علاوة على ذلك، لو طلبتُ من ذلك الفتى أن يعود، فهل سيوافق ببساطة؟ حاولتُ جاهداً تجاهل ريان الذي كان يتبعني كظلي.
سارعتُ بالإمساك بعربة كانت تنتظر في الشارع.
كانت وجهتي محددة بالفعل.
تيفيرن.
كانت لغة تيفيرن هي اللغة الأجنبية الوحيدة التي أجيدها نوعاً ما، ولأنها دولة لم تظهر في الرواية الأصلية، فقد كانت المكان الأمثل بالنسبة لي.
ومع ذلك، لم تكن هناك وسيلة للوصول إلى تيفيرن مباشرة؛ إذ كان أسرع طريق هو تبديل العربات في شارع ميل الواقع بضواحي العاصمة.
صعدتُ إلى العربة وطلبتُ من السائق الذهاب إلى شارع ميل، ثم تفقدتُ ريان.
لحسن الحظ، لم يصعد إلى العربة، بل اكتفى بالوقوف خلفها يراقبها وهي تبتعد بنظرات صامتة.
في الواقع، ريان هو أكثر من يعلم أنني لم أكن أرغب في الذهاب إلى الأكاديمية.
حين أخبرتُ والدي بكل جدية برغبتي في عدم الذهاب، كان هو الواقف بجانبي.
يبدو أن ريان كان يتفهم مشاعري حقاً.
ولوحتُ له بيدي بقوة كعلامة على امتناني.
وصلت العربة إلى شارع ميل. كان عليَّ الآن تبديل العربة فحسب، ولكن لسوء الحظ، ولأن الوقت كان فجراً باهراً، لم تكن هناك عربات تنتظر.
وهذا يعني أن عليَّ قضاء الليلة هنا.
تأكدتُ مرة أخرى من وجود صرة العملات الذهبية في حضني.
تذكرتُ حينها أنني سمعتُ بوجود بيت عرافة بارع في شارع ميل كان والدي لا يحب ارتيادي لمثل هذه الأماكن، لذا كنتُ قد حفظتُ الموقع فقط.
بما أن لديَّ متسع من الوقت، ولن أعود إلى العاصمة لفترة طويلة، فما المانع من تجربة قراءة الطالع؟ كنتُ قلقه من أن يكون المكان مغلقاً لتأخر الوقت، لكن الباب كان مفتوحاً لحسن الحظ.
فتحتُ الباب بحذر، ووجدتُ امرأة شابة تجلس بالداخل.
كان شعرها يشبه شعر عالم مجنون فشلت تجاربه؛ خصلات مجعدة تبدو كشمس رسمها طفل صغير ببساطة.
سألتني المرأة الجالسة بينما كنتُ واقفاً مكاني
“ألم تأتِ لقراءة الطالع؟”
“… بلى.”
“إذاً تعالي واجلسي”
دائماً ما أتساءل لماذا أشعر بكل هذا التوتر قبل قراءة الطالع.
فالعرافة تخبرك بالمستقبل، وأنا شخص يعرف مستقبله بالفعل.
كان أمام المرأة صندوق بفتحة لا تكاد تتسع إلا لإدخال يد واحدة.
مدت الصندوق نحوي دون مقدمات
“أخرجِي كرة واحدة من داخل الصندوق.”
ترددتُ قبل إدخال يدي، فقد بدا لي الصندوق مريباً.
“… أليس هناك شيء غريب بداخل الصندوق؟”
كحشرة نائمة قد تلدغ يدي فجأة مثلاً…
“هل عشتِ حياتك كلها تتعرضين للخداع؟ أسرعي وأخرجي واحدة.”
بسبب إلحاحها، أدخلتُ يدي المترددة في الصندوق.
ولحسن الحظ، لم يكن هناك سوى كرات تتدحرج بداخله.
بحثتُ قليلاً ثم التقطتُ كرة عشوائية.
كانت كرة سوداء بالكامل، لا تختلف عن قتامة هذا المكان.
ربما بسبب اللون، خطر ببالي شخص ما فوراً، لكني حاولتُ طرد الفكرة من رأسي.
“أعطني إياها.”
… هل هذا هو بيت العرافة البارع حقاً؟ صراحةً، لم تبدُ لي المرأة التي كانت تتأمل الكرة باهتمام جديرة بالثقة؛ بدت غير متقنة لعملها تماماً.
نظرت إلى الكرة التي أخرجتُها ثم سألتني فجأة
“أنتً قلقه بشأن مستقبلك، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح.”
تلمست ذقنها بيدها
“الجواب واضح تماماً.”
“…”
“الفرار لن ينفع أبداً.”
صوبت المرأة نظراتها نحوي مباشرة.
وعند سماع كلماتها، نظرتُ لاإرادياً إلى حقيبتي الموضوعة على الأرض.
هل قالت ذلك لأن هيئتي توحي بالفرار؟ هل قرأت طالعي فعلاً، أم أنها تمتاز بسرعة البديهة فقط؟
قلبتُ عينيَّ وسألتها
“لكني سأموت إن لم أهرب الآن؟”
حينها مالت المرأة برأسها قليلاً
“وهل تعتقدين أنكِ لن تموتي إذا هربتي؟”
“نعم.”
ضحكت المرأة بسخرية من إجابتي الواثقة، لكن سرعان ما ارتسمت على وجهها ابتسامة عميقة
“من يدري إذا واجهتي قدرك برضا، فقد تحصلين على مفاجأة سارة؟”
… قدري؟ تعثرتُ في كلماتها للحظة، لكني تظاهرتُ باللامبالاة وابتسمتُ
“مفاجأة سارة؟”
“أجل أكثر ما قد ترغبين فيه…”
رمشتُ بعينيَّ عند سماع قولها.
إن كانت الهدية التي أرغب بها أكثر من أي شيء آخر… فهي العودة إلى منزلي.
هذا فقط.
هل يعني هذا أنني إذا واجهت نهاية داناي بهدوء، سأتمكن من العودة إلى منزلي؟ هل تعرف هذه المرأة كل شيء وتقوله؟
سألتُها بصوت متلهف
“أخبريني بمزيد من التفاصيل.”
“لقد فهمتِي بالفعل، فماذا تسألين؟”
“لم أفهم.”
حينها ابتسمت المرأة بميل
“أنت تعرفين قصة الخائن، أليس كذلك؟”
أومأتُ برأسي بحذر.
في إمبراطورية أورفيديا، كانت قصة الخائن حكاية خرافية يعرفها جميع المواطنين تقريباً بطلها يصارع للهروب من قدره المحتوم، لكنه يفشل في النهاية، بل ويتلقى عقاباً إلهياً جزاءً لمحاولته مخالفة مشيئة الآلهة.
لا أدري لماذا تُروى مثل هذه القصص التي تفتقر للأمل للأطفال منذ صغرهم، لكن مغزاها هو “اصمت وتقبل قدرك المحتوم”.
“ثمن الفرار قد يكون زوال تلك الهدية التي ترغبين بها.”
أعادت المرأة الكرة التي أخرجتُها إلى الصندوق، فصدر صوت اصطدام من الداخل
“… هل يعني هذا أن عليَّ اتباع قدري المحتوم؟ حتى وأنا أعرف تماماً النهاية التي تنتظرني؟”
“لو أنك غيرت قدرك بالصدفة دون أن تعرفِين عنه شيئاً، لما احتجت لدفع الثمن لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لك، أليس كذلك؟”
“…”
“إن لم تواجهين ذلك القدر، فلن تحصلين أبداً على ما تريدين هذا هو قدرك.”
بدت المرأة وكأنها تعلم كل ما حدث لي.
لم أستطع تصديق كلامها بالكامل، فهي لم تقل شيئاً جوهرياً عما حدث معي، لكن لم يكن لديَّ ما أخسره؛ فأنا لم أجد حتى الآن أي خيط يخص هذا العالم.
خرجت كلماتي ممزوجة باليأس والارتباك
“في الحقيقة، أنا أتيتُ من عالم آخر، وأريد العودة إلى هناك هل يعني كلامكِ أنني لن أتمكن من العودة إلى منزلي إلا إذا لم أخالف قدري؟!”
بدأتُ حديثي بهدوء نسبي، لكن صوتي أصبح أكثر انفعالاً مع الوقت.
أي شخص عادي سيظن أنني مجنون أتفوه بالهراء، لكن المرأة لم يرمش لها جفن
“الأمر قريب من ذلك.”
كانت هذه المرة الأولى.
المرة الأولى التي يجيب فيها شخص ما على كلماتي بهذا القدر من الجدية.
سألتها بصوت يملؤه الذهول، وكأنني لم أصدق ما خرج من فمي للتو
“… هل تصدقين ما قلته؟”
ابتسمت المرأة
“أليس من الطبيعي وجود شتى أنواع البشر في هذا العالم؟ بل من الغريب ألا يوجد شخص مثلك في هذا العالم الواسع.”
“…”
“بالطبع، كل شيء يعتمد على خياركِ أنتِ، فالقدر هو ما تختارينه لكن تذكري جيداً، إذا هربتِ الآن، فلن تتمكني أبداً من تحقيق ما تصبين إليه.”
… إذاً، ما تعنيه هو أن عليَّ الاستسلام والموت على يد رينولد لكي أتمكن من العودة إلى العالم الذي كنت أعيش فيه؟
ضحكتُ بسخرية دون شعور مني، واليأس يتملك قلبي.
أنا لا أريد الموت.
هذا هو الشيء الوحيد المؤكد.
هل عليَّ أن أموت على يد رينولد تحديداً، وليس أي شخص آخر؟
لا يمكنني فعل ذلك.
لم أكن أرغب في الموت مطلقاً، ولم أكن أطيق رؤية نهاية يصبح فيها رينولد قاتلاً.
حتى لو عدتُ إلى منزلي بعد موتي على يده، فما الفائدة من ذلك حينها؟
الموت ليس سهلاً كما يقال.
لا بد أن ألماً فظيعاً سيهاجمني، ولم أكن أملك الثقة لتحمل ذلك الألم.
كنتُ أخشى الموت.
علاوة على ذلك، حتى لو استسلمتُ للموت على يد رينولد كما قالت تلك المرأة، فلا يوجد ضمان لعودتي إلى منزلي.
قد يكون مجرد موت عبثي لا قيمة له.
ولم أكن أملك الشجاعة الكافية للمقامرة بحياتي.
الأفضل أن أهرب الآن وأبحث عن طريقة أخرى للعودة.
غيرتُ مجرى الحديث متظاهرة باللامبالاة
“هل تقرئين الطالع في وضح النهار أيضاً؟”
“أفتح الباب فقط عندما يأتي الزبائن.”
“فهمت.”
“وعندما يحل الليل، أبيع الضحكات.”
ابتسمت المرأة وهي تستنشق دخان غليونها.
شعرتُ وكأن الدخان الذي تنفثه يخنقني، ورغبتُ بشدة في مغادرة هذا المكان فوراً.
“كم تبلغ التكلفة؟”
“خمس عملات ذهبية.”
قالت المرأة ذلك وهي تنفث الدخان.
لم يكن السعر زهيداً، فعندما استشرتُ المعبد سابقاً حول موضوع مشابه، كان المقابل ثلاث عملات ذهبية فقط.
ومع ذلك، أخرجتُ العملات بسرعة من حضني ومددتها للمرأة.
“أرجو أن يغمركِ نور الحاكم.”
عندما ألقيتُ التحية الأكثر شيوعاً في الإمبراطورية، انفجرت المرأة ضاحكة ك طفلة صغيرة.
“احتفظي بنور الحاكم لنفسكِ، أنتِ بحاجة إليه أكثر.”
“… شكراً لكِ.”
خرجتُ من بيت العرافة وأغلقتُ الباب خلفي بسرعة.
بمجرد خروجي، لم أملك إلا أن أعقد حاجبي باستياء.
أمام بيت العرافة، كان يقف بول و ريان اللذان جاءا للقبض عليَّ
صرخ بول في وجهي بملامح باكية
“آنستي! هل بدأت مرحلة المراهقة لديكِ مؤخراً؟ لماذا تفعلين هذا!”
“أنا من أمسك بها.”
هز ريان كتفيه بخفة.
اقتربتُ منه وبدأتُ أضرب ظهره بقبضتي بقوة حتى صدر صوت الارتطام.
جفل ريان وهو يصرخ متسائلاً عما أفعله.
في الحقيقة، فعلتُ ذلك لأنني شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
‘ما هذا…’
كان الوقت في الخارج ظهراً، والشمس تتعامد في كبد السماء.
بينما كان الوقت فجراً بكل تأكيد عندما دخلتُ إلى بيت العرافة.
ربما لأنه يعلم بذنبه تجاهي، ظل ريان يتلقى ضرباتي بصمت رغم صراخه، لكنه سرعان ما فقد صبره وأمسك بمعصميَّ.
“توقفي عن الضرب!”
بينما كان يمسك ب معصميَّ، تمتمتُ دون وعي
“… مهلاً، هل أبدو لك وكأني فقدت عقلي ؟”
إن لم أكن قد جننت، ف هذا الموقف لا يعقل أبداً.
“ألم تدركي ذلك إلا الآن؟”
عند سماع كلمات ريان الباردة، شعرتُ وكأنني استعدتُ رشدي قليلاً.
… نعم، لا يمكن أن أكون قد جننت.
نفضتُ يد ريان التي تمسك بمعصمي، وحاولتُ إدارة مقبض باب بيت العرافة.
لكن يبدو أن المرأة قد قفلت الباب فور خروجي، إذ لم يتحرك المقبض على الإطلاق.
التعليقات لهذا الفصل " 28"