“كيف لي أن أتحدث كي تصدقني إذاً؟”
رفعتُ نظري إليه بعينين تملؤهما الملامة والدموع، فبدأت ملامح بول تزداد تجمداً.
وبينما كنتُ أضرب الأرض بقدمي متظاهرةً بالعجلة والارتباك، شحب وجه بول تماماً؛ حتى خُيل للناظر إليه أنه هو من يحتاج للمرحاض وليس أنا.
أثار اضطراب بول بلبلةً بين الفرسان المحيطين بنا، فبدأوا يتساءلون بذعر عن مكان أقرب مرحاض، فصرختُ بصوتٍ أكثر إلحاحاً
“ألا تنوي إخباري بأن عليّ حل الأمر داخل هذه العربة، أليس كذلك؟!”
“بـ.. بالطبع لا!”
أمر بول المرتبك أحد الفرسان بالبحث عن مرحاض فوراً، بينما كنتُ أتلوى في مكاني بتمثيلٍ متقن أنتظر تصرفه، ولم أكف عن استعجالهم
“بسرعة! أنا مستعجلة!”
“مـ.. مـ.. ماذا تفعلون جميعاً!! ابحثوا عن مرحاض بسرعة!!”
“عـ.. علم، سيدي!!!”
كلما ارتفع صوتي، ارتفع صوت بول وهو يوبخ الفرسان.
وفي تلك اللحظة، جاء أحد الفرسان يركض لاهثاً
“لقد.. لقد وجدتُ نزلاً!”
“جيد لنتوجه إلى هناك.”
خطرت لي فكرة
سأتظاهر بالذهاب للمرحاض ومن هناك سأهرب.
بدا بول قلقاً من وقوع كارثة داخل العربة، فصب جام غضبه على السائق ليحثه على السرعة.
أما أنا، فجلستُ على المقعد أهز ساقي بتململ.
‘يمكنكِ فعلها يا داناي.’
فُتح باب العربة فجأة.
أمسكتُ بيد بول وقفزتُ خارجاً.
كان الفرسان يحاولون جاهدين تجنب النظر إليّ، فصرختُ بوجهٍ محتقن
“يا إلهي! كادت تقع كارثة!”
جفل الفرسان عند سماع كلماتي، بينما همس بول بذعر
“آنستي، أرجوكِ انتقي كلماتكِ بعناية!”
تجاهلتُ كلمات بول تماماً ودخلتُ النزل بخطوات سريعة.
بدا أن صاحب النزل قد علم بالقصة، فقام بإرشادي إلى المرحاض بسرعة فائقة وبما أن مرحاض الطابق الأول كان مشغولاً، صعد بي إلى الطابق الثالث.
حاول بول اللحاق بي، لكنني منعته باشمئزاز متسائلةً كيف يجرؤ على ملاحقة سيدة تقضي حاجتها، فجفل وتراجع.
وافق بول على البقاء في الطابق الأول، وطلب من صاحبة النزل أن تقف مكانه أمام باب المرحاض.
يا له من شخص حذر! ورغم أن هذا كان من مزاياه، إلا أنني في تلك اللحظة تمنيتُ لو لم يكن كذلك.
بمجرد دخولي، تفحصتُ المكان؛ كانت هناك نافذة صغيرة لا تتسع لمرور جسدي.
‘آه.. ماذا أفعل الآن؟’
بحثتُ في كل زاوية بيأس، لكن لم يكن هناك أي مخرج ومع ذلك لم أستسلم، وبدأتُ أتفحص الجدران لأرى إن كان بإمكاني اختراق أحدها بقوتي.
“آنستي، هل انتهيتِ؟”
سمعتُ صوت صاحبة النزل المرتجف من الخارج.
أجبتها بسرعة
“انتظري قليلاً فقط!”
يبدو أن المخرج الوحيد هو ذلك الباب، وهذا يعني.. أن عليّ إبعاد تلك المرأة من أمامه.
“هل يمكنكِ إحضار دواء للإمساك؟ سأدفع لكِ الثمن الذي تطلبينه.”
“دواء إمساك؟ لحظة واحدة من فضلكِ!”
بدأت أصوات خطواتها تبتعد عن الباب.
وما إن تلاشت، حتى فتحتُ الباب وانطلقتُ نحو النافذة الموجودة في نهاية الممر.
‘لن أموت إذا سقطتُ من الطابق الثالث، أليس كذلك؟’
بينما كنتُ أفتح النافذة، فُتح باب الغرفة المجاورة وخرج منها رجل.
نظر إليّ وإلى النافذة ثم قال بنبرة جادة
“لا تفتحي النافذة.”
“لماذا؟”
“هناك مكب نفايات تحتها مباشرة، والرائحة كريهة.”
نظرتُ للأسفل فوجدتُ أكواماً من القمامة كما قال.
لم يكن الأمر يهمني كثيراً؛ فالملابس يمكن تغييرها والجسد يمكن غسله.
لكن بعيداً عن القمامة، كان الارتفاع شاهقاً جداً عكس ما توقعت.
واستنتجتُ بعقلانيه أنني إذا سقطتُ من هنا، فمن المؤكد أنني سأصاب بعاهة ما.
أغلقتُ النافذة بهدوء، ثم أمسكتُ بمعصم الرجل وصرخت
“لقد وجدتك!”
“ماذا؟” امتلأ وجهه بالدهشة، فبادرتُ بالحديث بسرعة قبل أن يستوعب الأمر
“هذا العالم على وشك الفناء أنا البطلة التي جاءت لإنقاذه، وأنت هو المساعد الذي سيعينني ألا تود إنقاذ العالم معي؟”
“ماذا تعنين بـ..”
بدأتُ أهذي بالترهات أمام الرجل المذهول
“أول مساعدة تقدمها لي هي تهريبي من هنا، فأنا في خطر اذهب لغرفتك وأحضر رداءً فوراً!”
صرختُ بنبرة ملحة، ويبدو أنه صدقني؛ فقد ركض إلى غرفته وأحضر رداءً.
ارتديته بسرعة وأمسكتُ بذراعه قائلة
“هناك قوى شريرة بالخارج إذا قبضوا عليّ، سينتهي العالم.”
“ماذا تقولين،”
“اصمت قد نلقى حتفنا كلانا ضع يدك على كتفي وانظر إليّ وكأنني حبيبتك التي تعشقها أكثر من أي شيء في العالم.”
رمش الرجل بعينيه ثم نفذ ما قلته ووضع يده على كتفي.
بدأنا ننزل الدرج ببطء، فصادفنا صاحبة النزل وهي صاعدة ومعها الدواء.
تملكني الرعب من أن تُكشف هويتي، لكنها مرت بجانبنا دون أن تلاحظ شيئاً.
أكملنا طريقنا، ومررنا بسلام من أمام بول الذي كان ينتظر عند مكتب الاستقبال بملامح جادة.
يبدو أن الرجل أتقن دور الحبيب أفضل مما توقعت.
شعرتُ بفخر شديد بذكائي لدرجة أنني كدتُ أضحك.
وبينما كنتُ أحاول التسلل نحو القرية، شد الرجل يده على كتفي ووجهني نحو طريق آخر.
همستُ له بارتياب
“..إلى أين نحن ذاهبون؟”
“اتبعيني فقط أليس عليكِ الهرب بما أنكِ مطاردة؟ لنخرج من القرية هكذا.”
كان هذا يناسبني تماماً أنزل الرجل قبعة الرداء أكثر على وجهي، ومشينا لفترة حتى توقف فجأة.
رفعتُ رأسي باستغراب، ويا للصدمة! كانت عربة عائلة ليردونيا تقف أمامي مباشرة.
ظننتُ للحظة أنني فقدتُ عقلي وأتخيل أشياءً لا وجود لها.
نظرتُ إلى الرجل بذهول، فغمز لي بخبث
“لقد كان أمراً ممتعاً.”
“…”
في تلك اللحظة، اقترب بول من خلف الرجل وربت على كتفه
“أحسنت صنعاً سأرسل لك مكافأتك فوراً.”
“شكراً لك!”
انحنى الرجل لبول ثم ركض هارباً من المكان.
بقيتُ أرمش بعيني غير مستوعبة للموقف، لكن سرعان ما بدأت ملامحي تتقلص غضباً.
سحقاً! لم أتوقع أن والدي وبول يعرفانني إلى هذه الدرجة.
مددتُ يدي نحو الرجل المبتعد وصرختُ بيأس
“لا، أيها الوسيم! عد! سأعطيك مالاً أكثر مما أعطاك!”
تردد صدى صوتي في الأرجاء، لكن الرجل لم يلتفت حتى.
أما بول، فرفع طرف شفته بابتسامة ساخرة
“هيا بنا إذاً، آنستي.”
بدأتُ أفكر بجدية: هل يمكنني القضاء على كل هؤلاء الأشخاص والهرب من هنا؟
.. أم أجرب الركض كالمجنونة فحسب؟
****
لأختصر الأمر؛ لقد فشلت محاولة الهرب.
يبدو أن والدي لم يختر فرسان الدوقية عبثاً، فقد وجدتُ نفسي أتأمل دقة اختياره وأنا أهز ساقي بارتباك شديد.
كان شعوري يشبه تماماً شعور ذبيحة تُساق إلى المسلخ.
أما العربة، التي بدت متناغمة تماماً مع حالتي النفسية، فقد واصلت طريقها وهي محملة بكل مشاعر القلق التي تملأ صدري.
وبعد فترة ليست بالقصيرة من السير، توقفت العربة أخيراً، ويبدو أننا وصلنا إلى الأكاديمية.
يا للهول، إنها أكاديمية تيلين حقاً.
انتصب أمام عينيّ ذلك المبنى المهيب الذي كنتُ أتخيله دوماً في أفلام الفانتازيا؛ مبنى ناصع البياض بشكلٍ يثير القشعريرة والريبة.
ربما كان هذا الشعور انعكاساً لما يدور في عقلي الباطن، فمبنى بهذا البياض لم يمنحني أي ذرة من الشجاعة للدخول.
لكن بول، إما لأنه لم يلحظ اضطرابي أو لأنه تظاهر بالجهل، مدّ يده لي بكل وقاحة ليساعدني على النزول من العربة.
نظرتُ إلى يده الكبيرة وقمتُ بتقطيب وجهي
“أنت.. أنا أكرهك حقاً.”
رسم بول تعابير الحزن على وجهه عند سماع كلماتي
“هذا يحزنني يا آنستي.”
“من الذي يجب أن يشعر بالحزن الآن برأيك؟”
“أنا آسف يا آنستي، لكن ولائي الذي أقسمتُ عليه هو لسيادة الدوق وحده.”
كانت كلماته هذه كفيلة بإشعال النيران في قلبي الذي جف كخشب يابس من شدة التوتر.
“بول.. هل تحاول استفزازي الآن؟”
بدا الأمر وكأنه يصب الزيت على النار، لكن بول اكتفى بالابتسام
“مستحيل، فأنا ممن يحبونكِ يا آنستي.”
وحين رأى أنني لا أنوي النزول من العربة رغم حديثه، مدّ يده فجأة وأمسك بخصري ثم أنزلني من العربة.
ومع ذلك، لم أكف عن رمقه بنظرات حادة، فابتسم بول بارتباك واقترب ليهمس في أذني بصوت خفيض
“في الواقع.. لقد ذكر سيادة الدوق أنه إذا رسبتِ في هذا الاختبار، فسيفكر بجدية في مسألة استقلالكِ.”
“ماذا قلت؟”
هل قال والدي ذلك حقاً؟ فكلما كنتُ أرجوه أن يسمح لي بالاستقلال الآن بعد أن أصبحتُ بالغة، لم يكن يجيبني إلا بطردي من غرفته قائلاً إنني مصدر للإزعاج.
نظرتُ إلى بول بتعجب، فهز كتفيه
“سيادة الدوق يحترم رغبتكِ أكثر مما تظنين.”
بدا كلامه متناقضاً تماماً مع وقوفي الآن أمام باب الأكاديمية رغماً عني.
لكن مهلاً، ألا يعني هذا أنني أستطيع ببساطة تقديم ورقة إجابة فارغة؟
لكن بول، وكأنه يقرأ أفكاري بوضوح، تابع حديثه
“لكنه أضاف أيضاً أنه سيطلب من إدارة الأكاديمية مراجعة ورقة إجابتكِ بنفسه وإذا وجدها فارغة، فاعتبري موضوع استقلالكِ كأن لم يكن.”
يا له من رجل دقيق وحذر.. كيف أحكم الخطة بهذا الشكل!
التعليقات لهذا الفصل " 25"