يبدو أن والدي قد سبر أغوار شخصيتي تماماً ولم يعد يخفى عليه شيء.
قلتُ بصوتٍ يملؤه التصميم
“لا تقلق يا بول، سأبذل قصارى جهدي في هذا الاختبار.”
‘سأختار الإجابات عشوائياً بحيث لا يبدو الأمر متعمداً، هذا كل ما في الأمر’
“حسناً يا آنستي، سأكون بانتظاركِ وأنا أدعو لكِ بالتوفيق!”
دخلتُ إلى مبنى الأكاديمية وأنا أحمل تشجيع بول معي.
كان المكان يغصُّ بالناس بشكل لا يصدق.
يُفترض أن اليوم مخصص لاختبارات قسم هندسة السحر فقط.. هل يعقل أن كل هؤلاء المتقدمين جاؤوا لهذا القسم؟
قيل سابقاً إن قسم هندسة السحر هو الأكثر تنافسية في الأكاديمية، ويبدو أن تلك الأقاويل كانت حقيقة مجسدة أمام عينيّ.
لكنني شعرتُ بالراحة لأن والدي اختار لي هذا القسم؛ فمن المستحيل لفتاة مثلي أن تنجح وسط هذا الحشد الهائل من العباقرة.
كان اختبار القبول يتكون من 70% للجانب العملي و30% للجانب الكتابي.
وبما أن الاختبار يمتد لثلاثة أيام، كانت رسوم التقديم -بما في ذلك السكن والطعام- باهظة جداً.
ومع ذلك، كان الطلاب يستثمرون فيها بكل سرور أملاً في مستقبل مشرق.
خضعتُ للاختبار الكتابي في عشر مواد كاملة.
لم يكن العدد هو المشكلة الوحيدة، بل الكارثة الحقيقية هي أنه لم يكن هناك مادة واحدة أستطيع حل سؤال واحد فيها.
ورغم وجود مواد أساسية يُفترض بالنبلاء إتقانها، إلا أنني انقطعتُ عن الدراسة منذ زمن بعيد لدرجة أن الأسئلة بدت لي كطلاسم لا يمكن مسها، بل إنني لم أحاول حتى التفكير في حلها.
وهكذا، انتهى الاختبار الكتابي بحلول صباح اليوم الثاني، وبدأ الاختبار العملي من بعد الظهر واستمر حتى اليوم الأخير.
كان موضوع الاختبار العملي هو صناعة أداة سحرية باستخدام الخشب وابتكار صيغة سحرية باستخدام الفيلين
‘الفيلين؟ ما هذا الشيء بحق السماء؟!’
تذكرتُ أنني سمعتُ هذا الاسم من قبل، ربما كان نوعاً من أنواع السحر المدمج، لكنني لم أكن متأكدة.
وبما أنني لم أفهم حتى موضوع الاختبار، فقد أفسدتُ الجانب العملي تماماً وبشكل كارثي.
في البداية، تحطمت الأداة الخشبية تماماً تحت ضربات مطرقتي، وفوق ذلك، أخطأتُ في تصميم الدائرة السحرية مما أدى إلى احتراقها بالكامل.
أما صيغة الفيلين، فبما أنني لا أملك أي خلفية عنها، لم أستطع حتى البدء في ابتكارها.
وبالطبع، تذكرتُ تهديد والدي بأنه سيراجع ورقة الإجابة، لذا لم أستطع تركها فارغة؛ فختمتُ الاختبار برسم أشكال قلوب فوق الدائرة السحرية الأساسية التي وفرتها الأكاديمية.
خرجتُ من بوابة الأكاديمية وأنا أشعر بسعادة غامرة لأنني أفسدتُ الاختبار بامتياز.
‘أخيراً، سأنال حريتي!’
تمطيتُ في مكاني وأنا أتنفس بارتياح.
ولأن ذهني كان صافياً، بدأتُ ألاحظ ما يحيط بالأكاديمية بعد أن فاتني ذلك في اليوم الأول بسبب التوتر.
وبينما كنتُ أراقب الطيور وهي تزقزق في السماء، توقفتُ فجأة عندما رأيتُ ظلاً مألوفاً.
إنه رينولد.
كان رينولد يتكئ على الحائط بملامح ساهية، ينظر إلى السماء بصمت وكأنه غارق في أفكاره.
وبمجرد أن وقع نظري على جانبه، شعرتُ بنار الغضب تغلي في صدري.
‘هذا الوغد.. لم ينطق بكلمة واحدة عن الأكاديمية أمامي!’
كلما سألتُه عن موعد اختباره، كان يتهرب من الإجابة ببراعة.
ووجوده هنا الآن يؤكد أنه كان يعلم تماماً بموعد اختباري.
ظننتُ أن غضبي قد هدأ خلال الأيام الثلاثة التي قضيتها محبوسة في الأكاديمية، لكن يبدو أن حنقي على رينولد كان أعمق مما تصورت.
اقتربتُ منه بهدوء وعلى أطراف أصابعي بنية ضربه على قفاه، لكن رينولد الذي يمتلك حواساً حادة التفت نحوي فجأة.
وما إن التقت أعيننا، حتى ابتسم بصفاء وكأنه لم يكن غارقاً في همومه قبل لحظة.
جفلتُ قليلاً من ابتسامته، لكنني سرعان ما رمقته بنظرة حادة غيظاً من ملامحه المشرقة المستفزة.
ربما تلاشى غضبي قليلاً أمام تلك الابتسامة، وهذا ما جعلني أشعر بالسخف تجاه نفسي، فانطلقت كلماتي بنبرة متهكمة
“..أما كان سيضيرك شيء لو تظاهرت بعدم الانتباه وتركتني أضربك؟”
“هل أنتِ غاضبة؟”
“…”
بما أنني لا أستطيع تقليد ابتسامته الجميلة تلك، اكتفيتُ بالنظر إليه بعينين حادتين كالصقر.
عندها، يبدو أن وخز الضمير أصابه، فمال برأسه نحوي طواعية
“يمكنني تحمل ضربة واحدة منكِ.”
لكن رؤية رأسه ممدوداً أمامي بكل استسلام غيرت رأيي تماماً، فتصرفتُ بعناد ودستُ على قدمه بقوة ومفاجأة.
ومع ذلك، عندما رفع رأسه ونظر إليّ، شعرتُ ببعض الرهبة من ملامحه، فأضفتُ بسرعة
وعند سماع ردي الواثق، أطلق رينولد ضحكة خافتة بدت وكأنها استهزاء بصراحتي، مما أزعجني وجعلني أقطب حاجبيّ وأسأل
“..لماذا تضحك؟”
“لا شيء، فقط شعرتُ بالسعادة لفكرة ارتياد المدرسة معكِ.”
عند سماع ذلك، شعرتُ بوخز شديد في ضميري لدرجة كادت تجعل شعري يقف.
نظرتُ خلسةً إلى رينولد وهو يمشي بجانبي؛ وبدا لي اليوم في غاية الابتهاج.
الابتسامة كانت مرسومة بوضوح على شفتيه، وعيناه الحادتان بدتا هادئتين بشكل غريب..
حاولتُ مجاراته بضحكة مصطنعة وغيرتُ الموضوع
“أين بول؟”
“أخبرته أنني سأنتظركِ بدلاً منه، لذا ربما عاد إلى القصر بالفعل.”
“يبدو أنك تدرك حجم غلطتك إذاً .”
“أدرك ذلك طبعاً، ولهذا السبب بقيتُ أنتظركِ هنا وأنا أرتجف في هذا الجو القارس.”
أجاب رينولد بنبرة يملؤها الفخر.
أليس من الطبيعي أن ينتظرني بما أنه أخطأ في حقي؟
‘يا لي من مسكينة، لا أستطيع حتى ضربه ضربة واحدة تشفي غليلي!’
“لماذا تقولين هذا؟ ومنذ متى وأنتِ تراعين مشاعري قبل ضربي؟ لقد دستِ على قدمي قبل قليل فحسب.”
“لا تترك لي فرصة للفوز بكلمة واحدة.”
نظرتُ إلى رينولد للحظة ثم هززتُ رأسي يائسة.
لو قررتُ ضربه في كل مرة أشعر فيها بالرغبة في ذلك، فلن تصمد يداي طويلاً.
لا أدري أين ذهب ذلك الطفل الصغير اللطيف الذي عرفتُه؟
كم من مرة وددتُ فيها أن أمسك بأطرف ملابسه وأصرخ فيه
“أعد إليّ رينولد القديم!”.. هل يا ترى يفكر رينولد بي بنفس الطريقة؟
بينما كنتُ غارقة في أفكاري، سألني رينولد بحذر
“هل تودين تناول السكونز؟”
أشار رينولد إلى مخبز صغير لبيع السكونز، وقبل أن يسمع ردي، قادني نحوه بخطواته.
“لقد قال بول إن هذا هو المحل الذي كان يتردد عليه كثيراً أيام دراسته، وطلب مني أن أحضركِ إلى هنا.”
قال ذلك بنبرة وكأنه يضيف عذراً لتصرفه
“..أنا لم أقل شيئاً على أي حال.”
“أردتُ إخباركِ فحسب.”
وهكذا، خرجتُ أنا ورينولد من المخبز ومعنا قطع السكونز الدافئة.
“….!”
ما إن أخرجتُ قطعة سكونز محشوة بحبيبات الشوكولاتة ووضعتها في فمي، حتى انطلقت مني صيحة إعجاب لا إرادية.
“..هذا لذيذ حقاً.”
وبما أن رينولد، الذي لا يميل للأطعمة السكرية، كان مستمتعاً بمذاقه أيضاً، فمن الواضح أن الأمر لم يقتصر على ذوقي الخاص فحسب.
سألتُ رينولد بينما كانت رائحة الشوكولاتة الحلوة لا تزال تملأ فمي
“وأنت، هل أديتَ الاختبار؟ هل أبليتَ بلاءً حسناً؟”
أخرج رينولد قطعة سكونز أخرى من الكيس وقدمها لي، ثم أجاب كأن الأمر لا يستحق الذكر
ة”بالطبع.”
أجل، لقد سألتُ سؤالاً لا داعي له.
“يبدو أنني سأحتل المرتبة الأولى في قائمة المقبولين.”
قال رينولد ذلك بابتسامة عابثة، مما أصابني بصدمة جعلتني أعجز عن إغلاق فمي من شدة ثقته المستفزة.
“لا تتصرف هكذا في الأكاديمية، وإلا فلن تجد لك أصدقاء.”
عندها، أشار رينولد إليّ
“ولماذا أحتاج لأصدقاء جدد وأنتِ موجودة؟”
لقد كانت جملة جعلتني عاجزة عن الرد.
في الحقيقة، كنتُ ممتنة لكلماته، لكن المشكلة تكمن في أنني لا أنوي دخول الأكاديمية أصلاً.
هنا بدأ القلق يتسلل إليّ بشأن ما سيحدث لاحقاً إذا اكتشف رينولد هذه الحقيقة، فبماذا سأتذرع أمامه؟
“إنها الثلوج.”
قال رينولد ذلك وهو يرفع نظره نحو السماء.
وبإلهام منه، نظرتُ أنا أيضاً للأعلى، فرأيتُ ندف الثلج البيضاء تتساقط ببطء مددتُ يدي لأستقبل الثلج المتساقط.
“..هل هذا هو الثلج الأول؟”
“بما أن الثلج لم يهطل في العاصمة بعد، ألا يعتبر هذا هو الثلج الأول بالنسبة لنا؟”
ربما لأن الثلج كان يسقط بهدوء واستقامة، بدا لي أجمل ثلج رأيته في حياتي.
لقد مر عام كامل منذ أن شهدتُ الثلوج المتطايرة بعشوائية في العاصمة هارتشن
في ذلك الوقت أيضاً، رأيتُ الثلج الأول برفقة رينولد.
ورغم أنني قللتُ من عدد لقاءاتي به، إلا أنني لسبب ما كنتُ دائماً معه في يوم هطول الثلج الأول.
“جميل جداً…”
في تلك اللحظة، التقت عيناي بعيني رينولد.
لم ينطق أحدنا بكلمة، لكننا أدركنا ما يفكر فيه الآخر كالعادة وهكذا، حولنا مسارنا عن العربة واتجهنا نحو الشارع؛ فقد أردنا الاستمتاع بهذا الثلج لفترة أطول.
لم يمضِ وقت طويل على بدء الهطول، لكن وبما أنها كانت ثلوجاً كثيفة، فقد تراكمت سريعاً لتغطي الأرض لم يكن في الشارع الذي اصطبغ بالبياض سوانا.
بدأتُ أمشي بحذر، مركزةً كل اهتمامي على ترك آثار أقدام جميلة ومنتظمة.
ثم التفتُّ خلفي مستغربةً من عدم لحاق رينولد بي، فوجدته يقترب وهو يتعمد دهس وطمس آثار أقدامي التي تركتها بعناية.
كان يجمع كرات الثلج بقدمه وهو يمشي، ولم أفهم أبداً لماذا يصر على تخريب آثاري أنا بالذات.
وبينما كنتُ أفتح فمي من شدة الذهول، وصل رينولد أمامي بسرعة.
يبدو أنه لم يلاحظ وقوفي لأنه كان مشغولاً بجمع الثلج، فلم يرفع رأسه إلا عندما أصبح أمامي مباشرة.
كان رينولد أطول مما توقعت.
كنتُ أعلم أنه طويل القامة، لكن.. هل كان بهذا الطول حقاً؟
بينما كنتُ أتأمله بدهشة وألاحظ التغيرات في هيئته، أشار برأسه نحو الأسفل.
نظرتُ حيث أشار، فرأيتُ كرة ثلج صغيرة.
أدركتُ فوراً أنه يريد صنع رجل ثلج جلس رينولد القرفصاء أمامي وبدأ يضغط على كرة الثلج الصغيرة بيديه ليجمع المزيد.
نفضتُ حبات الثلج التي بدأت تتراكم على شعر رينولد الأسود، ثم جلستُ بجانبه وبدأتُ أجمع كرة ثلج أخرى.
لكن يديّ تجمدتا من البرد، فأدخلتهما داخل كمي ثوبي.
شعرتُ بالدهشة من رينولد الذي كان يجمع الثلج بملامح هادئة وكأنه لا يشعر بشيء.
“ألا تشعر بالبرد في يديك؟”
عوضاً عن الإجابة، أراني رينولد يديه؛ لقد كانت حمراء تماماً، لا تختلف عن يديّ في شيء.
التعليقات لهذا الفصل " 26"