة الشعب.
لذا، شعرتُ بالراحة لأن عدد النبلاء فيه كان قليلاً، فقد كنتُ منهكة من الصراعات الخفية بين الطبقات الراقية.
لكنني اكتشفتُ أن قلة النبلاء تحمل مشاكلها الخاصة؛ فالطلاب من عامة الشعب كانوا يجدون صعوبة بالغة في التعامل معي ويشعرون بالارتباك في حضوري.
في نهاية المطاف، وسواء أحببتُ ذلك أم كرهت، كان عليّ البقاء في الأكاديمية حتى أجد فرصة للمغادرة، والعيش في هذا الجو المشحون لم يكن بالأمر الهين.
بالطبع، كان هناك نبلاء في قسم هندسة الأدوات السحرية، لكن المشكلة تكمن في انتمائهم لنادي تذوق الشاي
لقد استحدثت المدرسة ناديي تذوق الشاي والفروسية خصيصاً من أجل النبلاء؛ إذ خشيت الإدارة من انفجار استياء أبناء النبلاء الذين وجدوا أنفسهم فجأة مضطرين للعيش في سكن مشترك دون خدم، فكانت هذه الأندية وسيلة للسماح لهم بممارسة نمط حياتهم المعتاد وتخفيف حدة تذمرهم.
وبما أن الأكاديمية تهدف إلى تعزيز الروابط المتساوية، كان الهدف المعلن لنادي تذوق الشاي هو إتاحة الفرصة لتجربة ثقافة النبلاء، مما سمح لعامة الشعب بالانضمام أيضاً.
لكن بمرور الوقت، انحرف الهدف وأصبح النادي تكتلاً حصرياً لسيدات الطبقة الراقية.
وعلى نفس الشاكلة، كان نادي الفروسية يضم أغلب أبناء النبلاء، لكنه لم يكن عدائياً أو منغلقاً مثل نادي تذوق الشاي.
ولم يمضِ وقت طويل حتى طرق ذلك النادي بابي.
“مرحباً.”
كانت جوليا، رئيسة نادي تذوق الشاي لهذا العام، هي من جاءت لتبحث عني.
فقد سلمت رئيسة النادي السابقة منصبها لجوليا، أميرة الإمبراطورية، فور تخرجها.
جُلتُ ببصري في وجوهِ تلكَ الجماعةِ من نادي تذوُّقِ الشاي اللواتي أحَطنَ بي، ثم استقرَّت نظراتي على جوليا؛ يا لشدةِ نفاقها! فبينما كانت ترمقني في السكنِ بنظراتٍ حاقدةٍ كأنها تودُّ التهامي، ها هي الآن هنا، أمامَ الجميع، ترتدي قناعاً من الودِّ واللطفِ المصطنع.
نظرت جوليا في هيئتي من رأسي حتى أخمص قدمي، ثم سألتني بنبرة توحي بالتفضل
“هل تودين الانضمام إلينا؟”
“…… ماذا؟”
وقع سؤالها على مسامعي بذهول.
“أنتِ لا تملكين أصدقاء، كما أن هناك طالبة من نفس قسمكِ في النادي.”
أمسكت جوليا بمعصم طالبة وأوقفتها أمامي؛ كانت فتاة بشعر بلون الجزر ووجه تكسوه النمش الخجول.
وقد كنتُ أعرف تلك الفتاة؛ رأيتُها سابقاً في قصر تشيستا
لم أتذكرها فور رؤيتها، لكن بمجرد سماع اسمها عادت الذاكرة إليّ.
إنها أديل ليجنا، الابنة الكبرى لعائلة ماركيز ليجنا
في الواقع، كان من الطبيعي أن يكون جميع أعضاء النادي من سلالات عريقة، لذا لم يكن مستغرباً تماماً أن تبحث جوليا عني.
“لا بأس إن رفضتِ.”
عندما لم يصدر مني أي رد، تحدثت بيج التي كانت تقف صامتة.
كانت بيج تُعد الذراع اليمنى لجوليا، وهي الابنة الثانية لعائلة كونت أغنيس ، وقيل إنها تعرف جوليا منذ الطفولة.
“أجل، لو كانت تملك ذرة من الفطنة لما انضمت إلينا.”
تعالت الأصوات من هنا وهناك، مما أوضح أن عرض جوليا لي لم يكن محل إجماع بين أعضاء النادي.
وهذا منطقي، فالجميع يعلم أن العلاقة بيني وبين جوليا سيئة للغاية.
“لا بأس، انضمي إن شئتِ، فغلوريا قد انضمت بالفعل.”
تسمرتُ في مكاني عند سماع اسم غلوريا.
“…… غلوريا؟”
“يا إلهي، يبدو أنكِ تعرفينها أيضاً.”
كان رد جوليا ببراعة وتصنُع يثير الحنق، فهي نفس الشخص الذي يلعن غلوريا سراً كل يوم في الغرفة.
“ولماذا انضمت هي لنادي تذوق الشاي؟”
لم يكن من الممكن لغلوريا أن تدخل النادي ما لم تكن تملك نية مبيتة لذلك والسبب؟ غلوريا هي ابنة البارون جيناتين، وعائلتها من النبلاء الجدد الذين اشتروا لقبهم بالمال.
فكيف لنادي تذوق الشاي الذي يقدس العراقة أن يقبل بها……؟
“أتقصدين أن غلوريا، لكونها من عائلة بارون، لا يحق لها دخول النادي؟”
ضحكت جوليا بصخب ثم التفتت لتناديها
“غلوريا!”
قطبتُ حاجبيّ؛ فقد ظهرت غلوريا من خلفهم بعد أن سحبتها جوليا للأمام.
و…… كان وجه غلوريا وهي تنظر إليّ مشوهاً تماماً من شدة الغضب.
التعليقات لهذا الفصل " 31"